هكذا وقع في بعض النسخ، كما أشار إليه في النسخة الهنديّة، وهو الأولى، ووقع في بعض النسخ دون ترجمة، وفي نسخة "مصباح الزجاجة": "فضائل جميع الصّحابة"، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٦١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وحَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (محمّد بن الصبّاح) بن سفيان الْجَرْجَرَائيّ، أبو جعفر التاجر، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، قاضي الرّيّ، ثقة، صحيح الكتاب [٨] ١/ ٢.
٣ - (أبو كُريب) محمّد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٨/ ٥٢.
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] ١/ ١.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٤/ ٣٧.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "عن أبي هريرة" بدل "عن أبي سعيد"، وهو غلط، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وأما الباقون فقد تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع، والباب الذي قبله رقمه (٣١) أيضا
[ ٣ / ٤١٨ ]
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، وشيخه جرجرائيّ بلد بين واسط وبغداد، والباقيان مدنيّان.
٣ - (ومنها:) أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا غريب أحد مشايخ الجماعة من غير واسطة.
٥ - (ومنها): أن شيخه محمّد بن الصبّاح من أفراده.
٦ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى الانتقال من سند إلى سند آخر، فللمصنّف في هذا الحديث ثلاثة أسانيد: محمّد بن الصبّاح، عن جرير، وعليّ بن محمّد، عن وكيع، وأبو كُريب، عن أبي معاوية، وكلٌّ من جرير، ووكيع، وأبي معاوية يروي عن الأعمش، وقد تقدّم تمام البحث في هذه الحاء، فلا تغفل.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش، إِلَّا أن يكون الثوريّ، والأعمش من أكثر من روى عن أبي صالح، يقال: روى عنه ألف حديث.
٨ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٩ - (ومنها): أن أبا سعيد -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ) -﵁-.
[تنبيه]: وقع في هذا الإسناد اختلاف، ففي بعض النسخ "عن أبي سعيد"، وفي بعضها "عن أبي هريرة"، والأول هو الصواب، كما حقّقه الحافظ أبو الحجاج المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٤، والحافظ في "الفتح" ٧/ ٤٤ - ٤٦، وقد أحببتُ إيراد بحثه؛ لأنه أجمع وأوعب، فدونك عبارته:
قال ﵀ عند قول الإمام البخاريّ ﵀ بعد إخراج الحديث عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: قال النبيّ -ﷺ-: "لا تسبّوا أصحابي الحديث: ما نصّه:
[ ٣ / ٤١٩ ]
تابعه جريرٌ، وعبد الله بن داود، وأبو مُعاوية، ومُحاضر، عن الأعمش. انتهى.
قال الحافظ: قوله: تابعه جرير، هو ابن عبد الحميد، وعبد الله بن داود، هو الْخُريبيّ -بالمعجمة والموحدة، مصغرٌ- وأبو معاوية هو الضرير، ومحُاضر -بمهملة، ثمّ معجمة بوزن مجاهد- عن الأعمش، أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد.
فأمّا رواية جرير فوصلها مسلم، وابن ماجة، وأبو يعلى، وغيرهم.
وأما رواية محُاضر فرويناها موصولة في "فوائد أبي الفتح الحداد" من طريق أحمد ابن يونس الضبيّ، عن محاضر المذكور، فذكره مثل رواية جرير، لكن قال: "بين خالد ابن الوليد وبين أبي بكر، بدل عبد الرّحمن بن عوف"، وقول جرير أصح.
وقد وقع كذلك في رواية عاصم عن أبي صالح الآتي ذكرها.
وأما رواية عبد الله بن داود فوصلها مسدد في "مسنده" عنه، وليس فيه القصة، وكذا أخرجها أبو داود عن مسدد.
وأما رواية أبي معاوية فوصلها أحمد عنه هكذا، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وأبي كريب، ويحيى بن يحيى، ثلاثتهم عن أبي معاوية، لكن قال فيه: "عن أبي هريرة"، بدل "أبي سعيد"، وهو وَهَمٌ، كما جزم به خَلَفٌ، وأبو مسعود، وأبو علي الجَيّانيّ، وغيرهم، قال المزي: كأن مسلما وَهِمَ في حال كتابته، فإنّه بدأ بطريق أبي معاوية، ثمّ ثَنَّى بحديث جرير، فساقه بإسناده ومتنه، ثمّ ثَلَّثَ بحديث وكيع، ورَبَّعَ بحديث شعبة، ولم يسق إسنادهما، بل قال: بإسناد جرير وأبي معاوية، فلولا إن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد، لما أحال عليهما معًا، فإن طريق وكيع وشعبة جميعًا تنتهي إلى أبي سعيد، دون أبي هريرة اتفاقًا. انتهى كلامه.
وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة أحدُ شيوخ مسلم فيه في "مسنده"، و"مُصَنَّفه" عن أبي معاوية، فقال: "عن أبي سعيد" كما قال أحمد، وكذا رويناه من طريق أبي نعيم في "المستخرج" من رواية عُبيد بن غَنّام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو نعيم أيضًا من رواية أحمد، ويحيى بن عبد الحميد، وأبي خيثمة، وأحمد بن جَوّاس، كلهم عن أبي
[ ٣ / ٤٢٠ ]
معاوية، فقال: "عن أبي سعيد"، وقال بعده: أخرجه مسلم عن أبي بكر، وأبي كريب، ويحيى بن يحيى، فدل على أن الْوَهَمَ وقع فيه ممّن دون مسلم؛ إذ لو كان عنده "عن أبي هريرة" لَبَيّنه أبو نعيم.
ويُقَوِّي ذلك أيضًا أن الدارقطني مع جزمه في "العلل" بأن الصواب أنه من حديث أبي سعيد، لم يتعرض في تتبعه أوهام الشيخين إلى رواية أبي معاوية هذه.
وقد أخرجه أبو عبيدة في "غريب الحديث"، والجَوْزقيّ من طريق عبد الله بن هاشم، وخيثمة من طريق سعيد بن يحيى، والإسماعيلي، وابن حبّان من طريق علي بن الجعد، كلهم عن أبي معاوية، فقالوا: "عن أبي سعيد".
وأخرجه ابنُ ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه أيضًا، عن أبي معاوية، فقال: "عن أبي سعيد"، كما قال الجماعة، إِلَّا أنه وقع في بعض النسخ عن ابن ماجة اختلاف، ففي بعضها "عن أبي هريرة"، وفي بعضها "عن أبي سعيد"، والصواب "عن أبي سعيد"؛ لأن ابن ماجة جَمَعَ في سياقه بين جرير ووكيع وأبي معاوية، ولم يقل أحدٌ في رواية وكيع وجرير: إنها "عن أبي هريرة"، وكل من أخرجها من المصنفين والمخَرِّجين أورده عنهما من حديث أبي سعيد.
