أي هذا باب بيان فضل من حضر بدرًا مع النبيّ -ﷺ- مقاتلًا للمشركين، قال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب فضل من شَهِد بدرًا": ما نصّه: وكأن المراد بيان أفضليّتهم، لا مطلق فضلهم، انتهى (١).
و"بَدْرٌ" -بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة-: اسم قرية مشهورة، نُسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كِنَانة، كان نزلها، ويُقال: بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر الّتي بها، سُمّيت بذلك لاستدارتها، أو لصفاء مائها، فكان البدر يُرى فيها، وحَكَى الواقديّ إنكار ذلك كلّه عن غير واحد من شُيُوخ بني غِفَار، وإنّما هي مأوانا ومنازلنا، وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنّما هو عَلَمٌ عليها كغيرها من البلاد. قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى بالصواب.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٦٠ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، أَوْ مَلَكٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِيكُمْ؟ قَالُوا: "خِيَارَنَا"، قَالَ: كَذَلِكَ هُمْ عِنْدَنَا خِيَارُ المُلَائِكَةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبو كُريب) محمّد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [١٠] ٨/ ٥٢.
٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٣/ ٢٩.
٣ - (عباية -بفتح أوّله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رِفَاعة) ابن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رِفَاعة المدنيّ، ثقة [٣].
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٣٨١.
(٢) "الفتح" ٧/ ٣٥٦.
[ ٣ / ٤١٢ ]
رَوَى عن جده، وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي عَبْس بن جَبْر.
ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثّوريّ، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد التيميّ، ويزيد ابن أبي مريم الشامي، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، وعاصم بن كُليب، ومحُارب بن دِثَار وجماعة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النَّسائيُّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم ١٦٠ و٣١٣٧ و٣١٧٨ و٣١٨٣ و٣٤٧٣.
٤ - (جدّه) رافع بن خَدِيج بن رافع بن عَدِيّ بن يزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، أمّه حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر من بني بياضة، عُرض على النبيّ -ﷺ- يوم بَدْر، فاستصغره، وأجازه يوم أحد، فخرج بها، وشَهِد ما بعدها.
وروى عن النّبيّ -ﷺ-، وعن عمه ظهير بن رافع، وعم آخر لم يسمه، وعن أبي رافع، ولعلّه عمه الآخر، وعنه ابنه عبد الرّحمن، وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحُفَداؤه: عبايةُ بن رفاعة، وعيسى، ويقال: عثمان بن سهل، وهُرَير بن عبد الرّحمن، وابن أخيه يحيى بن إسحاق، وابن عمه، ويقال: ابن أخيه أُسيد بن ظُهير، وثابت بن أنس بن ظُهير، ومولاه أبو النجاشيّ، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، وحنظلة بن قيس، ونافع مولى ابن عمر، ونافع بن جبير بن مطعم، وواسع ابن حَبّان، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمود بن لبيد، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وغيرهم، وأرسل عنه الزّهريُّ.
قال يحيى بن بكير: مات أول سنة (٧٣)، وقال الواقديّ: مات في أول سنة (٧٤) وحَضَر ابنُ عمر جنازته، وكذا أَرَّخه خليفةُ، وابنُ نُمَير. وقال البخاريّ في "تاريخه":
[ ٣ / ٤١٣ ]
مات في زمن معاوية، وذكره في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات من الخمسين إلى الستين، وأَرَّخه ابنُ قانع سنة (٥٩). فالله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
وأما عليّ بن محمّد شيخ المصنّف فقد تقدّم قبل باب، وأما وكيع، وسفيان -وهو الثوريّ- فقد تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى سفيان، وما بعده مسلسل بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: يحيى عن عباية، ورواية الراوي عن جدّه.
٤ - (ومنها): أن عباية وجدّه هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وروى المصنّف لعباية خمسة أحاديث فقط، ولجدّه (١٩) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة (ابْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال، أنه (قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ) ﵇ (أَوْ) للشكّ من الراوي (مَلَكٌ) هو جبريل، وفي رواية البخاريّ من طريق يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: جاء جبريل بدون شكّ (إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا) استفهاميّة (تَعُدُّونَ) بفتح أوله، وضم ثانيه، من العدّ (مَنْ شَهِدَ) بكسر الهاء (بَدْرًا) أي وقعة بدر (فِيكُمْ؟) أي في المسلمين (قَالُوا) هكذا عند المصنّف بواو الجماعة، وعند البخاريّ: "قال" بالإفراد، وهو واضح، أي قال النبيّ -ﷺ-، ولما هنا أيضًا وجه، وهو أنه لما أجاب النبيّ -ﷺ-، فكأن الصّحابة أجابوا معه، حيث إنهم مصدّقون له فيما يقوله ("خِيَارَنَا") بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه السؤال، أي نعدّهم خيارنا، ويحتمل أن يكون بالرفع خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هم خيارنا، ولفظ البخاريّ: "من
[ ٣ / ٤١٤ ]
أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها (قَالَ) أي جبريل ﵇، أو ذلك الملك (كَذَلِكَ هُمْ) أي الملائكة الذين حضروا بدرًا (عِنْدَنَا) أي معاشر الملائكة (خِيَارُ الْمُلَائِكَةِ) ﵈، ولفظ البخاريّ: "وكذلك من شَهِد بدرًا من الملائكة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج ﵂ هذا أخرجه البخاريّ، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرقيّ، عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- وأخرجه أيضًا من طريق حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد بالإسناد المذكور، وأخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بالإسناد المذكور.
قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨ بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان بسند المصنّف: ما نصّه: قال أبو حاتم: رَوَى الخبر جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رِفاعة بن رافع، عن أبيه -وكان أبوه وجدّه من أهل العقبة- قال: أتى جبريل النبيّ -ﷺ-، وقد رواه سفيان الثوريّ، عن يحيى ابن سعيد، عن عباية بن رفاعة، عن جدّه رافع بن خَدِيج، وسفيانُ أحفظ من جرير، وأتقن، وأفقه، كان إذا حفظ الشيء لم يُبالِ بمن خالفه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه لترجيح ابن حبّان رواية سفيان، فإن جريرًا لم ينفرد في ذلك، بل تابعه عليه حماد بن زيد، ويزيد بن هارون، ولذا أخرجه البخاريّ من طريقهم، فتأمّل.
وقال البوصيريّ ﵀: بعد أن ساق حديث المصنّف: ما نصّه أخرجه البخاريّ في "باب فضل من شهِدَ بدرًا" من حديث يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة
_________________
(١) "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان" ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ٣ / ٤١٥ ]
ابن رافع، عن أبيه، فإن كان محفوظًا، فيجوز أن يكون ليحيى بن سعيد فيه شيخان، فإن الجميع ثقات. انتهى (١).
والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٠/ ١٦٠) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٤٦٥ و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (٤٢٥) و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٢٤) و(الطبرانيّ) في "الكبير" ٥/ ٤٠١ حديث (٣٧٠٤).
وأخرجه (البخاريّ) من حديث رفاعة بن رافع الزرقيّ (٥/ ١٠٣) و(البغوي) في "شرح السنّة" (٣٩٩٣) و(الطبرانيّ) (٤٤٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أهل بدر -﵃- على سائر الصّحابة -﵃-.
٢ - (ومنها): أن جبريل وغيره من الملائكة قد حضروا وقعة بدر، وفي "صحيح البخاريّ" من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ -ﷺ- قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب"، وذكر ابن إسحاق أن النّبيّ -ﷺ- في يوم بدر خَفَقَ خَفْقَةً، ثمّ انتبه، فقال: "أَبْشِر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه الغبار"، وأخرج سعيد بن منصور من مرسل عطية بن قيس: "أنّ جبريل أتى النّبيّ -ﷺ- بعد ما فرغ من بدر، على فرس حمراء، معقودة الناصية، قد تخضب الغبار بثنيته، عليه درعه، وقال: يا محمّد إن الله بعثني إليك، وأمرني أن لا أُفارقك حتّى ترضى، أفرضيت؟ قال: نعم". وأخرج يونس بن بكير في زيادات "المغازي" والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: كان النَّاس يوم بدر يعرفون قَتْلَى الملائكة من قَتْلَى النَّاس
_________________
(١) "مصباح الزجاجة" ص ٥٠.
[ ٣ / ٤١٦ ]
بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان، مثل وَسْمِ النّار، وفي "مسند إسحاق" عن جُبير بن مُطْعِم قال: رأيت قبل هَزِيمة القوم ببدر مثل النجاد الأسود، أقبل من السَّماء كالنمل، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إِلَّا هزيمة القوم، وعند مسلم من حديث ابن عبّاس ﵄ بينما رجل مسلم يَشْتَدّ في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس الحديث، وفيه: فقال: النّبيّ -ﷺ-: "ذلك مَدَدٌ من السَّماء الثّالثة".
وعند ابن إسحاق من حديث أبي واقد الليثيُّ -﵁- قال: إنِّي لأَتَّبعُ يوم بدر رجلًا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يَصِلَ إليه سيفي، وعند البيهقي من طريق ابن محمّد بن جُبير بن مطعم أنه سمع عليا -﵁- يقول: هَبَّت ريح شديدة لم أَرَ مثلها، ثمّ هبت ريح شديدة وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثّانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النّبيّ -ﷺ-، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها، ومن طريق أبي صالح عن علي -﵁- قال: "قيل لي ولأبي بكر يوم بدر مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال"، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، وصححه الحاكم.
[فائدة]: قال: الشّيخ تقي الدين السبكي ﵀: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النّبيّ -ﷺ- مع أن جبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي -ﷺ- وأصحابه -﵃-، وتكون الملائكة مَدَدًا على عادة مَدَدِ الجيوش رعايةً لصورة الأسباب وسنتها الّتي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع "الفتح" ٧/ ٣٩٠ - ٣٩١.
[ ٣ / ٤١٧ ]