كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العرض لا يكون مقابلًا للجسم، ولكنها حالة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وألَّا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد، وألَّا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة، وألَّا يكون بين الرائي والمرئي حجاب.
قلنا: الشرائط الستُّ الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته تعالى، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلَّا الأمران: سلامة الحاسَّة، وكونه بحيث يصحُّ أن يرى، وهذان الشرطان حاصلان.
فإن قلت: الكاف في (كَمَا تَرَوْنَ) للتشبيه، ولا بدَّ أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي، قال العَيني: معنى التشبيه فيه: أنَّكم ترونه رؤية محقَّقة لا شكَّ فيها ولا مشقة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. انتهى.
في حديث الباب أيضًا: زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأنَّ وقت صلاة الصُّبح وقت لذَّة النَّوم كما قيل:
ألذُّ الكَرى عند الصَّباح يطيبُ
والقيامُ فيه أشقُّ على النَّفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فلأنْ يحافظ على غيرها بالطريق الأَولى.
قلت: وفيه ترغيب النَّاس وحثُّهم على العبادة وضرب المثال بالشاهد على الغائب، وحضور الرغبة عند الإمام في اللَّيل وتعلُّمهم العلم باللَّيل، وفيه: أنَّ الأعمال الشاقَّة على النَّفس ينال بها العبد أعظم الثواب من الله. انتهى.
٥٥٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيُّون ما خلا عبد الله بن يوسف فإنه تِنِّيسي، وهو من أفراد البخاري.
قوله: (أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ، قَالَ: يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيل وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهار، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ فَيَسْأَلُهُم وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وقد ذكرنا أنَّ اقتصاره في الترجمة على العصر من باب الاكتفاء.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن إسماعيل وقتيبة، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه وفي البعوث عن قُتَيْبَة وعن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم الكلُّ عن مالك.
قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ) قال العَيني: فاعل (يَتَعَاقَبُوْنَ) مضمر، والتقدير: ملائكة يتعاقبون، وقوله: (ملائكة) بدل من الضَّمير الذي فيه أو بيان، كأنَّه
[ ٧١ ]
قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وقال الأَخْفَش ومن تابعه: إنَّ إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدَّم جائز وهي لغة بني الحارث، وقالوا: هو نحو أكلوني البراغيث، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وقال القُرْطُبي: هذه لغة فاشية، ولها وجه من القياس صحيح، وعليها حمل الأَخْفَش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
وقيل: هذا الطريق المذكور هنا اختصره الراوي، وأصله: «الملائكة يتعاقبون، ملائكة باللَّيل وملائكة بالنهار» وبهذا اللَّفظ رواه البخاري في بدء الخلق من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، وأخرجه النَّسائي أيضًا من طريق موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد بلفظ: «إن الملائكة يتعاقبون فيكم»، فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر: إنَّه كان تارةً يذكره هكذا وتارةً هكذا، وهذا يقوِّي قول هذا القائل، ويؤيِّد ذلك: أنَّ غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَة لكن بحذف (إنَّ) من أوَّله، وأخرجه ابن خُزَيمَة والسرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للهِ ملائكةً يتعاقبُونَ» وهذه الطريقة أخرجها البزَّار أيضًا، وأخرجه أبو نُعَيم في «الحلية» بإسناد صحيح من طريق أبي يُونُس عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ الملائكةَ فيكُم يعتقبُونَ».
وقال شيخنا: وتوارد جماعة من الشرَّاح على أنَّ حديث الباب من قبيل قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣]، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أنَّ هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ لذلك بما رواه البزَّار من وجه آخر عن أبي هريرة - أي كما تقدَّم - وقد شُوحح في العزو إلى «مسند البزار» مع أنَّ الحديث بهذا اللَّفظ في «الصحيحين» فالعزو إليهما أولى، وذلك أنَّ هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في «الموطَّأ» ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو قوله: (يتعاقَبون فيكُم)، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه أخرجه سعيد بن مَنْصور عنه، ثمَّ ذكر شيخنا الأحاديث الَّتي تقدَّمت ثمَّ قال: وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق الَّتي تتحد مع الطريق الَّتي وَقَعَ القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعزُ إلى تخريج البخاري والنَّسائي من طريق أبي زناد كما أوضحته. انتهى.