قال: وقد وجدته في نسخة قديمة جدًّا، قُرِئت في سنة بضع وسبعين وثلثمائة، وهي في غاية الإتقان، وفيها: "عن أبي سعيد"، واحتمال كون الحديث عند أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد وأبي هريرة جميعًا مُستَبْعَدٌ؛ إذ لو كان كذلك لجمعهما، ولو مَرّةً، فلما كان غالب ما وُجِد عنه ذكرَ أبي سعيد دون ذكر أبي هريرة دَلّ على أن في قول من قال عنه عن أبي هريرة شذوذًا، والله أعلم.
قال: وقد جمعهما أبو عوانة عن الأعمش، ذكره الدارقطني وقال في "العلل": رواه مسدد، وأبو كامل، وشيبان عن أبي عوانة كذلك، ورواه عفان ويحيى بن حماد عن أبي عوانة، فلم يَذكُرا فيه أبا سعيد، قال: ورواه زيد بن أبي أُنيسة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكذلك قال نصر بن عليّ، عن عبد الله بن داود، قال:
[ ٣ / ٤٢١ ]
والصواب من روايات الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة، قال: وقد رواه عاصم عن أبي صالح، فقال: عن أبي هريرة، والصّحيح عن أبي صالح، عن أبي سعيد، انتهى.
وقد سبق إلى ذلك عليّ بن المديني، فقال في "العلل": رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواه عاصم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: والأعمش أثبت في أبي صالح من عاصم.
فعُرِف من كلامه أن من قال فيه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فقد شَذّ، وكان سبب ذلك شهرة أبي صالح بالرواية عن أبي هريرة، فيسبق إليه الوَهْمُ ممّن ليس بحافظ، وأما الحفاظ فيميزون ذلك.
ورواية زيد بن أبي أُنيسة الّتي أشار إليها الدارقطني أخرجها الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، قال: ولم يروه عن الأعمش إِلَّا زيد بن أبي أُنيسة، ورواه شعبة وغيره عن الأعمش، فقالوا: "عن أبي سعيد"، انتهى.
وأما رواية عاصم فأخرجها النَّسائيُّ في "الكبرى"، والبزار في "مسنده"، وقال: ولم يروه عن عاصم إِلَّا زائدة، وممن رواه عن الأعمش، فقال: عن أبي سعيد، أبو بكر ابن عياش عند عبد بن حميد، ويحي بن عيسى الرَّمْليّ عند أبي عوانة، وأبو الأحوص عند ابن أبي خيثمة، وإسرائيل عند تمام الرَّازيُّ.
وأما ما حكاه الدارقطني عن رواية أبي عوانة، فقد وقع لي من رواية مسدد، وأبي كامل، وشيبان عنه على الشك، قال في روايته: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة، وأبو عوانة كان يحدث من حفظه، فربما وَهِمَ، وحديثه من كتابه أثبت، ومن لم يشكّ أحق بالتقديم ممّن شك، والله أعلم.
قال: وقد أمليت على هذا الموضع جزءًا مفردًا لَخَّصْتُ مقاصده هنا بعون الله تعالى، انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي حقّقه الحافظ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، قد تبيّن
[ ٣ / ٤٢٢ ]
لنا منه أن الصّحيح في رواية ابن ماجه ما وقع في بعض النسخ من قوله: "عن أبي سعيد"، لا ما وقع في بعضها من قوله: "عن أبي هريرة"، فإنّه غلطٌ، وتبيّنّا منه أيضًا أن ما وقع في "صحيح مسلم" من قوله: "عن أبي هريرة" الغلط فيه ممّن دون مسلم، لا منه، لما ذكره الحافظ من الحجج، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وقع في رواية جرير ومحاضر، عن الأعمش، وكذا في رواية عاصم، عن أبي صالح، ذِكرُ سببٍ لهذا الحديث، وهو ما وقع في أوله، قال: "كان بين خالد بن الوليد، وعبد الرّحمن بن عوف شيءٌ، فَسَبَّهُ خالد " فذكر الحديث.
(فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أقسم النبيّ -ﷺ- تعظيمًا للأمر الّذي نَهَى عنه، فإنّه خطيرٌ جدًّا؛ إذ منصب الصّحابة -﵃- أرفع وأعلى، كما أشار إليه بقوله: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) فيه إشعار بأن المراد بقوله أوَّلًا: "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أنّ أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، ومع ذلك فنَهْيُ بعضِ من أدرك النّبيّ -ﷺ-، وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يَقتَضِي زجرَ من لم يدرك النّبيّ -ﷺ-، ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغَفَل مَنْ قال: إن الخطّاب بذلك لغير الصّحابة، وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تَنْزيلًا لمن سيوجد مَنْزلة الموجود؛ للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوعُ التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد، وهو من الصّحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق.
(أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) زادْ الْبَرْقَانيّ في "المصافحة" من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش: "كُلَّ يوم"، قال: وهي زيادة حسنة.
(مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ) "المد" بضم الميم: مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه رُوي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطَّوْل. قاله في "الفتح": وقال في "المصباح": "المدّ" بالضمّ كيلٌ، وهو رطلٌ وثُلُث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع؛ لأن الصاع خمسة
[ ٣ / ٤٢٣ ]
أرطال وثلُث، والمدّ رطلان عند أهل العراق، والجمع أمداد، ومِداد بالكسر. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: ما: نصّه: وفي حديث فضل الصّحابة: "ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه": المدّ في الأصل ربع الصاع، وإنما قدّره به؛ لأنه أقلّ ما كانوا يتصدَّقون به في العادة. ويُروى بفتح الميم، وهو الغاية. وقد تكرّر ذكرُ المدّ في الحديث: وهو رطلٌ وثُلُثٌ عند الشّافعيّ، وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة، وأهل العراق. وقيل: إن أصل المدّ مُقَدَّر بأن يَمُدّ الرَّجل يديه، فيملأَ كفّيه طعامًا. انتهى (٢).
(وَلَا نَصِيفَهُ) أي ولا نصيف المد من كلّ شيء، و"النَّصِيف" بوزن رغيف، هو النّصف، كما يقال: عُشْر وعَشِير، وثُمُن وثَمِين، وقيل: "النَّصِيف": مكيال دون المد. قاله في "الفتح" (٣).
