والظَّاهر أنَّ المصنِّف أرادَ بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: (مَوْقُوْتًا) من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ قال: مفروضًا، وعن غيره: محدودًا. انتهى.
قال العَيني: أراد بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ هذا كلامٌ واهٍ، وليس في لفظ (مَوْقُوْتًا) إيهامٌ حتَّى ينبِّه بقوله: (مُوَقَّتًا). انتهى.
٥٢١ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمتُه في باب من الدِّين الفِرارُ من الفتن.
قوله: (قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمتُه في كتاب الوحي.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مُسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ) أي ابن مروان، أميرُ المؤمنين من الخلفاء الراشدين، ترجمته ﵁ في كتاب الإيمان.
قوله: (عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العَوَّام، ترجمته في بَدء الوَحي.
قوله: (المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ) أي الصَّحابي، ترجمته في باب الدِّين النَّصيحة.
قوله: (أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أي عُقْبَة بن عَمْرو بنِ ثَعْلَبَةَ الخزرجيُّ الأنصاريُّ ﵁، ترجمته في باب ما جاء أنَّ العملَ بالنيَّة والحِسبة.
قوله: (بَشَيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُوْدٍ) أي ابن عُقْبَة المذكور، قال شيخُنا: هو بفتح الموحَّدة بعدَها معجَمة، بوزن فعيل، وهو تابعي جليلٌ، وذُكر في الصحابة لكونه وُلد في عهد النَّبِيِّ ﷺ ورآه. انتهى.
قلتُ: ذكر أبو عيسى التِّرْمِذي في «تاريخه» في باب مَن وُلد في حياة رسول الله ﷺ أو بعد وفاته بشير، ولم يذكر له قصةً. انتهى.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجَمع في مَوضع واحدٍ، والإخبارُ بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القراءةُ على الشيخ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رجالَه كلُّهم مدنيّون، وفيه ما قاله ابنُ عبد البَّرِّ، وهو أنَّ هذا السِّياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يقل: حضرتُ مراجعةَ عُرْوَة لعمرَ بن عبد العزيز، وعُرْوَة لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصِّيَغ.
وقال الكِرْماني: اعلم أنَّ هذا الحديث بهذا الطريق ليس بمتصِل الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعودٍ: شاهدتُ رسول الله ﷺ، ولا قال: قال رسول الله ﷺ. انتهى.
قال شيخُنا: هذا لا يُسمّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسلُ صحابي؛ لأنَّه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبِيِّ ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ مَن شاهدَه أو سمعه لصحابي آخر، على أنَّ رواية اللَّيث عند المصنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه، ولفظُه: فقال عروةُ: سمعت بشير بنَ أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث، وكذا سياقُ ابن شِهاب ليس فيه التصريحُ بسماعه له من عُرْوَةَ، وابنُ شهابٍ قد جُرِّب عليه التدليسُ، لكن وَقَعَ في رواية عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن ابن شِهابٍ قال: كنّا مع عُمَر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شُعَيب عن الزهريِّ: سمعت عُرْوَة يحدِّث عُمَر بن عبد العزيز، الحديث. انتهى.
قال العَيني: قولُ هذا القائل: رواية اللَّيث عند المُصَنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه إلى آخره، غيرُ مُسلَّمٍ
[ ٣٣ ]
في الرواية الَّتي ههنا؛ لأنَّها غيرُ متَّصلةُ الإسناد بالنَّظر إلى الظَّاهر، وإن كانت في نفس الأمر متصلةَ الإسناد، وكلامُ الكِرْماني بحسب الظَّاهر وإن كان الإسناد في نفس الأمر متَّصلًا. انتهى.
قال شيخنا: لم أقل: إنَّها متَّصلةٌ لفظًا، بل هي متَّصلةٌ اصطلاحًا بدليل رواية اللَّيث، فالذي لا يُسلِّم هذا - يعني العَيني - لا يُلام؛ لأنَّه لا يدري الاصطلاح، وما زال الأئمةُ يحرصون على بيان الاتصال فيما يوهِم الإرسالَ وتسميةِ مَن أُبهم ونحو ذلك من النُّكت الحديثيَّة، وبالله التَّوفيق. انتهى.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا وهو بالعراق، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر فَأَخبَرَهُ: أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى، فصلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ؟! فَقَالَ عُمَر لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ، أَوَ إِنَّ جِبرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيْهِ).