ومعنى: (يَتَعاقَبونَ) تأتي طائفة عقيب طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون، وقال ابن عبد البرِّ: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرَّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين.
فإن قلت: ما وجه تبكير ملائكة؟ قال العَيني: ليدلَّ على أنَّ الثانية غير الأولى لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
قوله: (فِيْكُمْ) أي المصلِّين أو مطلق المؤمنين، قال العَيني: الخطاب يعود في قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ) للمصلِّين، ولا يصحُّ أن يكون لمطلق المؤمنين؛ لأن هذه الفضيلة للمصلِّين، والدليل على ذلك قوله: (يجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ). انتهى. قلت: على قول من يقول: إنَّ المراد من الملائكة هنا الحفظة، يلزم من قول العَيني أنَّ غير المصلِّين من المؤمنين لا يكون معهم حفظة. انتهى.
قوله: (مَلَائِكَةٌ)
[ ٧١ ]
قال العَيني: عند أكثر العلماء هم الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم. وقال عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإنَّه أظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال القُرْطُبي: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم له، ولذلك قالوا: (أتيناهُم وهُم يصَلُّون، وتركناهُم وهُم يصَلُّون) وهذا من خفي لطفه ﷿ وجميل ستره إذ لم يطلعهم إلَّا على حالة عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى.
قال العَيني: هذا الذي قاله يعطي أنَّهم غير الحفظة؛ لأنَّ الحفظة يطَّلعون على أحوالهم كلِّها، اللَّهمَّ إلَّا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتجه ما قاله، والظَّاهر أنَّهم غيرهما؛ لأنَّه قد جاء في بعض الأحاديث: «إذا ماتَ العبدُ جلسَ كاتباهُ عندَ قبرِهِ يستغفرانِ لهُ ويصلِّيانِ عليهِ إلى يومِ القيامةِ» يوضحه ما روى ابن المنذر بسند له عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عن أبيه أنَّه كان يقول: يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى حارس اللَّيل وحارس النَّهار عند طلوع الفجر.
وعن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار، يشهدون أعمال بني آدم. وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: تشهده الملائكة والجنُّ. انتهى.
قال شيخنا عقبه: كلام القاضي عياض: وفيه شيء؛ لأنَّه رجَّح أنَّهم الحفظة، ولا شكَّ أنَّ الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلَّا عن الحالة الَّتي تركوهم عليها ما ذُكر، ويحتمل أن يقال: إنَّ الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه في هاتين الوقتين، لكنَّه بناء على أنَّهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: أنَّ «الصلاةَ إلى الصَّلاة كفارةٌ لما بينَهما» فمن ثمَّ وَقَعَ السؤال من كلِّ طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. انتهى.
وتردَّد ابن بَزِيزَة: هل هم الحفظة أو غيرهم؟ وقال القُرْطُبي: الأظهر عندي أنَّهم غيرهم، ويقوِّيه: إنَّه لم ينقل أنَّ الحفظة يفارقون العبد، ولأنَّ حفظة اللَّيل غير حفظة النَّهار، وبأنَّهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: (كيف تركتم عبادي).
قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ) قال الزَّين بن المنيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالتين. قال شيخنا: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البرِّ: الأظهر أنَّهم يشهَّدون معهم الصَّلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أنَّ التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الجنس.
قلت: وقد تقدَّم آنفًا أنَّ اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم واجتماعهم على طاعة ربِّهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.
وقال ابن حبَّان في «صحيحه»: فيه بيان أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل والنَّاس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النَّهار، وهذا ضدُّ قول من زَعَمَ أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل بعد غروب الشَّمس.
