قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جميع النسخ الّتي بين أيدينا جعلت هذه الترجمة هنا، وكان المناسب أن تُكتب قبل الحديث رقم (١٥٠) لأن ذلك الحديث والذي بعده من فضائل بلال -﵁-، وأيضًا تعبيره بلفظ "فضائل" يدلُّ على أنه أورد في الباب أكثر من فضيلة، ولعلّ بعض النُّساخ تصرّف فيه، والله تعالى أعلم.
أما بلال -﵁-، فهو: بلال بن رَبَاح الحبشي المؤذِّن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرّحمن، وقيل: غير ذلك في كنيته، وهو بلال ابن حَمَامَة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر الصديق -﵁- من المشركين لمّا كانوا يُعَذِّبونه على التّوحيد، فأعتقه، فلزِم النّبيّ -ﷺ-، وأَذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النّبيّ -ﷺ- بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح، ثمّ خرج بلال -﵁- بعد النّبيّ -ﷺ- مجاهدًا إلى أن مات بالشام، وقال البخاريّ: بلال بن رباح أخو خالد، وغُفْرة، مات بالشام زمن عمر -﵁-، وقال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر، وكان خازن رسول الله -ﷺ-، ورَوَى أبو إسحاق الْجُوزَجَانيّ، في "تاريخه" من طريق منصور، عن مجاهد قال: قال عَمّار: كُلٌّ قد قال ما أرادوا -يعني المشركين- غيرَ بلال.
ومناقبه كثيرة مشهورة، وقال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مُوَلَّد من مُوَلَّديهم، واسم أمه حَمَامة، قال البخاريّ: مات بالشام زمنَ عمر -﵁-، وقال ابن بكير: مات بدمشق في طاعون عَمَوَاس سنة (١٧) أو (١٨)، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة عشرين، وهو ابن بضع وستّين سنة، وقال ابن زَبْر: مات بِدَارِيَا، وحُمل على رقاب الرجال، فدُفن بباب كَيْسَان، وقيل: دُفن بباب الصغير، وفي "المعرفة" لابن منده أنه دُفِنَ بحلب رضي الله تعالى عنه، وأرضاه (١).
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (٤٤) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، مسلم بحديث، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث
_________________
(١) راجع "الإصابة" ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
فقط برقم (٥٦١) و(٧١٥) و(٧١٦) و(٣٠٢٤) و(٣٠٦٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٢ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالمٍ، أَنَّ شَاعِرًا مَدَحَ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: بِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله خَيْرُ بِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ لَا، بَلْ بِلَالُ رَسُولِ الله خَيْرُ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في السند الماضي.
٢ - (أبو أُسامة) حماد بن أُسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، ربّما دلّس، من كبار [٩] ١٢/ ١٠٢.
٣ - (عمر بن حمزة) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ المدنيّ، ضعيف [٦].
رَوَى عن عمه سالم بن عبد الله، وحصين بن مُصْعَب، والعباس بن عبد الرّحمن ابن ميناء، وأبي غطفان بن طَرِيف الْمُرّيّ، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مروان بن معاوية الْفَزَاريّ، وأحمد بن بَشِير الكُوفيُّ، وأبو عَقِيل عبد الله بن عقيل الثقفي، وأبو أُسامة، وأبو عَقِيل يحيى بن المتوكل.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه مناكير. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عمر ابن حمزة أضعف من عمر بن محمّد بن زيد. وقال النَّسائيُّ: ضعيف. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان ممّن يخطىء. وقال ابن عدي: هو ممّن يُكتَب حديثه. وأخرج الحاكم حديثه في "المستدرك"، وقال: أحاديثه لكلها مستقيمة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥٢) و(١٢٧٢).
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، من كبار [٣] ٢/ ١٦، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
شرح الحديث:
(عَنْ سَالم) بن عبد الله ﵀ (أَنَّ شَاعِرًا مَدَحَ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ الله) بن عمر بن الخطّاب القرشيّ الْعَدويّ ثقة من الطبقة الثّالثة، روى عن أبيه حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وروى عنه كعب بن عَلْقَمة، وعبد الله بن هُبيرة، وعبد الملك بن فارع. قال أبو زرعة: مدنيّ ثقة. وقال حمزة الكنانيّ: لا أعلم له غير هذا الحديث. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. وعدّه يحيى القطّان في فقهاء المدينة. وذكره ابن حبّان في الثقات. تفرّد به مسلم بالحديث المذكور (١).
وبلال هذا هو الّذي غضب عليه ابن عمر ﵁ حين ذكر حديث: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها"، فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن"، فأقبل عليه عبد الله، فسبّه سبّا سيئًا، وقال: أخبرك عن رسول الله -ﷺ-، وتقول: "والله لنمنعهنّ"، أخرجه مسلم.
(فَقَالَ) أي الشاعر في مدحه (بِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله خَيْرُ بِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (كَذَبْتَ) أي في قولك: خير بلال (لَا) أي ليس الأمر كما قلت (بَلْ بِلَالُ رَسُولِ الله -ﷺ-)، أضافه إليه لحصول الشرف له بسبب اتباعه (خَيْرُ بِلَالٍ) أي لأنه من أوائل المسلمين، ممّن أسهم كثيرًا في سبيل الدّعوة إلى الله، وضحّى بنفسه كما سبق بيان ما لقيه من تعذيب المشركين له -﵁- وأرضاه.
[تنبيه]: أثر ابن عمر ﵄ هذا ضعيف؛ لضعف بن حمزة بن عبد الله، كما سبق أقوال أهل العلم فيه، وهو من أفراد المصنّف ﵀. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) راجع "تهذيب التهذيب" ١/ ٢٥٤.
[ ٣ / ٣٧٨ ]