قَالَ عُرْوَةُ: (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ فَصَلَّى) إلى آخره، وهي خمسُ مرَّات، فدلَّ أنَّ الصَّلوات مؤقَّتة بخمسة أوقات، فإن قلت: الحديث لا يدلُّ إلَّا على عدد الصلوات، لأنَّه لم يذكر الأوقات. قال العَيني: وقوعُ الصَّلاة خمس مرَّات يستلزم كونَ الأوقات خمسةً، واقتصر أبو مسعود على ذكر العدد؛ لأن الوقت كان معلومًا عند المخاطبة.
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في بدء الخلق عن قُتَيْبَة عن ليثٍ، وفي المغازي عن أبي اليمان عن شُعَيب ثلاثتُهم عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رُمحٍ كلاهُما عن ليثٍ به، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن مسلمةَ عن ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن رُمحٍ به.
قوله: (أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا) وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: أخَّر العصرَ شيئًا، وقوله: (يَوْمًا) بالتنكير؛ ليدلَّ على التعليل، ومرادُه يومًا ما، لا أنَّ ذلك كان سَجيةً كما كانت ملوكُ بني أميَّة تفعل لا سيَّما العصرَ، فقد كان الوليد بن عُتْبَة يؤخِّرها في زمان عُثْمان ﵁، وكان ابنُ مسعود يُنكِر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرَّةً الجمعةَ حتَّى أمسى، وكذا كان الحجَّاج يفعل، وسيأتي بيان ذلك قريبًا في باب تضييع الصَّلاة عن وقتها.
وفي رواية الطَّبَرَاني من طريق أبي بكر بن حَزم: أنَّ عُرْوَة حدَّث عُمَر بن عبد العزيز
[ ٣٣ ]
وهو يومئذٍ أميرُ المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمانٌ يؤخِّرون فيه الصلاة، يعني بني أميَّة، قال ابن عبد البرِّ: المرادُ إنَّه أخَّرها حتَّى خرج الوقتُ المستحبُّ، لا إنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشمس. انتهى.
قال شيخنا: ويؤيِّده سياقُ رواية اللَّيث المتقدِّمة.
قال العَيني: أخرَّها عن الوقت المستحبِّ المرغَّب فيه، لا عن الوقت، ولا يُعتقد ذلك فيه لجلالته، وإنكارُ عُرْوَة عليه إنَّما وَقَعَ لتركه الوقتَ الفاضلَ الذي صلَّى فيه جبريلُ ﵇.
فإن قلت: روى الطَّبَرَاني من طريق يزيد بن أبي حبيبٍ عن أسامةَ بن زيد اللَّيثيِّ عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عُمَر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها. أجيب بأنَّ معناه: قارَب المساءَ. لا إنَّه دخل فيه.
قال شيخنا: وقد رجع عُمَر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حَيوَة عن أبيه: أنَّ عُمَر بن عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يصلِّي الظُّهر في السَّاعة الثامنة، والعصرَ في السَّاعة العاشرة حين تدخل.
قوله: (أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا) بيَّن عبدُ الرزَّاق في روايته عن ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب: أنَّ الصَّلاة المذكورة العصرُ أيضًا، ولفظه: «مَسَّى المغيرةُ بنُ شُعْبَة بصلاةِ العصرِ».
قوله: (وَهُوَ بِالعِرَاقِ) جملةُ اسميَّة وقعت حالًا عن المغيرة، وأراد به عراقَ العرب، وهو من عبَّادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسيَّة إلى حُلوان عرضًا، وفي رواية القَعنَبي وغيره عن مالك في الموطأ: وهو بالكوفة. وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القَعْنَبي، والكوفةُ من جملة عراق العرب، فالتعبير بها أخصُّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبل معاويةَ بن أبي سفيان.
