فَأَما قَوْله ﵇ خلق آدم على صورته فقد تَأَوَّلَه المتأولون من أهل الْعلم على وُجُوه كَثِيرَة سنذكرها ثمَّ نزيد فِيهَا مَا وَقع لنا فِي تَأْوِيله مِمَّا يُوَافق تأويلهم وَبَين خطأ من ذهب عَن وَجهه الصَّوَاب فِي تَأْوِيله وَأظْهر وُجُوه التَّأْوِيل فِي ذَلِك
وَمِمَّا قيل إِن هَذَا الْخَبَر خرج على سَبَب وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ مر بِرَجُل يضْرب ابْنه أَو عَبده فِي وَجهه لطما وَيَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك
فَقَالَ ﷺ
إِذا ضرب أحدكُم عَبده فليتق الْوَجْه فَإِن الله خلق آدم على صورته // أخرجه البُخَارِيّ //
[ ٤٨ ]
وَقد نقل الناقلون هَذِه الْقِصَّة مَعَ هَذِه اللَّفْظَة من الطّرق الصَّحِيحَة وَإِنَّمَا ترك بعض الروَاة بعض الْخَبَر إختصارا على مَا يذكر مِنْهُ للدلالة على مَا يحذف إِذا كَانَت الْقِصَّة عِنْده مَشْهُورَة مضبوطة بِنَقْل الْإِثْبَات لِأَن أَكثر الْغَرَض عِنْدهم الْأَسَانِيد دون الْمُتُون فَلذَلِك ترك بَعضهم ذكر السَّبَب فِيهِ
فَالْأولى أَن يحمل الْمُخْتَصر من ذَلِك على الْمُفَسّر حَتَّى يَزُول الْإِشْكَال وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ سَمعه يَقُول
قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك وَذَلِكَ سبّ للأنبياء وَلِلْمُؤْمنِينَ فزجره عَن ذَلِك
وَخص آدم بِالذكر لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ابتدئت خلقَة وَجهه على الْحَد الَّذِي يحتذى عَلَيْهَا من بعده كَأَنَّهُ ينبهه على أَنَّك قد سببت آدم وَمن ولد مُبَالغَة فِي الردع لَهُ عَن مثله وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا وَجه ظَاهر وَالْهَاء كِنَايَة عَن الضَّرْب فِي وَجهه وَلَا شُبْهَة فِيهِ
[ ٤٩ ]
وَالْوَجْه الآخر مِمَّا تَأَوَّلَه عَلَيْهِ النَّاس أَن الْكِنَايَة فِي قَوْله صورته ترجع إِلَى آدم وَذَلِكَ يَنْقَسِم إِلَى وُجُوه
أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَة تعريفنا نعْمَة الله تَعَالَى على أَبينَا آدم ﵇ أَن فَضله بِأَن خلقه بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جنته وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَعلمه مَا لم يُعلمهُ أحدا قبله من الْأَسْمَاء والأوصاف ثمَّ عَصَاهُ وَخَالفهُ فَلم يُعَاقِبهُ على ذَلِك
[ ٥٠ ]
بِسَائِر مَا عاقب بِهِ الْمُخَالفين لَهُ فِي نَحوه وَذَلِكَ أَنه رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه أخرج آدم من الْجنَّة وَأخرج مَعَه الْحَيَّة والطاووس فعاقب الْحَيَّة بِأَن شوه خلقهَا وسلبها قَوَائِمهَا وَجعل أكلهَا من التُّرَاب وشوه رجْلي الطاووس وَلم يشوه خلقَة آدم بل أبقى لَهُ حسن الصُّورَة وَلم يَجْعَل عُقُوبَته فِي ذَلِك
[ ٥١ ]
فَعرفنَا ﷺ بذلك أَن أَبَاكُم آدم ﵇ كَانَ فِي الْجنَّة على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا لم يُغير الله خلقته وَتَكون فَائِدَة ذَلِك تعريفنا الْفرق بَينه وَبَين سَائِر من أخرجه من الْجنَّة مَعَه وإبانته مِنْهُم فِي الرُّتْبَة والدرجة وَهَذِه فَائِدَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهَا إِلَّا بِخَبَر الصَّادِق
وَالْوَجْه الثَّانِي من ذَلِك إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى آدم فسبيله أَن النَّبِي ﵇ أفادنا إبِْطَال قَول أهل الذِّمَّة أَنه لم يكن إِنْسَان إِلَّا من نُطْفَة وَلَا نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان فِيمَا مضى وَيَأْتِي لَيْسَ لذَلِك أول وَلَا آخر وَأَن النَّاس إِنَّمَا ينتقلون من نشوء على تَرْتِيب مُعْتَاد وَإِن كَانَ ذَلِك أبدا كَانَ كَذَلِك فَعرفنَا ﷺ بتكذيبهم وَأَن أول الْبشر آدم ﵇ خلق على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وعَلى الْهَيْئَة الَّتِي شوهد عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ من نُطْفَة قبله أَو عَن تناسل أَو تنقل من صغر إِلَى كبر كالمعهود من أَحْوَال أَوْلَاده فَأَما مَا دلّت عَلَيْهِ دَلَائِل الْعُقُول من كَون هَذَا الْعَالم ذَا ابْتِدَاء وإنتهاء
