مناسبة هذا الباب لأبواب العلم أنه جرى من عادة المشايخ أن يتقدّموا على تلاميذهم في المشي، فأراد تنبيههم بأن هذا مخلّ بالتواضع، وهدي النبيّ -ﷺ-، فالأولى تركه، والله تعالى أعلم.
وأشار السنديّ إلى أنه وقع في بعض النسخ "أن يوطأ عقبيه" بالياء، فيكون من حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على حاله، والتقدير "محلّ عقبيه"، هكذا وجهه السنديّ، وفيه نظرٌ؛ لأن شرط ذلك أن يكون المحذوف مماثلًا لما عليه قد عُطف، كقول الشاعر:
أَكُلَّ امْرِىٍ تَحسَبِينَ امْرَأً وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
أي "وكلّ نار"، ولا يوجد هذا هنا، فالظاهر أنه من تصحيفات النسّاخ، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
٢٤٤ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا رُئيَ رَسُولُ الله -ﷺ- يَأْكُلُ مُتَكِئًا قَطُّ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَيْهِ رَجُلَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سُويدُ بْنُ عَمْرٍو) الكلبيّ، أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقة، من كبار [١٠].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية الحمصي، وأنس بن حَيّ، وأبي
[ ٤ / ٤٤٢ ]
عوانة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن نمير، وسفيان بن وكيع، وعلي بن حرب الطائي، وعِدّة.
قال النسائي، وابن مع: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبتٌ في الحديث، وكان رجلًا صالحًا متعبدًا، ونقل ابن خلفون عن العجلي أنه قال: مات سُويد سنة ثلاث أو أربع ومائتين، قال: ولم يكن بالكوفة أروى عن زهير بن معاوية منه. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل الحافظ في "التهذيب" ٢/ ١٣٦كلام ابن حبّان هذا، وسكت عليه، وما كان له أن يسكت، فإن سويدًا وثقه الأئمة: ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وأخرج له مسلم في "صحيحه"، فكيف يقبل كلام ابن حبان هذا؟.
أخرج له مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٤/ ١١٦.
٤ - (ثَابِتٌ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] ٢٤/ ١٥١.
٥ - (شُعَيْبُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، نُسب لجدّه هنا الطائفيّ، صدوق [٣] ١/ ٩.
٦ - (أَبُوهُ) هو جدّه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٨/ ٥٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شعيب، وهو ثقة.
٣ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البنانيّ، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) تقدّم أنه منسوب إلى جدّه، وأبوه محمد بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) المراد به جدّه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: مَا رُئِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْكُلُ مُتكِئًا) قال في "الفتح": اختُلِف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيِّ صفة كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تَحْسَب العامة أن المتكيء هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المُعْتَمِد على الوطاء الذي تحته، قال: ومعنى قوله -ﷺ-: "إني لا آكل متكئًا": إني لا أقعد مُتكِئًا على الْوِطاء عند الأكل فِعْلَ مَن يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا الْبُلْغَة من الزاد، فلذلك أَقْعُد مُسْتَوْفِزًا، وفي حديث أنس -﵁- "أنه -ﷺ- أكل تمرًا، وهو مُقْعٍ"، وفي رواية: "وهو محُتْفِزٌ"، والمراد الجلوس على وَرِكَيه غير متمكن، وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: "زَجَرَ النبي -ﷺ- أن يَعْتَمِد الرجل على يده اليسرى عند الأكل".
قال مالك: هو نوع من الاتكاء، وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كُلّ ما يُعَدُّ الأكل فيه متكئًا، ولا يختص بصفة بعينها.
وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك.
وحكى ابن الأثير في "النهاية" أن فسّر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطبّ بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سَهْلًا، ولا يُسيغه هنيئًا، وربما تَأَذَّى به.
واختلف السَّلَف في حكم الأكل متكئًا، فزعم ابن القاصّ أن ذلك من الخصائص النبوية، وتعقّبه البيهقي، فقال: قد يكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة، وفي الحمل نظر.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وخالد بن الوليد، وعَبيدة السَّلْماني، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن يسار، والزهري جواز ذلك مُطلقًا.