قوله: (مَا هَذَا) أي التأخير.
قوله: (أَلَيْسَ) الرواية وقعت كذا (أَلَيْسَ) وكأنَّ مقتضى الكلام: (أَلَيْسَتْ) بالخطاب، قال القُشَيري: قال بعض فضلاء الأدب: كذا الرواية، وهي جائزة، إلَّا أنَّ المشهور في الاستعمال (أليست) يعني بالخطاب.
وقال عياض: يدلُّ ظاهر قوله: (قَدْ عَلِمْتَ) على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظنِّ من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة. قال العَيني: لأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أَلَيْسَ) ولكن يؤيِّد الوجه الأوَّل رواية شُعَيب عن ابن شهاب عند البخاري أيضًا في غزوة بدر بلفظ: فقال: (لَقَدْ عَلِمْتَ) بغير حرف الاستفهام، ونحوُه عن عبد الرزَّاق عن مَعْمَر وابن جُرَيج جميعًا.
قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) قلت: قد قدَّمنا الكلام على جبريل ﵇ مستقصىً في كتاب الوحي. انتهى. بيَّن ابن إِسْحاق في المغازي: أنَّ ذلك كان صبيحة اللَّيلة الَّتي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء.
قال شيخنا: قال ابن إسحاق: حدَّثني عُقْبَة بن مسلم عن نافع بن جُبَير، وقال عبد الرزَّاق: عن ابن جُرَيج قال: قال نافع بن جُبَير وغيره: «لما أَصبحَ النَّبِيُّ ﷺ منَ الليلةِ الَّتي أُسريَ بِهِ لم يرُعْهُ إلَّا جبريلُ نزلَ حِينَ زاغَتِ الشَّمس - ولذلك سمِّيت الأولى؛ أي صلاة الظُّهر - فأمرَ
[ ٣٤ ]
فَصِيحَ بأصحابِه: الصَّلاة جامعَة، فاجتمعُوا فصلَّى بهِ جبريلُ، وصلَّى النَّبِيُّ ﷺ بالناسِ» فذكر الحديث، وفيه ردٌّ على من زَعَمَ أنَّ بيانَ الأوقات إنَّما وَقَعَ بعد الهجرة، والحقُّ: أنَّ ذلك وَقَعَ قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبِيِّ ﷺ. انتهى.
قلت: اليوم الذي يسفر عن ليلتها، ورُدَّ: أنَّ الإسراء كان ليلة الجمعة، وكأنَّ بعضهم يقول: ليلة السَّبت، قال ابن دِحْيَة: وهذا نقلٌ مَحضٌ يُطلب فيه الصِّحَّة، ثمَّ قال: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين. وذكر الدَّليل على ذلك بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة، وحاصل الأمر: إنَّه استنبط وحاول موافقةَ كون المولد الشريف يوم الاثنين، وكون المبعث يوم الاثنين، وكون المعراج يوم الاثنين، وكون الهجرة يوم الاثنين، وكون الوفاة يوم الاثنين، قال: فإن هذه أطوارُ الانتقالاتِ النبوية وجودًا ونبوَّةً وهجرةً ومعراجًا ووفاةً، فيكون يوم الاثنين في حقِّه ﵇ كيوم الجمعة في حقِّ آدم ﵇، فيه خُلق وفيه تِيب عليه وفيه مات ﵇. انتهى. ذكره في كتاب «الابتهاج».
قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ) قال العَيني: الكلام هنا في موضعين؛ أحدهما: في كلمة (ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى)، والآخر: في كلمة الفاء، أما الأوَّل فقد قال الكِرْماني: فإن قلت: لِمَ قال في صلاة جبريل: (ثُمَّ صَلَّى) بلفظ (ثم)، وفي صلاة الرَّسول: (فَصَلَّى) بالفاء، قلت: لأنَّ صلاة الرسول كانت متعقبة لصلاة جبريل ﵇ بخلاف صلاته؛ فإن بينَ كلِّ صلاتين زمانًا، فناسب كلمة التراخي. انتهى. قلت: وقد علمت مما قاله الكِرْماني: إنَّه ليس بين نزوله وصلاته تراخي؛ لأنَّه قال: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ). انتهى.