وقال النووي في "شرح مسلم" جـ: ١٦ ص: ٩٣: قال أهل اللُّغة: "النَّصِيف": النّصف، وفيه أربع لغات: نِصْف -بكسر النون- ونُصْفٌ -بضمها- ونَصْف -بفتحها- ونَصِيف بزيادة الياء، حكاهنّ القاضي عياض في "المشارق" عن الخطابي.
وقال في "القاموس": "النّصفُ": مُثَلَّثَةً: أحد شقّي الشيء، كالنَّصِيف، جمعه أَنصافٌ، انتهى.
وقال "الشارح": قوله: "مُثَلّثة" قال شيخنا: أفصحها الكسر، وأقيسها الضمّ؛ لأنه الجاري على بقيّة الأجزاء، كالربع، والخمس، والسدس، ثمّ الفتح، وقرأ زيد بن ثابت -﵁-: ﴿فَلَهَا الْنِّصْفُ﴾ [النِّساء: ١١] بالضمّ. انتهى.
قال في "الفتح": وقد تقدّم في أول "باب فضائل الصّحابة" تقرير أفضلية الصّحابة عمن بعدهم، وهذا الحديث دالّ لما وقع الاختيار له ممّا تقدّم من الاختلاف.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٦.
(٢) "النهاية" ٤/ ٣٠٨. و"لسان العرب" ٣/ ٤٠٠.
(٣) "الفتح" ٧/ ٤٤.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
والله أعلم.
وقال البيضاوي ﵀: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه، وسببُ التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص، وصدق النية.
قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عِظَمُ مَوْقِع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠]، فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الّذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكّة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه، وقِلَّة المعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كَثُرُوا بعد الفتح، ودخل النَّاس في دين الله أفواجًا، فإنّه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. والله أعلم، انتهى كلام الحافظ (١).
وقال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم" (جـ: ١٦ ص: ٩٣): معنى الحديث: لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أَحَد أصحابي مُدّا، ولا نَصف مُدّ، قال القاضي عياض: ويؤيد هذا ما قدمناه في أول "باب فضائل الصّحابة" عن الجمهور من تفضيل الصّحابة كلهم على جميع مَنْ بَعْدهم، وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضّرورة، وضِيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته -ﷺ-، وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعاتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ الآية [الحديد: ١٠]، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حَقَّ جهاده، وفضيلةُ الصحبة ولو لحظةً لا يوازيها عملٌ، ولا تُنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٤٤.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
يشاء. (١).
قال أبو العبّاس القرطبيّ -بعد ذكره سبب الحديث- وهو قصة ما جرى بين خالد بن الوليد وبين عبد الرّحمن بن عوف ﵄، كما سبق بيانه -: ما نصّه: فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممّن سُبِقَ بالإسلام، وإظهار خصوصيّة السابق بالنبيّ -ﷺ-، وأن السابقين لا يَلْحَقهم أحد في درجتهم، وإن كان أكثر نفقةً وعملًا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، ويدلُّ على صحّة هذا المقصود أن خالدًا وإن كان من الصّحابة -﵃- لكنه متأخّر الإسلام، قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان، لكنه -ﷺ- لمّا عدل عن غير (٢) خالد وعبد الرّحمن إلى التعميم دل ذلك على أنه قصد مع ذلك تقعيد قاعدةِ تغليظ تحريم سبّ الصّحابة مطلقًا، فيحرُمُ ذلك من صحابيّ وغيره؛ لأنه إذا حُرِّم على صحابيّ، فتحريمه على غيره أولى، وأيضًا فإن خطابه -ﷺ- للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة، انتهى كلام القرطبيّ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (٣).
وقال القاضي عياض: ومن أصحاب الحديث من يقول: هذه الفضيلة مختصة بمن طالت صحبته، وقاتل معه، وأنفق، وهاجر، ونصر، لا لمن رآه مَرّةً، كَوُفُود الإعراب، أو صَحِبَه آخرًا بعد الفتح، وبعد إعزاز الدين، ممّن لم يوجد له هجرة، ولا أَثَرٌ في الدين، ومنفعة المسلمين، قال: والصّحيح هو الأوّل، وعليه الأكثرون، والله أعلم، انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله عياض من تصحيح رأي الجمهور
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٦/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) هكذا نسخة "المفهم"، ولعلّ الأولى إسقاط لفظة "غير"، فليُتأمّل.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٤) "شرح مسلم" ١٦/ ٩٣ - ٩٤.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
في أن فضل الصحبة يعمّ جميع الصّحابة -﵃- هو الحقّ؛ لكثرة الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٠/ ١٦١) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (البخاريّ) في ٥/ ١٠ (٣٦٧٣) و(مسلم) ٧/ ١٨٨ (٢٥٤١) و(أبو داود) (٤٦٥٨) و(الترمذيّ) (٣٨٦١) و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٨٣) و(عليّ بن الجعد) في "مسنده" (٧٦٠) و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ١٢/ ١٧٤ - ١٧٥ و(أحمد) ٣/ ١١ و٥٤ و٥٥ و٦٣ وفي "الفضائل" له (٥ و٦ و٧ و١٧٣٥) و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (٩١٨) و(ابن أبي عاصم) (٩٨٨ و٩٨٩ و٩٩٠ و٩٩١) و(البزّار) في "مسنده" (٢٧٦٨) و(النَّسائيّ) في "الفضائل" (٢٠٣ و٢٠٤) و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠٨٧ و١١٩٨) و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٩٤ و٧٢٥٣ و٧٢٥٥) و(أبو نعيم) في "تاريخ أصبهان" (٢/ ١٢٢) و(الخطيب) في "تاريخ بغداد" (٧/ ١٤٤) و(البغويّ) في "شرح السنة" (٣٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضائل الصّحابة -﵃-.
٢ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الصّحابة في الفضل والأجر عند الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن الفضل والمنزلة عند الله ليس من الأمور القياسيّة، بل محض فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فقد يُعطي على عمل قليل ما لا ينال بالعمل الكثير.
٤ - (ومنها): بيان أن الإنفاق في وقت الحاجة أفضل من الإنفاق في غيرها.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
٥ - (ومنها): بيان وجوب احترام الصّحابة له، والنهي عن سبّهم.