وإذا ثبت كونه مكروهًا، أو خلاف الأولى، فالمستحب في صفة الجلوس للأكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه، وظهور قدميه، أو ينصب الرَّجْل اليمني، ويجلس على اليسرى، واستثنى الغزالي من كراهة الأكل مضطجعًا أكل البقل (١).
واختُلِف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءةً مخافةَ أن تَعْظُم بطونهم، وإلى ذلك يُشير بقية ما ورد فيه من الأخبار، فهو المُعْتَمَدُ، ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطبّ. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (٢).
(قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء المهملة، ظرف مستغرق للزمان الماضي، ملازم للنفي، كما أن "عَوْضُ" ظرف مستغرق للزمان المستقبل، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَعُوذُ بِرَبِّ الْعَرْشِ مِنْ فِئَةٍ بَغَتْ عَلَيَّ فَمَا لِي عَوْضُ إِلَّاهُ نَاصِرُ
قال في "القاموس": وما رأيته قَطُّ، ويُضمُّ، ويُخَفّفان، وقَطٍّ مشدّدة مجرورة، بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري، وإذا كانت بمعنى "حَسْبُ" "فقط" كـ "عَنْ"، و"قَطٍ" منونًا مجرورًا، و"قَطِي"، وإذا كان اسم فعل بمعنى "يكفي"، فتزاد نون الوقاية، ويقال: "قَطْني". انتهى (٣).
وإلى لغات "قط" الظرفية أشار شيخنا عبد الباسط المِنَاسيّ رحمه الله تعالى بقوله:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ "قَطُّ" ضَبَطْ قَطُّ وَقُطُّ قَطُ ثُمَّ قُطُ قَطْ
_________________
(١) هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، فأين هو؟.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٥٢.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٦١٤ - ٦١٥.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
(وَلَا يَطَأُ عَقِبَيْهِ رَجُلَانِ) أي لا يمشي رجلان خلفه فضلًا عن الزيادة، يعني أنه من غاية تواضعه -ﷺ- لا يتقدّم أصحابه -﵃- في المشي، بل إما أن يمشي خلفهم، كما جاء "ويسوق أصحابه"، أو يمشي فيهم.
وحاصل معنى الحديث أنه -ﷺ- لم يكن على طريقة الملوك والجبابرة في الأكل والمشي، بل يسلك مسلك التواضع، فيمشي مشي المتواضعين -ﷺ-.
قال السنديّ ﵀: "والرجلان" بفتح الراء، وضمّ الجيم هو المشهور، ويحتمل كسر الراء، وسكون الجيم: أي القدمان، والمعنى لا يمشي خلفه أحدٌ ذو رجلين، بل هو أقرب بتثنية عاقبيه، كما هو رواية المصنّف، وقد ضُبط كذلك في بعض النسخ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٤٣/ ٢٤٤): بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) (٢/ ١٦٥ و١٦٧) و(أبو داود) (٣٧٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان كراهة وطإ العقب، وقد سبق وجه مناسبة ذكره في أبواب العلم، فلا تغفل.
٢ - (ومنها): أن من آداب الأكل أن لا يكون الآكلُ متكئًا على اختلاف معناه؛ لأنه ينافي التواضع، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الأطعمة" إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) "شرح السنديّ" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من غاية التواضع، ممتثلًا أمر الله له بذلك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث عياض بن حِمار المجاشعيّ -﵁- الطويل، وفيه:
"وإن الله أوحى إليّ أَن تواضعوا، حتى لا يَفْخَر أحدٌ على أحد، ولا يَبْغِي أحدٌ على أحد". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[تنبيه]: لمّا علا أبو الحسن القطان على المصنّف برجل، حيث وصل إلى حماد بن سلمة بواسطتين، بينما هو يصل إليه من طريق المصنّف بثلاث وسائط ذكر ذلك بقوله: (قَالَ أَبُو الحسَنِ، وَحَدَّثَنَا خَازِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحجَّاجِ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. . . .)