وأما الثَّاني فقد قال عياض: ظاهره أنَّ صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره: أنَّ جبريل أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ، فيحمل قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى) على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصَّلاة تابعه النَّبِيُّ ﷺ بفعله. وقال النَّوَوي: (صَلَّى فَصَلَّى) مكرِّرًا خَمْس هكذا خمس مرات، معناه: إنَّه كلما فعل جزءًا من أجزاء الصَّلاة فعله النَّبِيُّ ﷺ حتَّى تكاملت صلاتهما. انتهى.
قال العَيني: مبنى كلام عياض على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدلُّ على أنَّ صلاة النَّبِيِّ ﵇ كانت عُقيب فراغ جبريل من صلاته، وحاصل جوابه: إنَّه جعل الفاء على أصله، وأوَّله بالتأويل المذكور، وبعضهم ذهب إلى أنَّ الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنَّه ﵊ إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصلِّيًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب ألَّا يكون مصلِّيًا معه، واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النَّبِيُّ ﷺ صلَّى قبل جبريل؛ لأن الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك، قلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا يُنكر كما في قوله:
* بين الدخول فحَوْمل
فإن الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يدفع بأن جبريل ﵇ هنا مبيِّن لهيئة الصَّلاة
[ ٣٤ ]
الَّتي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن تكون صلاته بعد صلاة النَّبِيِّ ﷺ، وإلا لانتفى أن يكون لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا سببيَّة كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوْسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. انتهى.
قال شيخنا: وفي رواية اللَّيث عند المُصَنِّف وغيره: «نَزَلَ جِبريلُ فَأَمَّني فَصَلَّيتُ مَعَهُ»، وفي رواية عبد الرزَّاق عن معمر: «نَزَلَ فَصَلَّى، فصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فصلَّى النَّاس مَعَهُ»، وهذا يؤيِّد رواية نافع بن جُبَير المتقدِّمة، وإنَّما دعاهم إلى الصَّلاة بقوله: «الصَّلاةُ جامِعَةٌ» لأنَّ الأذان لم يكن شرع حينئذ. انتهى.
قال القُرْطُبي: قول عروة: (أَنْ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) ليس فيه حجَّة واضحة على عُمَر بن عبد العزير؛ إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوَّهم عليه أنَّه ينبِّهه، وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عُمَر على عُرْوَة حيث قال له: اعلم ما تحدِّثُ [به] (^١) يا عُرْوَة، قال: وظاهر هذا الإنكار إنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل، قال شيخنا: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمرِّ، لكن لم يعرف أنَّ أصله بتبيين جبريل ﵇ بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقف على شيء من الرِّوايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظَّاهر إنَّه رجع إليه.
قوله: (بِهَذَا) أي بأداء الصَّلاة في هذه الأوقات.
قوله: (أُمِرْتُ) رُوِيَ بضمِّ التَّاء وفتحها، وعلى الوجهين هو على صيغة المجهول، قال ابن العربي: نزل جبريل ﵇ إلى النَّبِيِّ ﷺ مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النَّبِيِّ ﷺ لا بأصل الصَّلاة، وأقوى الروايتين فتح التَّاء، يعني: أنَّ الذي أُمرت به من الصَّلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصَّلًا، قال العَيني: فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل للنَّبيِّ ﷺ، وأمَّا وجه الضمِّ فهو أنَّ جبريل ﵇ يُخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، فعلى الوجهين الضَّمير المرفوع في قوله: (ثَمَّ قَالَ) يرجع إلى جبريل ﵇، ومن قال في وجه الضمِّ: إنَّ النَّبِيَّ أخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، وأن الضَّمير في (قَالَ) يرجع إلى النَّبِيِّ ﷺ فقد أبعد وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضًا. انتهى.
