فأجاب بما نصّه: لا أعلم أحدًا من العلماء قال بجواز إهانة الخبز، كإلقائه تحت الأرجل، وطرح ما تناثر منه في المزبلة مثلًا أو نحو ذلك، ولا نصّ أحد من العلماء على المبالغة في إكرامه، كتقبيله مثلًا، بل نصّ أحمد ﵁ على كراهة تقبيله (١)، ومع عدم القائل بجواز الإهانة فيضاف إلى من أهانه استلزام ارتكاب عموم النهي عن إضاعة المال، فيمنع من طرحه تحت الأرجل، لأنّ الغير قد يتقذّر بعد ذلك، فيمتنع من أكله، مع الاحتياج إليه.
وأمّا الأحاديث الواردة في ذلك فمنها حديث: "أَكْرِمُوا الخُبْزَ، فَإِنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ، فَمَنْ أَكْرَمَ الخُبْزَ أَكْرَمَهُ اللهُ " أخرجه الطبراني (٢) من حديث
أبي سكينة، وسنده ضعيف، وفي لفظ: "فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ لَهُ مِنْ بَركَاتِ السَّمَاءِ، وسخَّرَ لَهُ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ" أخرجه البزار والطبراني وابن نافع (٣) من حديث عبد الله بن أمّ حرام، وسنده ضعيف جدًّا.
_________________
(١) انظر "منار السبيل" (٢/ ١٨٨) "الإنصاف" للمارداوي (٨/ ٣٣٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣٥)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٤) بعدما عزاه إليه: وفيه خلف بن يحيى، قاضي الريّ، وهو ضعيف، وأبو سكينة، قال ابن المديني: لا نعلم له صحبة. كذا قال في خلف، وهو من تساهله، فقد قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث، كان كذّابًا، لا يشتغل به، ولا بحديثه. ومن هنا تعلم أنّ قول المصنّف: سنده ضعيف، قصور، لا سيما وقد أقرّ أبا حاتم على كلامه في موضع آخر. انظر الجرح والتعديل (٣/ ٣٧٢) ميزان الاعتدال (٥/ ٤٥٤) لسان الميزان (٢/ ٤٠٥)
(٣) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥) وكذا البزار (٢٨٧٧ - كشف الأستار) وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٤) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٧)، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٤): رواه البزار والطبراني، وفيه عبد الله ابن عبد الرحمن الشامي، ولم أعرفه، وصوابه: عبد الملك بن عبد الرحمن الشامي، وهو ضعيف. كذا قال، وعبد الملك هذا، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حفص الفلاس: كذّاب، ولهذا أورده غير واحد في الموضوعات. انظر الموضوعات لابن الجوزي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) تنزيه الشريعة (رقم: ٦) اللآلئ المصنوعة (٢/ ١٨١) الفوائد المجموعة (رقم: ٢٦ و١٥٣) السلسلة الضعيفة (٦/ ٤٢٠).
[ ٢٠ ]
ومنها حديث أبي هريرة: "أَنَّ النَّييَّ ﷺ تسليمًا نَهَى عَنْ قَطْعِ الخُبْزِ بالسكينِ" أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء (١)،
وسنده واه، وأخرجه الطبراني (٢) من حديث أمّ سلمة، وسنده ضعيف أيضًا.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في الضعفاء والمجروحين (٣/ ٤٨) وكذا ابن عدي في الكامل (٧/ ٤٣) كلاهما في ترجمة نوح بن أبي مريم أبي عصمة، وقال فيه ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال ابن عدي: هذا حديث منكر، وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (رقم: ١٣١٥): رواه ابن حبان في الضعفاء، وفيه نوح بن أبي مريم وهو كذّاب؛ ولهذا حكم على الحديث بالوضع غير واحد، انظر موضوعات الصغاني (رقم: ١١٩) الموضوعات لابن الجوزي (٢/ ١٩٤) وتلخيصه للحافظ الذهبي (رقم: ٦٢٤) الفوائد المجموعة (رقم: ٤٠)
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٨٥) وكذا البيهقي في شعب الإيمان (رقم: ٦٠٠٧)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٧): رواه الطبراني، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وهو ضعيف. كذا قال، قال أبو طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عباد بن كثير أسوؤهم حالًا، قلت: كان له هوى؟! قال: لا، ولكن روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان من أهل مكّة، وكان رجلًا صالحًا. قلت: كيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: البلاء والغفلة، وقال ابن المبارك: انتهيت إلى شعبة، وهو يقول: هذا عباد بن كثير! فاحذروا روايته، وقال البخاري: تركوه، وقال النسائي: متروك الحديث. انظر الكامل في "الضعفاء" (٤/ ٣٣٣) الضعفاء للعقيلي (٣/ ١٤٠) المجروحين (٢/ ١٦٦) الجرح والتعديل (٦/ ٨٤).