٦ - (ومنها): أن فيه دلالة واضحةً على أن الصّحابة -﵃- لا يلحقهم أحدٌ ممّن بعدهم في فضلهم، وإن عمل ما عمل من أفعال الخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرّابعة): في أقوال أهل العلم فيمن سبّ الصّحابة -﵃-:
قال النووي: اعلم أنّ سَبّ الصّحابة -﵃- حرام، من فَوَاحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيرهم؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب، متأولون، قال القاضي عياض ﵀: سب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يُعَزَّر، ولا يُقتَل، وقال بعض المالكية: يُقْتَل. انتهى (١).
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في سابّ الصحابي -﵃-، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يُعَزَّر، وعن بعض المالكية: يُقْتَل، وخَصَّ بعض الشّافعيّة ذلك بالشيخين، والحَسَنين، فحَكَى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقَوّاه السبكي في حق من كَفَّر الشيخين، وكذا من كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ النّبيّ -ﷺ- بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا تواتر الخبر بذلك عنه؛ لما تَضَمَّن من تكذيب رسول الله -ﷺ- انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي فصّله السبكيّ ﵀ هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: من المعلوم الّذي لا يُشكّ فيه أن الله تعالى اختار أصحاب نبيّه لنبيّه -ﷺ-، ولإقامة دينه، فجميعُ ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال والممتلكات والأموال والعزّ والسلطان والدين والإيمان وغير ذلك من النعم الّتي لا يُحصيها لسان، ولا يتّسع لتقديرها زمان إنّما كان بسببهم، ولمّا
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٦/ ٩٣.
(٢) "الفتح" ٧/ ٤٦.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر النعم، واجتنابًا لِمَا حرَمه من كُفران حقّه، هذا مع ما تحقّقنا من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، إلى غير ذلك، وكقوله -ﷺ-: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمّنة للثناء عليهم -﵃- أجمعين.
وعلى هذا فمن تعرَّضَ لسبّهم، وجَحَدَ عظيم حقِّهِم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذيّ من حديث عبد الله بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتّخِذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه"، قال الترمذيّ: حديث غريب، وهذا الحديث وإن كان غريب السند، فهو صحيح المتن؛ لأنه معضود بما قدّمناه من الكتاب والسنّة، والمعلوم من دين الأمّة؛ إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبّهم، ولا يُختَلف في أن من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتَل؛ لأنه أنكر معلومًا ضروريًّا من الشّرع، فقد كذّب الله تعالى ورسوله -ﷺ- فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفّر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضلَّلَهم، وهل حكمه حكم المرتدّ، فيُستتاب، أو حكم الزنديق فلا يُستتاب، ويُقتل على كلّ حال؟
هذا ممّا يُختلَف فيه، فأمّا من سبّهم بغير ذلك، فإن كان سبّا يُوجب حدّا كالقذف حُدّ حَدَّه، ثمّ يُنكَّل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة ﵂، فإن قاذفها يُقتَل؛ لأنه مكذّب لما جاء في الكتاب والسنّة من براءتها، قاله
[ ٣ / ٤٢٩ ]
مالك وغيره، واخْتُلِفَ في غيرها من أزواج النبيّ -ﷺ-، فقيل: يُقتَل قاذفها؛ لأن ذلك أذًى للنبيّ -ﷺ-، وقيل: يُحدّ ويُنكَّل، كما ذكرناه على قولين، وأما من سبّهم بغير القذف فإنّه يُجْلَد الجلدَ الموجع، ويُنكَّل التنكيل الشديدَ، قال ابن حبيب: ويُخلَّد سَجْنه إلى أن يموت، وقد رُوي عن مالك: من سبّ عائشة ﵂ قُتِل مطلقًا، ويُمكن حمله على السبّ بالقذف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي ذكره القرطبيّ ﵀ تحقيق نفيس جدًّا، وخلاصته تشديد العقوبة على من انتهك حرمات الصّحابة -ﷺ-، وأنَّه يُقتل على التفصيل الّذي ذكره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر قصيدة لبديع الزّمان الْهَمَذَانيّ (٢) ﵀ يمدح بها الصّحابة -﵃-، ويهجو أبا بكر الخوارزميّ، ويُجيبه عن قصيدة رُويت له في الطعن عليهم قال [من الرجز]:
وَكَّلَنِي بِالهَمِّ وَالْكَآبهْ طَعَّانَةٌ لَعَّانَةٌ سَبَّابَه
لِلسَّلَفِ الصَّالِح وَالصَّحَابَهْ أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَهْ
تَأَمَّلُوا يَا كُبَرَاءَ الشِّيعَهْ لِعِشرَةِ الإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَه
أَتُسْتَحَلُّ هَذِهِ الْوَقِيعَهْ في بِيَع الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْبِيعَه
فَكَيْفَ مَنْ صَدَّقَ بِالرِّسَالَهْ وَقَامَ لِلدِّينِ بِكُلِّ آلَهْ
وَأَحْرَزَ اللهُ يَدَ الْعُقْبَى لَهْ ذَالِكُمُ الصِّدِّيقُ لَا مَحَالَه
إِمَامُ مَنْ أُجْمِعَ في السَّقِيفَهْ قَطْعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ الخلِيفَهْ
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٤.