١ - (خازم بن يحيى) بالخاء المعجمة، والزاى، هو أبو الحسن الحلواني، حافظ عارف بهذا الشأن، ارتحل إلى الشام وخراسان، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ) وتقدمت ترجمته برقم (٨٤)، فراجعه تستفد.
٢ - (إبراهيم بن الحجاج) بن زيد السّاميّ -بالمهملة- الناجيّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقة يَهِم قليلًا [١٠].
روى عن حماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وأبان بن يزيد، وغيرهم، وروى عنه أبو بكر بن علي المروزي، وأبو زرعة، وموسى بن هارون الحمال، وعبد الله بن أحمد، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان.
قال الدارقطني في "الجرح والتعديل": ثقة. وقال ابن قانع: صالح. وقال موسى: مات سنة (٢٣٣)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٣١) أو سنة اثنتين.
قال الجامع عفا الله عنه: إبراهيم بن الحجاج هذا ليس من رجال ابن ماجه، بل هو من رجال النسائيّ، وإنما زاده أبو الحسن القطان هنا طلبًا للعلوّ، كما أسلفته آنفًا. والله تعالى أعلم.
ولمّا وجد أبو الحسن أيضًا علوًا آخر برجلين ذكره أيضًا فقال:
[ ٤ / ٤٤٧ ]
(قَالَ أَبُو الحُسَنِ: وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ الْهمْدَانِيُّ، صَاحِبُ الْقَفِيزِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. . . .).
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ الْهمْدَانِيُّ، صَاحِبُ الْقَفِيزِ) الظاهر أنه إبراهيم بن نصر بن عبد العزيز الحافظ الإمام المْجُوِّد، أبو إسحاق الرازي، مُحَدِّث نَهَاوَنْد، يروي عن أبي نعيم، وعمرو ابن مرزوق، وعبد الله بن رَجَاء، وحجاج بن منهال، وأبي الوليد، وأبي حذيفة، والتَّبُوذكي (١) وخلق، وروى عنه أحمد بن محمد بن أوس، والقاسم بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن حمدان، قال جعفر بن أحمد: سألت أبا حاتم عن إبراهيم بن نصر، فقال: كان معنا عند أبي سلمة (٢) بالبصرة، وكان يُوَرِّق. وقيل: ان إبراهيم بن نصر لطول مقامه بالبصرة فتح بها دُكّانًا، وقد صنف "المسند"، وقَدِمَ هَمَذاَنَ، وحَدَّث بها، وكان كبير الشأن، عالي الإسناد، تُوُفي في حدود الثمانين ومئتين.
قال الخليلي: مسنده نيف وثلاثون جزءا، وهو صدوق، سمع منه أبو الحسن القطان، وعلي ابن مَهْرَوَيْه، وسليمان بن يزيد الْفَاميّ، وجدي أحمد بن إبراهيم، وغيرهم. ذكره في "سير أعلام النبلاء" (٣).
٢ - (موسى بن إسماعيل) المِنْقَريّ، أبو سلمة التبوذكيّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ستأتي ترجمته مطوّلةً في "كتاب الطبّ " برقم (٣٤٤٣) لأن أول ما يُخرج له المصنّف هناك، وإنما ذكره هنا أبو الحسن طلبًا للعلوّ، كما أسلفناه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) هو موسى بن إسماعيل المذكور في سند أبي الحسن القطّان هنا.
(٢) هو موسى بن إسماعيل التبوذكيّ المذكور.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ، حَدَّثَني عَليُّ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- في يَوْمٍ شَدِيدِ الحرِّ، نَحْوَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَكَانَ النَّاسُ يَمْشُونَ خَلْفَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ صَوْتَ النِّعَالِ، وَقَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَجَلَسَ حَتَّى قَدَّمَهُمْ أَمَامَهُ؛ لِئَلَّا يَقَعَ في نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ الْكِبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذهليّ المذكور قريبًا.
