هو: جندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه -﵁- جمّة، مات سنة (٣٢) في خلافة عثمان -﵁-، وتقدّمت ترجمته في ١٢/ ١٠٨.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٥٦ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُثْمانَ ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيْليِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: "مَا أَقلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتِ الخضْرَاءُ، مَنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لهجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
(عثمان بن عمير) -بالتصغير- ويقال: ابن قيس، والصواب أن قيسًا جدّ أبيه، وهو عثمان بن أبي حميد أيضًا البجليّ، أبو اليقظان الكُوفيُّ الأعمى، ضعيفٌ، واختلط، وكان يُدلّس، ويغلو في التشيّع [٧].
رَوَى عن أنس، وزيد بن وهب، وأبي الطفيل، وأبي حرب بن أبي الأسود، وغيرهم.
وروى عنه حصين بن عبد الرّحمن، وهو من أقرانه، والأعمش، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: عثمان بن عمير أبو اليقظان، ويقال: عثمان ابن قيس، ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه. وقال أبي: خرج في الفتنة مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن. وقال عمرو بن علي: لم يرض يحيى، ولا عبد الرّحمن أبا اليقظان. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، سألت محمّد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن عمير فضعفه، قال: وسألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وذكر أنه حضره، فروى عن شيخ، فقال له شعبة: كم سِنُّك؟ فقال: كذا، فإذا قد مات الشّيخ،
[ ٣ / ٣٨٧ ]
وهو ابن سنتين. وقال إبراهيم بن عرعرة، عن أبي أحمد الزبيري: كان الحارث بن حُصَين، وأبو اليقظان يؤمنان بالرجعة، ويقال: كان يغلو في التشيع. ونسبه أحمد بن حنبل، فقال: هو عثمان بن عمير بن عمرو بن قيس البجلي، وقد يُنسَب إلى جد أبيه، ذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين العشرين ومائة إلى الثلاثين"، وقال: منكر الحدّيث، ولم يسمع من أنس، وقال في "الكبير": كان يحيى وعبد الرّحمن لا يحدثان عنه، وهو ابن قيس البجلي، وهو عثمان بن أبي حُميد الكُوفيُّ. وقال الجوزجاني عن أحمد: منكر الحدّيث، وفيه ذلك الداء، قال: وهو على المذهب منكر الحديث. وقال الْبَرْقاني عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم عن الدارقطني: زائغ، لم يُحتجّ به. وقال ابن عبد البرّ: كلهم ضعفوه.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبّان: اختلط حتّى كان لا يَدرِي ما يقول، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: رديء المذهب، غال في التشيع، يؤمن بالرجعة، ويكتب حديثه مع ضعفه.
أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٥٦) و(٦٢٥) و(٩٦٩) و(١٥٥٥).
(أبو حرب) بن أبي الأسود الدِّيليّ البصريّ، ثقة، قيل: اسمه مِحْجَن، وقيل: عطاء، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي ذرّ، والصّحيح عن أبيه، وعن عمه، وعن محجن عنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن فَضَالة الليثيُّ، وغيرهم.
وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والقطان، وعثمان بن عمير البجلي، وعثمان ابن قيس البجلي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثّانية من قراء أهل البصرة، وقال: كان معروفًا، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال هو وعمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة. وقال النَّسائيُّ: ما علمت أن ابن جريج سمع من أبي حرب. وقال خليفة في
[ ٣ / ٣٨٨ ]
"الطبقات": إن اسمه كنيته، وذكر أنه مات سنة ثمان ومائة. وذكر عبد الواحد بن علي في "أخبار النحاة"، عن أبي حاتم السجستاني قال: تَعَلَّمَ النحوَ من أبي الأسود ابنه عطاء، فإن صح هذا فيَحتَمِل أن يكون هو اسم أبي حرب؛ لأنهم لم يذكروا لأبي الأسود ولدًا غيره. وقال ابن قُتَيْبَةُ: كان أبو حرب شاعرًا عاقلًا ولّاه الحجاج جُوخَا، فلم يزل عليها حتّى مات الحجاج. وقال ابن عبد البرّ في "الكنى": هو بصري ثقة.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائيّ في "خصائص علي"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٥٦) و(٥٢٥)، والباقون تقدّموا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: "مَا) نافية (أَقَلَّتِ) أي حملت (الْغَبْرَاءُ) أي الأرض (وَلَا أَظَلَّتِ الخضْرَاءُ) أي السَّماء؛ سميت الأرض بالغبراء، والسماء بالخضراء للونهما، قاله في "النهاية" (١) (مِنْ رَجُلٍ) "من" زائدة، و"رجل" منصوب على المفعولية، على سبيل التنازع لـ "أقلّت"، و"أظلّت" (أَصْدَقَ) صفة لـ "رجل" (لهْجَةً) منصوب على التمييز، و"اللهجة" -بفتح اللام، وسكون الهاء-: اللسان، وما يُنطق به من الكلامِ (مِنْ أَبِي ذَرٍّ) قال الهرويّ: لم يُرد ﵇ أنه أصدق من أبي بكر وعمر ﵄، ولكنه على اتّساع الكلام، المعنى أنه متناه في الصدق. انتهى. وقال ابن الأثير: أراد أنه متناه في الصدق إلى الغاية، فجاء به على اتساع الكلام والمجاز. انتهى (٢).