[ ٢١ ]
ومنها حديث: "أكْرِمُوا الخُبْزَ، فَإِنَّ كَرَامَةَ الخُبْزِ أن لاَ يُنْظَرَ بِهِ الأُدُمُ" أخرجه الحاكم في المستدرك (١) من حديث عائشة، وأخرج ابن ماجه (٢)
من وجه آخر عن عائشة قالت: "دخل النبي ﷺ تسليمًا عليّ فرأى كسرة ملقاة فأخذها يمسحها، ثمّ أكلها وقال: يَا عَائِشَةُ! أَكْرِمي نِعَمَ اللهِ، فَإِنَّهَا مَا نَفَرَتْ عَنْ قَوْمٍ قَطّ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ" وسنده ضعيف، ولم أر في شيء من طرقه أنّه قبّلها، ومداره على
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ١٣٦) بلفظ: "أكرموا الخبز، وإنّ كرامة الخبز أن لا ينتظر به، فأكله وأكلنا"، وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه، وأقرّه الحافظ الذهبي، لكن قال: قلت: المرفوع منه "أكرموا الخبز".
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٣) بلفظ: "أكرمي كريما فإنّها "، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٣١): هذا إسناد ضعيف، لضعف الوليد بن محمد الموقري أبو بشر البلقاوي؛ وهذا تساهل، قال الحافظ فيه في التقريب: متروك؛ وقد ورد من طرق أخرى كلّها ضعيفة. انظر الإرواء (١٩٦١)؛ وللحديث شواهد أخرى، لكنّها ضعيفة أو موضوعة. قال الحافظ السخاوي ﵀ في "المقاصد الحسنة" (ص ٩٨): "وفي الجملة، خير طرقه الإسناد الأوّل على ضعفه، ولا يتهيّأ الحكم عليه بالوضع مع وجوده، لا سيما، وفي المستدرك للحاكم من طريق غالب القطان عن كريمة ابنة همام عن عائشة أنّ النبي - ﷺ - قال: "أكرموا الخبز"، حسب، قال شيخنا (يعني الحافظ ابن حجر): فهذا شاهد صالح"، ومال إلى تصحيح رواية الحاكم أيضًا الشيخ الألباني ﵀ فقال في الضعيفة (٦/ ٤٢٤): "وجملة القول: إنّ الحديث ضعيف من جميع طرقه، لشدّة ضعف أكثرها، وإضراب متونها، اللهمّ إلاّ طرفه الأول: "أكرموا الخبز"، فإنهّ النفس تميل إلى ثبوتها، لاتّفاق جميع الطرق عليها، ولعلّ ابن معين أشار إلى ذلك بقوله: أوّل هذا الحديث حقّ، وآخره باطل، ولأنّ حديث عائشة يمكن اعتباره شاهدًا له، لا بأس به، لخلوّه من الضعف الشديد، بل قد صحّحه الحاكم والذهبي كما تقدّم، ونقل الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" عن شيخه أنَّه قال فيه: فهذا شاهد صالح، والله ﷾ أعلم".
[ ٢٢ ]
الوليد بن محمّد المُوقري، وهو ضعيف جدًّا.
وبالجملة لا ينبغي مع ورود هذه الأحاديث إهانة الخبز احتياطًا، ولا تعظيمه. وأمّا بأن يجعل فوق الرأس أو يقبّل، فلا يشرع، والله سبحانه أعلم بالصّواب.
[ ٢٣ ]