٢ - (أَبُو المُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجاج الْخَوْلانيّ الحِمصيّ، ثقة [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والمسعودي، وأبي بكر بن أبي مريم، وسعيد بن عبد العزيز، وعُفير بن مَعْبد، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة إسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأحمد، ومحمد بن مصفى، وعبد الوهاب بن نَجْدة، وسلمة بن شبيب، والدارمي، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن زنجويه، وأحمد بن أبي الحواري، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان صدوقًا. وقال العجليّ، والدارقطني: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، وصلى عليه أحمد بن حنبل.
وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري ثلاثة أحاديث.
أخرج له البخاري، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٥) و(٦٢٦) و(٤١٤٨).
٣ - (مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ) السُّلاميّ الشاميّ، ليّن الحديث، كثير الإرسال [١٠] ٤٠/ ٢٣٦.
٤ - (عَليُّ بْنُ يَزِيدَ) الألهانيّ، أبو عبد الملك الدمشقيّ، ضعيف [٦] ٣٩/ ٢٢٨.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبو عبد الرحمن الدمشقيّ، صاحب أبي أمامة، صدوق، كثير الإرسال [٣] ٣٩/ ٢٢٨.
٦ - (أبو أُمامة) صُديّ بن عَجْلان الصحابيّ الشهير -﵁- ٧/ ٤٨، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان -﵁- أنه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- في يَوْمٍ شَدِيدِ الْحرِّ، نَحْوَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) اسم مقبرة المدينة النبويّة، قال في "المصباح": البقيع: المكان المتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شَجَر، وبقيع الغَرْقد بميدنة النبيّ -ﷺ- كان ذا شجر، وزال، وبقي الاسم، وهو الآن مقبرة، وبالمدينة أيضًا موضع يقال له: بَقِيع الزبير. انتهى (١).
وفي "القاموس": الْغَرْقَدُ: شجر عِظام، أو هي الْعَوْسَج إذا عَظُم، واحده غَرْقَدةٌ، وبها سَمَّوْا، وبقيع الغرقد مقبرةُ المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام؛ لأنه كان منبته. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: الْغَرْقَدُ: ضرب من شجر العضاه، وشجر الشوك، والغَرْقدة واحدته، ومنه قيل لمقبرة المدينة: بقيع الغرقد؛ لأنه كان فيه غرْقدٌ وقُطِع.
انتهى (٣). (وَكَانَ النَّاسُ يَمْشُونَ خَلْفَهُ، فَلمّا سَمِعَ صَوْتَ النِّعَالِ، وَقَرَ) بفتح القاف، وكسرها: أي ثَقُل، يقال: وَقَرَت الأُذنُ تَقِر، ووقِرَتْ تَوقَرُ، من بابي وَعَدَ، وتَعِبَ: ثَقُل سمعها (٤). (ذَلِكَ) أي مشيهم خلفه (في نَفْسِهِ) متعلّق بـ "وقر" (فَجَلَسَ حَتَّى قَدَّمَهُمْ أَمَامَهُ) أي جعلهم يمشون قدّامه (لِئَلَّا يَقَعَ في نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ الْكِبْرِ) قال السنديّ هذا على حسب ظنّ الراوي، فقد لا يكون السبب ذلك، بل غيره -كما سيجيء في الحديث
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٧.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٢٧٦.
(٣) "النهاية" ٣/ ٣٦٢.
(٤) راجع "المصباح" ٢/ ٦٦٨.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
الآتي- وعلى تقدير أن الراوي أخذ ذلك من جهته، فيُمكن أنه قال ذلك للتنبيه على ضعف حالة البشر، وأنه محلّ للآفات كلِّها لولا عصمة الله تعالى الكريم، فلا ينبغي له الاغترار، بل ينبغي له دوام الخوف، والأخذ بالأحوط، والتجنب عن الأسباب المؤدّية إلى الآفات النفسانيّة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي أُمامة -﵁- هذا ضعيف؛ لضعف إسناده، قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف رواته، قال ابن معين: عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة -﵁- هي ضعاف كلها. انتهى (٢).