وقال: السنديّ: وليس المراد أنه فاضل في الصدق على غيره حتّى على الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام، بل المراد به أنه بلغ في الصدق نهايته، والمرتبة الأعلى بحيث لم
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٢٢٧.
(٢) "النهاية" ٤/ ٢٢٧.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
يكن يفضّل عليه في وصف الصدق، وهو لا يمنع المساواة، وهذا مبنيّ على أن المساواة في وصف الصدق مع الأنبياء جائزة، ولا بُعد فيها عقلًا، أو المراد أنه لا يزيد عليه أحد من جنسه في الصدق، وأما الأنبياء فلا كلام فيهم، بل معلومون برتبتهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الصواب، وأما الّذي قبله، فليس بشيء، فتأمّله بإنصاف. والله تعالى أعلم.
وقيل: يمكن أن يُراد به أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، فلا يرخي عِنَان كلامه، ولا يُواري مع النَّاس، ولا يسامحهم، ويُظهر لهم الحقّ البحت، والصدق المحض. انتهى (١).
وفيه منقبة عظيمة لأبي ذرٍّ -﵁-، وأنه كان ناطقًا بالحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيحٌ.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عثمان بن عمير، وهو ضعيف، كما سبق في ترجمته؟
[قلت]: إنّما صحّ؛ لشواهده، فقد روي من حديث أبي ذرّ -﵁- نفسه، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعليّ -﵁-:
فأما حديث أبي ذرّ -﵁-، فأخرجه الترمذيّ (٣٨٠٢) وابن حبَّان (٧١٣٢) والحاكم ٣/ ٣٤٢ من طريق مالك بن مرثد بن عبد الله، عن أبيه، عنه، وقال الترمذيّ: حسن غريب، وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ، وفيه نظر؛ لأن مرثد ابن عبد الله الزِّمّانيّ، ويقال: الذِّماريّ، مجهول، تفرّد بالروية عنه ابنه، وذكره العقيليّ في
_________________
(١) "شرح السنديّ" ١/ ١٠٣.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
"الضعفاء"، وقال: لا يُتابع على حديثه، وقال الذهبيّ: فيه جهالة (١)، ووثقه ابن حبّان، والعجليّ.
وأما حديث أبي الدرداء -﵁- فأخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
٢٠٧٣١ - (حَدَّثَنَا أبو النَّضْر حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بَهْرام، حَدَّثَنَا شهر بن حوشب، حَدَّثَنَا عبد الرّحمن بن غَنْم أنه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، وأمر بحماره فأُوكف، فقال أبو الدرداء: ما أَرَاني إِلَّا متبعك، فأمر بحماره، فأُسرج فسارا جميعا على حماريهما، فلقيا رجلًا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرَّجل، ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر النَّاس، ثمّ إن الرَّجل قال: وخبر آخر كَرِهتُ أن أخبركما أراكما تكرهانه، فقال أبو الدرداء: فلعلّ أبا ذر نُفِيَ، قال: نعم والله، فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات، ثمّ قال أبو الدرداء: ارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة، اللَّهُمَّ إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه، اللَّهُمَّ وإن اتهموه، فإني لا أتهمه، اللَّهُمَّ وإن استغَشُّوه فإني لا أستَغِشُّهُ، فإن رسول الله -ﷺ- كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدًا، ويُسِرُّ إليه حين لا يُسِرُّ إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بَعْدَ الّذي سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لُهجَة أصدق من أبي ذر".
وهذا إسناد حسنٌ، وفي شهر كلام لا يضرّه، فإن الصّحيح أنه حسن الحديث.
وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٢٥، والبزار (٢٧١٣)، والحاكم ٣/ ٣٤٢ من طريق حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جُدعان، عن بلال بن أبي الدرداء، عنه، وإسناده ضعيف؛ لضعف عين بن زيد.
وأما حديث أبي هريرة -﵁-، فأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٢٨ من طريق أبي أميّة بن يعلى -وهو ضعيف- عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عنه.
_________________
(١) راجع "ميزان الاعتدال" ٤/ ٧٨.
[ ٣ / ٣٩١ ]
وحديث عليّ -﵁- فأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٧٢ وسنده ضعيف جدًّا، فيه بشر بن مهران، وهو متروك.
وأخرجه ابن سعد عن مالك بن دينار مرسلًا، وعن محمّد بن سيرين مرسلًا أَيضًا.
والحاصل أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، فتبصّر بإنصاف. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٧/ ١٥٦) فقط، وأخرجه (ابن سعد) ٤/ ٢٢٨ و(ابن أبي شيبة) ١٢/ ١٢٤ و(أحمد) ٢/ ١٦٣ و١٧٥ و٢٢٣ و(الترمذيّ) (٣٨٠١) و(الحاكم) ٣/ ٣٤٢، وقال الترمذيّ: حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
[ ٣ / ٣٩٢ ]