(٢) هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الملقّب ببديع الزّمان، سكن هَرَاة، وكان أحد الفضلاء والفصحاء، متعصّبًا لأهل الحديث والسنّة، ما أخرجت هَمَذَان بعده مثله، توفي سنة (٣٩٨ هـ). "معجم الأدباء" ١/ ٢٣٤.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
نَاهِيكَ مِنْ آثَارِهِ الشَّرِيفَهْ في رَدِّهِ كيْدَ بَنِي حَنِيفَه
سَلِ الجبَالَ الشُّمَّ وَالْبِحَارَا وَسَائِلِ الْمِنْبَرَ وَالْمَنَارَا
وَاسْتَعْلِمِ الآفَاقَ وَالأَقْطَارَا مَنْ أَظْهَرَ الدِّينَ بِهَا شِعَارَا
ثُمَّ سَلِ الْفُرْسَ وَبَيْتَ النَّار مَنْ الَّذِي فَلَّ شَبَا الْكُفَّارِ
هَلْ هَذِهِ الْبِيْضُ مِنَ الآثَارِ إِلَّا لِثَانِي الْمُصْطَفَى في الْغَارِ
وَسَائِلِ الإِسْلَامَ مَنْ قَوَّاهُ وَقَالَ إِذْ لَمْ تَقُلِ الأَفْوَاه
وَاسْتَنْجَزَ الْوَعْدَ فَأَوْمَى اللهُ مَنْ قَامَ لمَّا قَعَدُوا إِلَّا هُو
ثَانِي النَّبِيِّ في سِنِي الْوِلَادَهْ ثَانِيهِ في الْغَارَةِ بَعْدَ الْعَادَهْ
ثَانِيهِ والدعْوَةِ وَالشَّهَادَهْ ثَانِيهِ في الْقَبْرِ بِلَا وِسَادَهْ
ثَانِيهِ في مَنْزِلَةِ الزَّعَامَه نُبُوَّةٌ أَفْضَتْ إِلَى إِمَامَهْ
أَتَأْمُلُ الجنَّةَ يَا شَتَّامَهْ لَيْسَتْ بِمَأْوَاكَ وَلَا كَرَامَه
إِنَّ امْرَءًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى ثُمَّتَ وَالَاهُ الْوَصِيُّ الْمُرْتَضَى
وَاجْتَمَعَتْ عَلَى مَعَالِيهِ الْوَرَى وَاخْتَارَهُ خَليفَةً رَبُّ الْعُلَى
وَاتَّبَعْتْهُ أُمِّه الأُمِّيِّ وَبَايَعَتْهُ رَاحَةُ الْوَصِيِّ
وَبِاسْمِهِ اسْتَسْقَى حَيَا الْوَسْمِيِّ مَا ضَرَّهُ هَجْوُ الخُوَارَزْمِيِّ
سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يُلْقِمِ الصَّخْرَ فَمَهْ وَلم يُعِدْهُ حَجَرًا مَا أَحْلَمَه
يَا نُذْلُ يَا مَأْبُونُ أَفْطَرْتَ فَمَهْ لَشَدَّ مَا اشْتَاقَتْ إِلَيْكَ الْحُطَمَهْ
إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَضَى وَجَعْفَرَ الصَّادِقَ أَوْ مُوسَى الرِّضَا
لَوْ سمِعُوكَ بِالْخَنَا مُعَرِّضَا مَا ادَّخَرُوا عَنْكَ الحُسَامَ المُنْتَضَى
وَيْلَكَ لَمْ تَنْبَحُ يَا كلْبَ الْقَمَرْ مَا لَكَ يَا مَأْبُونُ تَغْتَابُ عُمَرْ
سيِّدَ مَنْ صَامَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرْ صَرِّحْ بِإِلحادِكَ لَا تَمْشِ الخَمَرْ
[ ٣ / ٤٣١ ]
يَا مَنْ هَجَا الصِّدِّيقَ وَالْفَارُوقَا كَيْمَا يُقِيمَ عِنْدَ قَوْمِ سُوقَا
نَفَخْتَ يَا طَبْلُ عَلَيْنَا بُوقَا فَمَا لَكَ الْيَوْمَ كَذَا مَوْهُوقَا (١)
إِنَّكَ في الطَّعْنِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ وَالْقَدْح في السَّيِّدِ ذِي النُّورَيْنِ
لَوَاهِنُ الظَّهْرِ سَخِينُ الْعَيْنِ مُعْتَرِضٌ لِلْحَيْنِ بَعْدَ الحِيْنِ
هَلَّا شُغِلْتَ بِاسْتِكَ الْمَغْلُومَهْ وَهَامَةٍ تَحْمِلُهَا مَشْؤُومَهْ
هَلَّا نَهَتْكَ الْوَجْنَةُ الْمَشْمُومَهْ عَنْ مُشْتَرِي الخُلْدِ بِبِئْرِ رُومَهْ
كفَى مِنَ الْغِيبَةِ أَدْنَى شَمَّهْ مَنِ اسْتَجَازَ الْقَدْحَ في الأَئِمَّهْ
وَلَمْ يُعَظِّمْ أُمَنَاءَ الأُمَّهْ فَلَا تَلُومُوهُ وَلُومُوا أُمَّهْ
مَا لَكَ يَا نُذْلُ وَللزَّكِيَّهْ عَائِشَةَ الرَّضِيَةِ الْمَرْضِيَّهْ
يَا سَاقِطَ الْغَيْرَةِ وَالحمِيَّهْ أَلمْ تَكُنْ لِلْمُصْطَفَى حَظِيَّهْ
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الخوَارَزْمِيَّا يُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَهُ عَلِيَّا
قَدِ اشْتَرَيْنَا مِنْهُ لحمًا نِيَّا بِشَرْطِ أَنْ يُفْهِمَنَا الْمَعْنِيَّا
يَا أَسَدَ الخلْوَةِ خِنْزِيرَ الْمَلَا مَا لَكَ في الحَرَّى تَقُودُ الجمَلَا
يَا ذَا الَّذِي يَثْلُبُنِي إِذَا خَلَا وَفي الْخَلَا أُطْعِمُهُ مَا فِي الْخَلَا
وَقُلْتُ لمَّا احْتَفَلَ الْمِضْمَارُ وَاحْتَفَّتِ الأَسْمَاعُ وَالأَبْصَارُ
سَوْفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغبارُ أفرَسٌ تَحْتِيَ أَمْ حِمَارُ (٢)
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد بديع الزّمان رحمه الله تعالى في هذه القصيدة وحيث دافع عن خيار الأمة ﵃، فجزاه الله خير الجزاء.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) وهقه عنه كوعده: حبسه.
(٢) راجع "معجم الأدباء" لياقوت الحمويّ ١/ ٢٤٩ - ٢٥١.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
(المسألة السّادسة): في بيان حكم سابّ الرسول -ﷺ-:
(اعلم): بأن السبّ والشتم إهانة واستخفاف للمسبوب، فكلّ سابّ مستخفّ بمن سبّه، ومستهزئ به، فإذا حصل في القلب امتنع أن يكون معه انقياد واستسلام؛ لأنه لا يسبّ، إِلَّا وهو جاحد له.
قال القاضي عياض: من سبّ النبيّ -ﷺ-، أو تنقصه، فقد ظهرت عليه علامة مرض قلبه، وبرهان سرّ طويّته، وكفره، انتهى.
وقال أيضًا: إن مسألة سابّ النبيّ -ﷺ- أقوى لا يُتصوّر فيها الخلاف؛ لأنه حقّ متعلّقٌ بالنبيّ -ﷺ-، وبأمته بسببه، لا تسقطه التوبة، كسائل حقوق الآدميين انتهى (١).
وقال الحافظ: من سبّ النبيّ -ﷺ- ممّا هو قذف صريح كفر باتّفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حدّ قذفه القتلُ، وحدّ القذف لا يسقط بالتوبة انتهى (٢).