وَأفَاد بِهِ مَا لَا يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بِالسَّمْعِ إِلَّا أَن الأَصْل الَّذِي هُوَ مِنْهُ توالدنا لم يكن عَن توالد قبله بل خلق كَمَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ آدم ﵇ خلقه الله ﷿ من صلصال كالفخار ثمَّ خلق فِيهِ الرّوح وَلم يكن قطّ فِي صلب وَلَا رحم وَلَا كَانَ علقَة وَلَا مُضْغَة وَلَا مراهقا وَلَا طفْلا بل خلق ابْتِدَاء بشرا سويا كَمَا شوهد // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم
[ ٥٢ ]
وعهد
وَالْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه هَذَا التَّأْوِيل فِي الرُّجُوع بِالْهَاءِ إِلَى آدم ﵇ على مَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم فِي تَأْوِيله وَهُوَ أَنه أفادنا ﷺ أَن الله ﷿ خلق آدم على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ ذَلِك حَادِثا أَو شَيْئا مِنْهُ عَن توليد عنصر أَو تَأْثِير طبع أَو فلك أَو ليل أَو نَهَار إبطالا لقَوْل الطبائعيين
إِن بعض مَا عَلَيْهِ آدم ﵇ من هَيْئَة وَصُورَة لم يخلقه الله ﷿ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من فعل الطَّبْع أَو تَأْثِير الْفلك // أخرج عبد الرزاق //
[ ٥٣ ]
فنبه بذلك على أَن الله تَعَالَى هُوَ الْخَالِق لآدَم ﵇ على مَا كَانَ فِيهِ من الصُّورَة والتراكيب والهيئات لم يُشَارِكهُ فِي خلق صُورَة من صوره أَو هَيْئَة من هيئاته أحد سواهُ فاستفدنا بذلك بطلَان قَول من قَالَ بتوليد الطَّبْع وإيجابه وتأثير الْفلك وتغييره
وَخص آدم ﵇ بِالذكر تَنْبِيها على أَن من شَاركهُ من الْمَخْلُوقَات فِي مَعْنَاهُ وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب فِي التفهيم تذكرا على مَا فِي هَذَا الْبَاب للدلالة على الْأَدْنَى
فَإِذا عرف أَن صُورَة آدم وتركيبه وهيئته لم يخلقها أحد إِلَّا الله ﷿ علم سَائِر المصورات من أودلاه وَغَيرهم فَحكمهَا كَذَلِك
وَقَالَ بَعضهم الْهَاء يرجع إِلَى بعض الْمَشَاهِير من النَّاس والفائدة فِي الْخَبَر يعرفنا أَن صُورَة آدم ﵇ كَانَت كهذه الصُّورَة إبطالا لقَوْل من زعم أَنَّهَا
[ ٥٤ ]
كَانَت على هَيْئَة أُخْرَى كَمَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات من ذكر طوله وقامته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يوثق بِهِ إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك خبر صَحِيح وَإِنَّمَا الْمعول فِي مثله على كَعْب أَو وهب من أَحَادِيث التَّوْرَاة وَلَا ثِقَة بِشَيْء من ذَلِك وَلم يثبت من وجهة أُخْرَى أَنه قد كَانَت خلقَة آدم ﵇ على خلاف هَذِه الْخلقَة على الْحَد الزَّائِد الَّذِي يخرج عَن الْمَعْهُود من متفاوت الْبشر
والطريقة الثَّانِيَة فِي تَأْوِيل ذَلِك أَن يكون الْهَاء كِنَايَة عَن الله وَهَذَا أَضْعَف الْوَجْهَيْنِ من قبل أَن الظَّاهِر أَن الْهَاء ترجع إِلَى أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهِ إِلَّا أَن تدل دلَالَة على خلاف ذَلِك
وَإِذا قُلْنَا هَذَا احْتمل وُجُوهًا
أَحدهَا أَن يكون معنى الصُّورَة على هَذَا معنى الصّفة كَمَا يُقَال عرفني صُورَة هَذَا الْأَمر أَي صفته وَلَا صُورَة لِلْأَمْرِ على الْحَقِيقَة إِلَّا على معنى الصّفة وَيكون تَقْدِير التَّأْوِيل فِيهِ أَن الله ﷿ خلق آدم على صفته وَذَلِكَ أَن الْمَخْلُوقَات قِسْمَانِ