[ ٧٢ ]
قوله: (ثُمَّ يَعَرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) من: عرج يعرُج عروجًا، من باب قصر يقصُر، والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عروجًا إذا عجز من شيء أصابه، وعرج يعرج عرجًا إذا صار أعرج أو كان خِلقةً فيه، وعرَّج بالتشديد تعريجًا إذا قام.
وقد تقدَّم الكلام على قوله: (الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) قال شيخنا: اختلف في الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا أي أقاموا في النَّهار فقيل هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد وإلى هذا أشار ابن التِّين وغيره قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشقِّ دون الآخر أنَّ ملائكة اللَّيل مظنة المعصية فلما لم يقع منه عصيان مع إمكان دواعي الفعل مع إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النَّهار أولى بذلك فكان السؤال عن اللَّيل أبلغ من السؤال عن النَّهار لكون النَّهار محلِّ الاشتهار وقيل: الحكمة في ذلك أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار. قال شيخنا: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي. قال العَيني: هذا الذي ذكره ضعيف؛ لأنَّ لبث ملائكة النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار لا يستلزم عدم السؤال. انتهى. ثمَّ هو مبني على أنَّهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيِّنه، وقيل: بناء أيضًا على أنَّهم الحفظة أنَّهم ملائكة النَّهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة اللَّيل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيِّده ما رواه أبو نُعَيم في «كتاب الصلاة» له من طريق الأسود بن يزيد النَّخَعي قال: يلتقي الحارسان - أي ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار- عند صلاة الصُّبح، فيسلِّم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة اللَّيل وتلبث ملائكة النَّهار.
وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنَّما يقع عند صلاة الفجر خاصَّة، وأمَّا النُّزول فيقع في الصَّلاتين معًا وفيه التَّعاقب، وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثمَّ تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثمَّ يعرج الذين باتوا فقط، ويستمرُّ الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثمَّ تعرج إحدى الطائفتين ويستمرُّ ذلك، فتصحُّ صورة التَّعاقب مع اختصاص النُّزول بالعصر والعروج بالفجر، فلهذا خصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم.
وقيل: إنَّ قوله في هذا الحديث: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وهمٌ؛ لأنَّه ثبت من طرق كثيرة: أنَّ الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في «الصحيحين» من طريق سعيد بن المُسَيَّب عن أبي هريرة في أثناء حديث فإن فيه: «ويجتمع ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار في صلاة الفجر»، قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وفي التِّرْمِذي والنَّسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ
[ ٧٢ ]
الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهَّده ملائكة اللَّيل والنهار. وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، قال ابن عبد البرِّ: ليس في هذا دفع للرواية الَّتي فيها ذكر العصر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدمُ اجتماعهم في العصر؛ لأنَّ السكوت فيه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وَقَعَ في الفجر لكونها جهريَّة.
قال شيخنا: وبحثه الأوَّل متَّجه؛ لأنَّه لا سبيل إلى ادعاء توهُّم الرَّاوي الثِّقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيَّما أنَّ الزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال: إنَّ رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النَّهار وَقَعَ من تقصير بعض الرواة، أو يحتمل قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا) على ما هو أعمُّ من المبيت باللَّيل والإقامة بالنَّهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كلُّ طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه إنَّه استعمل لفظ (باتَ) في (أقامَ) مجازًا، ويكون قوله: (فيسألُهم) أي كلُّ من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد عند النَّسائي ولفظه: «ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ كَانُوا»، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
وقد وَقَعَ لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كلٍّ من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السراج جميعًا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، فيجتمعُونَ في صلاةِ الفجرِ، فتصعدُ ملائكةُ اللَّيلِ وتبيتُ ملائكةُ النهارِ، ويجتمعُونَ في صلاةِ العصرِ، فتصعدُ ملائكةُ النَّهار وتبيتُ ملائكةُ الليلِ، فيسألُهم ربهُّم: كيفَ تركْتُم عبادِي؟» الحديث، وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى.