وقال الإمام ابن القيّم ﵀ خلال كلامه: فذلك أن الحقّ له -ﷺ-، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه -ﷺ- انتهى (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "كتابه العديم النظير في بابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول -ﷺ-": إن سبّ الله تعالى، أو سبّ رسوله -ﷺ- كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، وسواءٌ كان السابّ يعتقد أن ذلك محرّم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده.
هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعملٌ.
وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه، وهو أحد الأئمة يَعْدِل بالشّافعيّ وأحمد: قد أجمع المسلمون على أن من سبّ الله تعالى،
_________________
(١) "الشفا" ٢/ ٢٢٣ و٢٥٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٢٩٤.
(٣) "زاد المعاد" ٥/ ٦١.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
أو سب رسوله -ﷺ-، أو دفع شيئًا ممّا أنزل الله، أو قتل نبيّا من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مُقِرّا بكل ما أنزل الله.
وكذلك قال محمّد بن سحنون، وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك، وزمنه قريب من هذه الطبقة: أجمع العلماء أن شاتم النبيّ -ﷺ- المنتقص له كافرٌ، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شكّ في كفره وعذابه كَفَرَ ..
وقد نَصّ على مثل هذا غير واحد من الأئمة، قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا أعني أنت ومن خلقك: هذا مرتدّ عن الإسلام، يُضرَب عنقه، وقال في رواية عبد الله، وأبي طالب: من شتم النّبيّ -ﷺ- قُتِل، وذلك أنه إذا شتم، فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبيّ -﷿-، فبين أن هذا مرتدّ، وأن المسلم لا يُتَصَوَّر أن يشتم وهو مسلم.
وكذلك نُقِل عن الشّافعيّ أنه سئل عمن هَزَل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: هو كافرٌ، واستدل بقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٥، ٦٦].
وكذلك قال أصحابنا -يعني الحنبليّة- وغيرهم: مَنْ سَبّ الله كَفَرَ، سواء كان مازحًا أو جادّا؛ لهذه الآية، وهذا هو الصواب المقطوع به.
وقال القاضي أبو يعلى في "المعتمد": مَنْ سَبَّ الله تعالى، أو سب رسوله -ﷺ-، فإنّه يكفر، سواء استحلّ سبه، أو لم يستحله، فإن قال: لم أستحلّ ذلك، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، روايةً واحدةً، وكان مرتدّا؛ لأن الظّاهر خلاف ما أخبر؛ لأنه لا غَرَضَ له في سبّ الله تعالى، وسبّ رسوله -ﷺ- إِلَّا لأنه غير معتقد لعبادته، غير مصدّق بما جاء به النبيّ -ﷺ-، ويفارق الشارب، والقاتل، والسارق، إذا قال: أنا غير مستحلّ لذلك أنه يصدق في الحكم؛ لأن له غرضًا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها، وهو ما يتعجل من اللَّذَّة، قال: وإذا حكمنا بكفره، فإنّما نحكم به في ظاهر الحكم، فأمّا في الباطن، فإن كان صادقًا فيما قال، فهو مسلم، كما قلنا في الزنديق: لا تقبل توبته في ظاهر
[ ٣ / ٤٣٤ ]
الحكم، وذكر القاضي عن الفقهاء أن سابّ النبيّ -ﷺ- إن كان مستحلا كفر، وإن لم يكن مستحلًا فسق، ولم يكفر كسابّ الصّحابة -﵃-، وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين، فيمن سب النبيّ -ﷺ- أن يجلده حتّى أنكر ذلك مالك، ورَدّ هذه الفتيا، وهو نظير ما حكاه أبو محمّد ابن حزم أن بعض النَّاس لم يُكَفِّر المستخفّ به.
وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق، والخلاف الّذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممّن شُهِر بالعلّم، أو لم يكونوا ممّن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختُلِف في كونها سبًّا، أو كانت فيمن تاب.
وذكر أن السابّ إذا أقرّ بالسبّ، ولم يتب منه قُتل كفرًا؛ لأن قوله إمّا صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو هو من كلمات الاستهزاء، أو الذمّ، فاعترافه بها، وترك توبته منها، دليل على استحلاله لذلك، وهو كفر أيضًا، قال: فهذا كافر بلا خلاف (١).
وقال (٢) في موضع آخر: إن مَنْ قَتَله بلا استتابة فهو لم يره ردّةً، وإنّما يوجب القتل فيه حدّا، وإنّما يقول ذلك مع إنكاره ما شُهِد عليه به، أو إظهاره الإقلاع عنه والتوبة، ونَقْتُلُه حدّا، كالزنديق إذا تاب، قال: ونحن إن أثبتنا له حكم الكافر في القتل، فلا نقطع عليه بذلك؛ لإقراره بالتوحيد والنبوة، وإنكاره ما شُهِد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه ذُهُولًا ومعصية، وأنه مقلع عن ذلك، نادمًا عليه.
قال: وأما مَنْ عُلم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله، فلا شك في كفره بذلك، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرًا، كتكذيبه، أو تكفيره ونحوه، فهذا ما لا إشكال فيه، وكذلك من لم يُظهِر التوبة، واعتَرَف بما شُهِد به، وصَمَّم عليه فهو كافر بقوله، واستحلاله هتكَ
_________________
(١) راجع "الشفا" ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) أي القاضي أبو يعلى في كتابه "المعتمد" أيضًا.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
حرمة الله تعالى، أو حرمة نبيه -ﷺ-، وهذا أيضًا تشبثٌ منه بأن السب يكفر به؛ لأجل استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيبًا صريحًا.
وهذا موضع لا بُدّ من تحريره، ويجب أن يُعلَم أن القول بأن كفر السابّ في نفس الأمر إنّما هو لاستحلاله السبّ زلةٌ منكرةٌ، وهفوةٌ عظيمةٌ.
ويرحم الله القاضي أبا يعلي قد ذَكَر في غير موضع من كتبه ما يُناقض ما قاله هنا، وإنّما أوقع من وقع في هذه الْمَهْوَاة ما تلقَّوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين، وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الّذي في القَلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملًا في القلب، ولا في الجوارح، وصَرَّح القاضي أبو يعلى بذلك هنا، قال عقيب أن ذكر ما حكيناه عنه: وعلى هذا لو قال الكافر: أنا مُعْتَقِدٌ بقلبي معرفة الله وتوحيده، لكني لا آتي بالشهادتين، كما لا آتي غيرها من العبادات كسلًا لم يحكم بإسلامه في الظّاهر، ويحكم به باطنًا، قال: وقول الإمام أحمد: مَنْ قال: إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن يَتَلَفَّظ بها، فهو جهميٌّ محمول على أحد وجهين: أحدهما أنه جهمي في ظاهر الحكم، والثّاني على أنه يمتنع من الشهادتين عنادًا؛ لأنه احتجّ أحمد في ذلك بأن إبليس عَرَفَ ربة بقلبه، ولم يكن مؤمنًا، ومعلوم أن إبليس اعتَقَد أنه لا يلزم امتثال أمره تعالى بالسجود لآدم.