وقد تقدّم الكلام على هذا الإسناد في الحديث رقم (٢٢٨) فراجعه تستفد.
وهو من أفراد (المصنّف) أخرجه هنا (٤٣/ ٢٤٥) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٦٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ، وَترَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [١٠] ٩/ ٥١.
٢ - (وَكيعٌ) بن الجَرّاح الكوفيّ الحافظ الثبت العابد [٩] ١/ ٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٥/ ٤١.
_________________
(١) "شرح السنديّ" ١/ ١٦٠.
(٢) "مصباح الزجاجة" ١/ ١٠٧.
[ ٤ / ٤٥١ ]
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، وقيل: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد الله البجلي، وسعيد بن عمرو ابن سعيد بن العاص، وشقيق بن عقبة، ونُبيح العَنَزي، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوري، وشريك، والحسن بن صالح، وزهير بن معاوية، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: ثقةٌ، حسن الحديث. وقال ابن البراء عن ابن المديني: روى عن عشرة مجهولين لا يعرفون، سَمَّى مسلم منهم في "الوحدان" أربعة.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، فجعله اثنين، فالذي يَروي عن جندب ذكره في التابعين، والذي يروي عن نُبيح ذكره في أتباع التابعين، قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنه وَهَمٌ. وقال الفسوي في "تاريخه": كوفي ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة. وقال شريك بن عبد الله النخعي: أما والله إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مُكرِمًا للضيف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٦) و(١٢٦٤) و(١٥١٦) و(٣١٥٢).
٥ - (نُبيْحٌ -بالحاء المهملة، مصغّرًا- الْعَنَزِيُّ) -بفتح العين المهملة والنون، ثم زاي- ابن عبد الله، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة (١) [٣].
رَوى عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وروى عنه الأسود بن قيس، وأبو خالد الدالاني. قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره علي بن المديني في جملة
_________________
(١) هذا هو الظاهر، وأما قوله في "التقريب": مقبول، فغير مقبول؛ لأنه وثقه أبو زرعة وغيره، كما ستراه في ترجمته، فتنبّه.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
المجهولين الذين يَروي عنهم الأسود بن قيس. وصحح الترمذي حديثه، وكذلك ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤٦) و(١٥١٦).
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عمرو بن حَرَام الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ١/ ١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ -﵁-، فإنه مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن جابرًا -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵄، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ) -﵃- (أَمَامَهُ) أي قُدّاَمه (وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ) أي تعظيمًا للملائكة الماشين خلفه، لا لدفع التضييق عنهم، وهؤلاء الملائكة غير الحفظة، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": بلفظ: "مَشَوا خلف النبيّ -ﷺ-، فقال: امشوا أمامي، وخلّفوا ظهري للملائكة". وفي رواية الإمام أحمد في "مسنده": قال: "كان أصحاب النبي -ﷺ- يمشون أمامه إذا خرج، ويَدَعُون ظهره للملائكة"، وفي لفظ قال: "كان رسول الله -ﷺ- إذا خرج من بيته مشينا قُدَامه، وتركنا ظهره للملائكة".
وفيه إكرام الله تعالى نبيه -ﷺ- غاية الإكرام، حيث جعل الملائكة تمشي وراءه تعظيمًا له -ﷺ-، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح، قال البوصيريّ رحمه الله تعالى: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": ثنا قبيصة، ثنا سفيان به بلفظ: "مشوا خلف النبي -ﷺ-. . ." الحديث المذكور انتهى كلامه (١).
وهو من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٣/ ٢٤٦) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده " (٣/ ٣٠٢ و٣٣٢) و(ابن حبان) في "صحيحه" (٦٣١٢) و(الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٢٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) "مصباح الزجاجة" ١/ ١٠٧ - ١٠٨.
[ ٤ / ٤٥٤ ]