قوله: (فَيَسْأَلُهُمْ) قيل الحكمة فيه: استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم لما يقتضي التعطف عليهم بذلك، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي قد وجد فيهم من يسبِّح ويقدِّس مثلكم بنصِّ شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبُّد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو ﷾ أعلم من الجميع بالجميع.
قوله: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) قال ابن أبي حمزة: وَقَعَ السؤال عن آخر الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. انتهى. قلت: اعلم أنَّ العبد هو القائم إلى أوامر سيِّده على حدِّ النَّشاط حيث جعله محلَّ أمره وقد كثرت عبارات القوم في حدِّ العبد والعبوديَّة والعبودة بألفاظ مختلفة ومعاني متقاربة وقد أشبعت الكلام فيها في كتابي «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» فمن أراد تحقيقها فليراجعه. انتهى.
قوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) قال شيخنا: لم يراعوا
[ ٧٣ ]
الترتيب الوجودي؛ لأنَّهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه: أنَّهم طابقوا السؤال؛ لأنَّه قال: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) ولأن المُخبَر به صلاة العباد والأعمالُ بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر أعمالهم قبل أوَّله.
قوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ) ظاهره أنَّهم فارقوهم عند شروعهم في الصلاة، سواء تمَّت أو منع مانعٌ من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا؛ لأنَّ المنتظر في حكم المصلِّي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) أي ينتظرون صلاة المغرب.
وقال ابن التِّين: الواو في قوله: (وهم يصلُّون) واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنَّهم فارقوهم قبل انقضاء الصَّلاة فلم يشهَّدوها معهم، والخبر ناطق بأنَّهم يشهَّدوها؛ لأنَّا نقول هو محمول على أنَّهم شهدوا الصَّلاة مع من صلَّاها في أوَّل وقتها، وشهِّدوا من دخل فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك. انتهى.
فإن قيل: ما الفائدة في قولهم: (وَأَتَيْنَاهُمْ) وكأنَّ السؤال عن كيفية الترك؟ وأجيب بأنَّهم زادوا في الجواب إظهارًا لبيان فضيلتهم، وحرصًا على ذِكر ما يوجب مغفرتهم كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. انتهى.
قال شيخنا: ووَقَعَ في «صحيح ابن خُزَيمَة» من طريق الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: «فاغفرْ لهُمْ يوم الدين».
نكتة: استنبط منه بعض الصُّوفيَّة: إنَّه يستحبُّ ألَّا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلَّا وهو على طهارة؛ كشعره إذا حلقه، وظفره إذا قلَّمه، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك.
قال ابن خُزَيمَة: ويستفاد من الحديث أنَّ الصَّلاة أعلى العبادات؛ لأنَّها عليها وَقَعَ السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما يجتمع فيهما كلا الطائفتين وفي غيرهما طائفة واحدة، وفيه الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد: أنَّ الرزق يُقسم بعد صلاة الصُّبح، وأنَّ الأعمال تُرفع آخر النَّهار، فمن كان في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله ﷾ أعلم.
ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمَّة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام على غيره من الأنبياء، وفيه الإخبار بالغيوب ويترتَّب عليه زيادة الإيمان وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتَّى نتيقَّظ ونتحفَّظ في الأوامر والنَّواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربِّنا وبسؤال ربِّنا عنَّا.
قلت: وقد كنت أسمع شيخي وقدوتي السيِّد الشريف أحمد النُّعْماني ﵀ يقول عند صلاة الفجر: مرحبًا بملائكة النَّهار، مرحبًا برسل ربِّي، السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى.
وفيه إعلامنا بحبِّ ملائكة الله لنا؛ لنزداد فيهم حبًّا ونتقرَّب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته، وغير ذلك من الفوائد.
قال شيخنا: استدلَّ بالحديث بعض الحنفيَّة على استحباب تأخير صلاة العصر؛ ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النَّهار، وتُعُقِّب بأن ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنَّهم لا يصعدون إلَّا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصَّلاة ويتأخَّروا
[ ٧٣ ]