وقد ذَكَر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنًا حتّى يُصَدِّق بلسانه مع القدرة وبقلبه، وأن الإيمان قول وعمل، كما هو مذهب الأئمة كلِّهم: مالكٍ وسفيان، والأوزاعيّ، والليث، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة.
وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل، وإنّما الغرض التنيبه على ما يَختص بهذه المسألة، وذلك من وجوه:
[أحدها]: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلًا كَفَر، وإلا فلا، ليس لها أصلٌ، وإنّما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين حَكَوها عن
[ ٣ / ٤٣٦ ]
الفقهاء، وهؤلاء نَقَلوا قول الفقهاء بما ظَنّوه جاريّا في أصولهم، أو بما قد سَمِعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه، ممّن لا يُعَدّ قوله قولًا، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء، وحكاية إجماعهم ممّن هو أعلم النَّاس بمذاهبهم، فلا يَظُنّ ظانّ أن في المسألة خلافًا، يَجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، وإنّما ذلك غَلَطٌ لا يستطيع أحد أن يَحكي عن واحد من الفقهاء، أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة.
[الوجه الثّاني]: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال، فإنّما معناه اعتقاد أن السب حلالٌ، فإنّه لمّا اعتَقَد أن ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ كَفَر، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أما حلال كَفَر، لكن لا فرق في ذلك بين سبّ النبيّ -ﷺ-، وبين قذف المؤمنين، والكذب عليهم، والغيبة لهم، إلى غير ذلك من الأقوال الّتي عُلِم أن الله حرّمها، فإنّه مَنْ فَعَل شيئًا من ذلك مستحلًا كَفَر، مع أنه لا يجوز أن يقال: مَنْ قَذَف مسلمًا، أو اغتابه كَفَر، ويُعنْىَ بذلك إذا استحله.
[الوجه الثّالث]: أن اعتقاد حِلِّ السبّ كفرٌ، سواء اقترن به وجود السبّ، أو لم يقترن، فإذن لا أثر للسبّ في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنّما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أَجمَع عليه العلماء.
[الوجه الرّابع]: أنه إذا كان المكفِّر هو اعتقادَ الحل، فليس في السبّ ما يدلُّ على أن السابّ مستحلّ، فيجب أن لا يُكَفر، لا سيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرامٌ، وإنما قلته غيظًا، وسَفَهًا، أو عَبَثًا، أو لَعِبًا، كما قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، كما إذا قال: إنّما قذفت هذا، أو كذَبْتُ عليه لَعِبًا وعبثًا، فإن قيل: لا يكونون كفارًا، فهو خلاف نصّ القرآن، وإن قيل: يكونون كفارًا، فهو تكفير بغير مُوجِبٍ، إذا لم يُجْعَل نفسُ السبّ مُكَفِّرًا، وقول القائل: أنا لا أصدِّقه في هذا، لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محُتمِلٍ، فإذا كان قد قال: أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية، وأنا أفعله، فكيف يُكَفَّر إن لم يكن ذلك كفرًا، ولهذا قال ﷾: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا
[ ٣ / ٤٣٧ ]
نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فلم يكذبهم في هذا العذر، كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الّذي يوجب براءتهم من الكفر، كما لو كانوا صادقين، بل بَيَّن أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
وإذا تَبَيَّن أن مذهب سلف الأمة، ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كُفْرٌ، استحَلَّها صاحبها أو لم يستحلها، فالدّليل على ذلك جميعُ ما قدمناه في المسألة الأولى، من الدّليل على كفر السابّ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآية [التوبة: ٦١]، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٦]، وما ذكرناه من الأحاديث والآثار، فإنها أدلّة بَيِّنة في أن نفس أذى الله ورسوله كُفْرٌ، مع قطع النظر عن اعتقاد التّحريم وجودًا وعدمًا (١).
وقال أيضًا في موضع آخر: قد ثبت أن كلّ سبّ وشتم يبيح الدم، فهو كفرٌ، وإن لم يكن كلّ كفرٌ سبًّا، ونحن نذكر عبارات العلماء في هذه المسألة:
قال الإمام أحمد: كلّ من شتم النبيّ -ﷺ-، أو تنقّصه، مسلمًا كان، أو كافرًا، فعليه القتل، وأرى أن يُقْتَل ولا يستتاب، وقال في موضع آخر: كلُّ من ذكر شيئًا يُعَرض بذكر الربّ ﵎، فعليه القتل مسلمًا كان، أو كافرًا، وهذا مذهب أهل المدينة.
وقال أصحابنا -يعني الحنبلية-: التعرض بسبّ الله تعالى، وسبّ رسول الله -ﷺ- رِدّةٌ، وهو موجب للقتل كالتصريح، ولا يختلف أصحابنا أن قذف أُمّ رسول الله -ﷺ- جملة سبه الموجب للقتل، وأغلظ؛ لأن ذلك يُفضي إلى القدح في نسبه، وفي عبارة بعضهم إطلاق القول بأن من سب أُمّ النبيّ -ﷺ- يُقتل مسلمًا كان، أو كافرًا، وينبغي أن يكون مرادهم بالسبّ هنا القذف، كما صرح به الجمهور؛ لما فيه من سب النبيّ -ﷺ-.
وقال القاضي عياض: جميعُ مَنْ سَبَّ النبيَّ -ﷺ-، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في
_________________
(١) "الصارم المسلول على شاتم الرسول -ﷺ-" (٣/ ٩٥٥ - ٩٦٤).
[ ٣ / ٤٣٨ ]
نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلةً من خصاله، أو عَرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السبّ له، والإزراء عليه، أو البغض منه، والعيب له، فهو سابّ له، والحكم فيه حكمُ السابّ، يُقْتَلُ ولا نَسْتَثْنِ فصلًا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نَمْتَرِ فيه تصريحًا كان، أو تلويحًا، وكذلك مَنْ لعنه، أو تَمَنَّى مَضَرَّةً له، أو دعا عليه، أو نَسَب إليه ما لا يَليق بمنصبه على طريق الذمّ، أو عَيَّبَهُ في جهته العزيزة بِسُخْف من الكلام، وهُجْر، ومُنكَر من القول، وزورٍ، أو عَيَّره بشيء ممّا يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة، والمعهودة لديه، قال: هذا كله إجماع من العلماء، وأئمة الفتوى من لدن، صحابه، وهَلُمَّ جَرّا (١).