قوله: (اعْلَمْ مَا تَحَدَّثُ بِهِ) بصيغة الأمر، تنبيه من عُمَر بن عبد العزيز لعُرْوَة على إنكاره إيَّاه، وقال القُرْطُبي: ظاهره الإنكار؛ لأنَّه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ﵇، إمَّا لأنَّه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، والأولى عندي: أنَّ حجَّة عُرْوَة عليه إنَّما هي فيما رواه عن عائشة، وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومُعلمًا بأنَّ الأوقات إنَّما ثبت أصلها بإيقاف جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ عليها.
قوله: (أَوَأَنَّ جِبْرِيْلَ) قال السَّفَاقُسي: الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا، وقال
_________________
(١) به: ليست في الأصل.
[ ٣٥ ]
النَّوَوي: الواو مفتوحة، وأنَّ ههنا تُفتح وتُكسر، وقال صاحب «الاستقضاب» (^١): كسر الهمزة أظهر؛ لأنَّه استفهام مستأنف إلَّا إنَّه ورد بالواو والفتح على تقدير: أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل نزل؟ قال العَيني: لم يذكر أحد منهم أنَّ الواو أي واو هي، وهي واو العطف على ما ذكره بعضهم، ولكنَّه قال: والعطف على شيء مُقَدَّر، ولم يبيِّن ما هو المُقَدَّر. انتهى.
قلت: أراد العَيني بقوله: (بَعْضُهم) شيخَنا، فإنَّه قال: (أَوَ أَنَّ) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، والواو وهي العاطفة، والعطف على شيء مُقَدَّر. انتهى.
قلت: يجوز أن يكون التقدير بعد قوله: اعلم ما تحدِّث إذ حدَّثت، أي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مأمومًا، أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل هو أقام. انتهى.
قوله: (وُقُوْتَ) كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين: «وَقْتَ الصَّلَاةِ» بالإفراد وهو للجنس.
٥٢٢ - قوله: (قَالَ عُرْوَةُ) قال الكِرْماني: هذا إما مقول ابن شهاب، أو تعليق من البخاري.
قال شيخنا: الاحتمال الثَّاني على بعده مغاير للواقع كما سيظهر في باب وقت العصر قريبًا؛ فقد ذكره مسندًا عن ابن شهاب عن عُرْوَة عن عائشة، فهو مقوله: وليس بتعليق، وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى. انتهى.
قوله: (كَذَلِكَ كانَ بَشِيْر) تقدَّم الكلام على هذا في الكلام على الإسناد.
قوله: (فِي حُجْرَتِها) قال ابن سِيدًه: الحجرة من البيوت معروفة، وقد سمِّيت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها، يقال: استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرةً، وفي «المنتهى» و«الصحاح»: الحجرة: حظيرة الإبل، ومنه حجرة الدَّار، تقول: احتجرت حجرة، أي اتَّخذتها، والجمع حُجَر مثل غرفة وغُرَف، وحُجُرات بضمِّ الجيم.
قوله: (أَنْ تَظْهَرَ) ذكر في «الموعب»: يقال: ظهر فلان السَّطح إذا علاه. وعن الزَّجَّاجِ في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه. وفي «المنتهى»: ظهرتُ البيتَ علوتُه، وأظهرتُ بفلان أعليتُ به، وفي «كتاب ابن التين» وغيره: ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه. قيل: وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصُه لمن تأمّله، وقيل: معناه: أن يخرج الظلُّ من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر. قال العَيني: والتفسير الأوَّل أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (تَظْهَرَ) إنَّما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدَّم للظلِّ ذكرٌ في الحديث. وسنستوفي الكلام في حديث عائشة عن قريب في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى.
فيه دليل على أنَّ وقت الصَّلاة من فرائضها، وأنَّها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلافَ فيه بين العلماء إلَّا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التَّابعين أجمع العلماء على خلافه، قال العَيني: ولا وجه لذكره ههنا؛ لأنَّه لا يصحُّ عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.
وفيه المبادرة بالصلاة في أوَّل وقتها، وهذا هو الأصل وإن روي الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة، وفيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنَّة، وفيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنَّة.
وفيه أنَّ الحجَّة في الحديث المسند دون المنقطع، ولذلك لم يقنع عُمَر به، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به.