وقال ابن القاسم، عن مالك: مَنْ سَبّ النبيّ - ﷺ - قُتِل، ولم يُسْتَتَب، قال ابن القاسم: أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه، فإنّه يُقْتَل كالزنديق، وقد فَرَض الله توقيره وبِرّه، وكذلك قال مالك في رواية المدنبين عنه: مَنْ سَبّ رسول الله - ﷺ -، أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه قُتِل، مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يستتاب.
وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة، أفتى في كلّ قضية بعضهم، إلى آخر كلام شيخ الإسلام المفصّل والمبيّن بالأدلّة الواضحة (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما يُفيده كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة، وما ذكره من نصوص العلماء، وأدلّتهم صريح في أن سابّ النبيّ - ﷺ - لا توبة له، بل يُقتل وإن تاب تنكيلًا له، وزجرًا لغيره، وأن توبته إن صدقت تنفعه فيما بينه وبين ربّه -﷿-، وهذا هو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ.
_________________
(١) "الشفا" ٢/ ٢١٤.
(٢) "راجع" الصارم المسلول على شاتم الرسول -ﷺ٣/ ٩٥٥ - ٩٨٠.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقد ذكر محقّق كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" في تقدمته للكتاب (١) طائفة من زنادقة العصر الذين جنوا بسبّ الرسول الكريم -ﷺ-، واعتدوا على الله، منهم الرَّجل الضالّ، بل الشيطان الرجيم المسمّى سلمان رشدي، وعبد العزيز المقالح، وعبد الوهّاب البيّاتي، ومحمود درويش، وأونيس السوريّ، وصلاح عبد الصبور المصريّ، وغيرهم، لا كثّر الله وجودهم بين العباد، وكسر شوكتهم في جميع البلاد، فهؤلاء وأمثالهم قد تفوّهوا بكلام الإلحاد والزندقة، قاتلهم الله أنى يؤفكون، اللَّهُمَّ اكف الإسلام والمسلمين شرّهم وفسادهم بما شئت، وكيف شئت، إنك على كلّ شيء قدير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٦٢ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عبد الله) بن حَنَشٍ، ويقال: ابن محمّد بن حَنَش (٢) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ١١/ ٩٦ من أفراد المصنّف.
٢ - (نُسَير -مصغّرًا- ابن ذُعْلُوق) -بضم الذال المعجمة، واللام، بينهما عين مهملة ساكنة- الثوريّ مولاهم، أبو طُعْمة الكوفيّ، ثقة (٣)، لم يُصب من ضعّفه [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وبكر بن ماعز، وخُليد الثوريّ، وسعيد بن جبير، والربيع بن حثيم، وعبد الله بن قيس الغفاريّ، وعَمْرو بن راشد الأشجعيّ، ومسلم بن
_________________
(١) راجع جـ ١ ص ٢١٥ - ٢٢٢.
(٢) "حَنَش" بفتح الحاء المهملة، والنون، بعدها معجمة. اهـ "ت".
(٣) هذا هو الأولى من قول "التقريب": صدوق؛ لأن الأئمة وثّقوه، كما سيأتي، فتنبّه.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
عياض، ونَوْف، وهُبيرة بن خُزَيمة.
ورَوَى عنه سعيد عبد الله بن الربيع بن خُثَيْم، وسفيان الثوريّ، وعُبيدة بن مُعتّب الضبيّ، وابنه عَمْرو بن نُسير بن ذُعلُوق، وقيس بن الربيع، ومُبارك بن سعيد الثوريّ (١)، وإسرائيل بن يونس، كما ذكره في الرواة عنه ابن حبّان (٢).
قال ابنُ أبي حاتم عن أبيه، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: نُسَير بن ذُعْلُوق ثقة، قال: وقال أبي: نُسَير صالح الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال البرقانيّ عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابنُ عبد البرّ: هو عندهم من ثقات الكوفيين. وذكره ابنُ حبّان في الثقات. وقال ابنُ حزم: لا شيءَ، وتبعه عبد الحق في ذلك (٣)، وتُعُقّبا بأن الأئمة وثّقُوه، ولم يتكلّم فيه أحد، فقد شذّا في ذلك، فلا التفات إليهما، كما أشار إلى ذلك الحافظ في "التقريب"، فتنبّه.
وهو من أفراد المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط.
٣ - (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵂ ٤/ ١.
وأما الباقون فقد تقدّموا قريبًا، و"سفيان" هو الثوريّ، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، إِلَّا الصحابيّ، فمدنيّ.
٣ - (ومنها): أن "نُسير بن ذُعلوق" هذا أول محلّ ذكره، وهو من أفراد المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط، وهو ثقة باتّفاق الأئمة، وإن شذّ ابن حزم بتضعيفه، كما تقدّم ردّه، وهذا يفند زعم من زعم أن كلّ من انفرد جهم ابن ماجة من الرجال ضعاف،
_________________
(١) راجع "تهذيب الكمال" ٢٩/ ٣٣٩.
(٢) راجع "الثِّقات" ٥/ ٤٨٦ و٧/ ٥٤٧.
(٣) راجع "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢١٦.
[ ٣ / ٤٤١ ]
وكذا شيخه عمرو بن عبد الله أيضًا من أفراده، وهو ثقة باتّفاق، كما سبق في ترجمته ١١/ ٩٦.
٤ - (ومنها): ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصّحابة له، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ) تقدّم آنفًا ضبط اسمه، واسم أبيه، فلا تغفُل، أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (يَقُولُ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ) -ﷺ-، أي لشرفهم، ورفعة مقامهم عند الله تعالى، كما أشار إليه بقوله (فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ) الفاء فصيحيّة، واللام مفتوحة، وهي لام الابتداء، و"المقام" بفتح الميم مبتدأ خبره "خيرٌ"، وأراد به هنا المصدر، أي قيام أحدهم في الجهاد في سبيل الله، وطاعة رسوله -ﷺ- (سَاعَةً) ظرف لـ "مقام" (خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ) هذا وإن كان موقوفًا إِلَّا أن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(مسألة): حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح، قال البوصيريّ ﵀: إسناده صحيح، وهو من أفراد المصنّف ﵀، وفوائده تقدّمت في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
[ ٣ / ٤٤٢ ]