وفيه ما استدلَّ به قوم منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: الاقتضاب، كذا في عمدة القاري: ٥/ ٥، وهو: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (٥٢١ هـ)، ويحتمل أن يكون: الاستيعاب لابن عبد البرِّ، والأول أرجح.
[ ٣٥ ]
خلف المتنفِّل من جهة أنَّ الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلِّف به الإنس، قال العَيني: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ جبريل كان مكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلوات ولم يكن متنفِّلًا، فتكون صلاةَ مفترضٍ خلف مفترض. وقال عياض: يحتمل ألَّا تكون تلك الصَّلاة كانت واجبة على النَّبِيِّ ﷺ حينئذ، ورُدَّ بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصَّلاة، واعترض عليه باحتمال أنَّ الوجوب عليه كان معلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلَّا بعد تلك الصَّلاة.
وفيه جواز البنيان، ولكن ينبغي الاقتصاد فيه، ألا ترى أنَّ جدار الحجرة كان قصيرًا؟! قال الحسن: كنت أدخل في بيوت النَّبِيِّ ﷺ وأنا محتلم وأنا أسقفها بيدي.
وفيه ما استدلَّ به من يرى بجواز الائتمام بمن يأتم بغيره، والجواب عنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مُبَلِّغًا فقط كما في قصَّة أبي بكر في صلاته خلف النَّبِيِّ ﷺ وصلاة النَّاس خلفه، وسيأتي مزيد الكلام فيه في أبواب الإمامة.
وفيه فضيلة عُمَر بن عبد العزيز، وفيه ما قال ابن بطَّال: فيه دليل على ضعف الحديث الوارد: «أنَّ جبريلَ ﵇ أمَّ بالنَّبِيِّ ﷺ في يومَين لوقتَين مختَلفين لكُلِّ صلاةٍ» قال: لأنَّه لو كان صحيحًا لم ينكر عُرْوَة على عُمَر صلاتَه في آخر الوقت محتجًّا بصلاة جبريل، مع أنَّ جبريل قد صلَّى في اليوم الثَّاني في آخر الوقت وقال: «الوقتُ ما بينَ هَذَين» وأجيب عن هذا: بأنه يحتمل أن تكون صلاة عُمَر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظلِّ الشيء مثله، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشَّمس، فحينئذ يتَّجه إنكارُ عُرْوَةَ، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون إنكار عُرْوَة لأجل مخالفة عُمَر ما واظب عليه النَّبِيُّ ﷺ وهو الصَّلاة في أوَّل الوقت، ورأى أنَّ الصَّلاة بعد ذلك إنَّما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا، وفي قوله: (مَا وَاظَبَ عَليْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهوَ الصَّلاة فِي أَوَّلِ الوَقْتِ) نظر لا يخفى قاله العَيني، وقال ابن المنيِّر: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر. قال شيخنا: كذا قال، وهو مسلَّم له في صورة المؤدَّاة مثلًا خلف المؤدَّاة، لا في صورة الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى.
وفيه قبول خبر الواحد المثبِت، واستدلَّ عياض على جواز الاحتجاج بمرسَل الثقة؛ لصنع عُرْوَة حين احتجَّ على عمر، وإنما راجعه عُمَر ليثبته فيه لا لكونه لم يرضَ به مرسَلًا، فإن قلت: ذكرُ حديث عائشة بعد ذكر حديث أبي مسعود ما وجهه؟ قال العَيني: لأن عُرْوَة احتجَّ بحديث عائشة في كونه ﵇ كان يصلِّي العصر في أوَّل الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأنَّ أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇.
قال العَيني: فإن قلت: ما معنى قولها: (قَبلَ أَنْ تَظهَرَ) والشمسُ ظاهرة على كلِّ شيء من أوَّل طلوعها إلى غروبها؟ قلت: إنَّها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكَنَّتْ بالشمس عن الفيء؛ لأن الفيء عن الشَّمس كما سُمِّي المطر سماء لأنَّه من السَّماء ينزل، ألا ترى جاء في رواية:
[ ٣٦ ]