جماد ونام
والنامي نَوْعَانِ حَيَوَان وَمَا لَيْسَ بحيوان
وَالْحَيَوَان على نَوْعَيْنِ نَاس وبهائم ثمَّ سوى الْجِنّ وَالْملك ثمَّ لم يشرف من الْحَيَوَان والجماد شَيْء سوى الْإِنْسَان للإضافة إِلَى النامي والبهائم وَلم يشرف من
[ ٥٥ ]
نوع الْحَيَوَان النَّاطِق أحد سوى الْأَنْبِيَاء وَذَلِكَ أَن نوعا من الْعُقَلَاء من الْحَيَوَان كالجن وَالْملك وَالْإِنْس خص بِالْعقلِ والنطق وَشرف بِهِ وَذَلِكَ من خِصَال كَمَال التعالي ثمَّ لما كَانَ أكمل الْأَشْيَاء نعتا وأتمها رفْعَة وتعظيما هُوَ الله ﷿ وَكَانَ الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير الْمُتَكَلّم المريد وَذَلِكَ نعوت عَظمَة وَعزة وجلالة خلق آدم على صفته مِمَّا هِيَ صفة التعالي حَيا عَالما قَدِيرًا سميعا بَصيرًا متكلما مُخْتَارًا مرِيدا
فميزه من الجماد والنامي بِمَا نفخ فِيهِ من الرّوح
[ ٥٦ ]
وميزه من الْبَهَائِم بِمَا ركب فِيهِ من الْعقل والنطق
وميزه من جنسه من وقته بِأَن نبأه وأرسله
وميزه من الْمَلَائِكَة بِأَن قدمه عَلَيْهِم وأسجدهم لَهُ وجعلهم تلاميذه وَأمرهمْ أَن يتعلموا مِنْهُ فحصلت لَهُ رُتْبَة الْجلَال وَالْعَظَمَة مِمَّا نَوعه الله ﷿ بِأَن حصل سجودا لَهُ مُخْتَصًّا بِالْعلمِ بِمَا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ فِي حَالَة غَيره فتميز بِهَذِهِ الصِّفَات وَهِي صِفَات التعالي من سَائِر الْعَالمين والمخلوقين فِي وقته فَعرفنَا
[ ٥٧ ]
﵇ بذلك إسباغ نعم الله ﷿ عَلَيْهِ وتشريفه إِيَّاه بخصال التعالي وَهِي صِفَات مِمَّا فِي صِفَات الله على الإختصاص
وَالْوَجْه الثَّانِي من قَوْلنَا أَن الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الله وَهُوَ أَن يعلم من طرق الإضافات إِلَى الله ﷿ وطرق التَّخْصِيص فِيهَا وَذَلِكَ أَن من الْأَشْيَاء مَا يُضَاف إِلَى الله ﷿ من طَرِيق أَنه فعله كَمَا يُقَال خلق الله وَأَرْض الله وسماء الله
وَقد يُضَاف مثل هَذِه الْإِضَافَة على معنى الْملك فَيُقَال رزق الله وعبد الله وَقد يُقَال على معنى الإختصاص من طَرِيق التنويه يذكر الْمُضَاف إِذا خص بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله نَاقَة الله فَإِنَّهَا إِضَافَة تَخْصِيص وتشريف يُفِيد التحذير والورع عَن التَّعَرُّض لَهَا
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى
﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾
وَقَول الْمُسلمين للكعبة بَيت الله تَخْصِيصًا بِالذكر فِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ تَشْرِيفًا وَهُوَ كَقَوْلِه أَيْضا فِي إِضَافَة الْمُؤمنِينَ إِلَى نَفسه بِلَفْظ الْعُبُودِيَّة فِي قَوْله تَعَالَى
﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ إِلَى آخر صفاتهم
[ ٥٨ ]
وَقَوله
﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾
وَالْوَجْه الآخر من الْإِضَافَة نَحْو قَوْلك كَلَام الله وَعلم الله وقدرة الله وَفِي إِضَافَة إختصاص من طَرِيق الْقيام بِهِ كَمَا يُقَال فِي إِضَافَة الأَرْض إِلَى الْمحل وَمَا لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَى مَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ ذَلِك من جِهَة الْملك وَالْفِعْل والتشريف بل ذَلِك على معنى أَن ذَاته غير منعوتة مِنْهُ قيَاما بهَا وقعودا ووجودا ثمَّ نَظرنَا فِي إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الله ﷿ فَلم يَصح أَن يكون وَجه إضافتها إِلَيْهِ على نَحْو إِضَافَة
[ ٥٩ ]
الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا من حَيْثُ تقوم بِهِ لإستحالة أَن يقوم بِذَاتِهِ ﷿ حَادث بِوَجْه وَلَا صُورَة وَلَا تأليف وَلَا غَيره لِأَن مَا قَامَ بِذَات من تأليف وَصُورَة لم يألف غير مَا لم يقم بِهِ وَبِذَلِك يمْنَع أَن يكون غَيره قد تصور بهَا وَذَلِكَ محَال فَبَقيَ من وُجُوه الإضافات كَذَا الْملك وَالْفِعْل والتشريف فَأَما الْملك وَالْفِعْل فوجهه عَام وَيبْطل فَائِدَة التَّخْصِيص فَبَقيَ أَنَّهَا إِضَافَة تشريف
وَطَرِيق ذَلِك أَن الله ﷿ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ تَصْوِير آدم لَا على مِثَال بل اخترعه اختراعا ثمَّ اخترع من بعده على مِثَاله فتشرفت صورته بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ من حَيْثُ كَانَت مَخْصُوصَة بهَا على هَذَا الْوَجْه ثمَّ سَائِر وُجُوه التشريف مِمَّا خص بهَا آدم ﵇ من فضائله مِمَّا ذكرنَا بعضه
وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى الله ﷿ فِي قَوْلهم فِي صورته على بعض الْمعَانِي الَّتِي ذكرنَا فَإِن تَأْوِيل مَا يرْوى من هَذَا الْخَبَر على إِظْهَار الرَّحْمَن بعد ذكر الصُّورَة على مَا فِيهِ من الضعْف وَالْعلَّة عِنْد أهل النَّقْل وَأَنه يكون مَحْمُولا على مَا ذَكرْنَاهُ
إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى الله ﷿ وَقد أنكر بعض أَصْحَابنَا صِحَة هَذِه اللَّفْظَة من طَرِيق الْعَرَبيَّة وَقَالَ لَا يجوز فِي اللُّغَة أَن يُقَال مثله وَلَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لَكَانَ يَقُول
إِن آدم خلق على صُورَة الرَّحْمَن دون أَن يُقَال إِن الله خلق آدم على صورته لِأَن تقدم ذكره بإسم الظَّاهِر فَإِذا أُعِيد ذكره لكني عَنهُ بِالْهَاءِ من غير إِعَادَة اسْمه بِالظَّاهِرِ كَقَوْلِك
[ ٦٠ ]
إِن زيدا ضرب عَبده وَلَا يُقَال إِن زيدا ضرب عبد زيد وَالْمرَاد بزيد الثَّانِي هُوَ المُرَاد بِالْأولِ
قَالُوا وَإِذا لم يكن ذَلِك سائغا من جِهَة الْعَرَبيَّة وَلَا ثَابتا من جِهَة النَّقْل لم يكن للإستعمال بِهِ وَجه
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُمكن أَن يدْفع بِهِ هَذَا الْخَبَر على هَذَا الْوَجْه وَإِنَّمَا طَرِيق دفع ذَلِك من جِهَة النَّقْل وتعليل أَمر رُوَاته لِأَن مثله قد يَصح فِي الْعَرَبيَّة وَقد وَردت بذلك أشعار الْعَرَب فَمن ذَلِك قَول عدي بن زيد
(لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء نقض الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا)
فَأَعَادَ ذكر الْمَوْت بِلَفْظِهِ وَلم يكن عَنهُ بِالْهَاءِ وَلم يقل لَا أرى الْمَوْت يسْبقهُ شَيْء وَمثله فِي الْقُرْآن
﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا﴾
وَلم يقل إِلَيْنَا وَإِلَيْهِ فَإِذا كَانَ مثله سائغا لم يكن لإنكاره من هَذَا الْوَجْه
[ ٦١ ]
معنى دون أَن يُقَال إِن الْإِثْبَات من أهل النَّقْل لم يرووه على هَذَا الْوَجْه بل كلهم أَجمعُوا على نقل قَوْله على صورته صورته بِالْهَاءِ كِنَايَة لَا إِظْهَارًا وَذَلِكَ مُحْتَمل للوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا إِن رَجَعَ بِهِ إِلَى آدم فَيحْتَمل وَهُوَ الْأَقْرَب وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَضْرُوب على مَا روى فِي السَّبَب فِيهِ مَعَه فَظَاهر أَيْضا وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الله ﷿ وَهُوَ الْأَبْعَد كَانَ طَرِيق تَأْوِيله مَا بَيناهُ لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ إِثْبَات صُورَة الله تَعَالَى على التَّحْقِيق وَهُوَ بهَا مصورا ومتصورا لِأَن صورته هِيَ التَّأْلِيف والهيئة وَذَلِكَ لَا يَصح إِلَّا على الْأَجْزَاء المتألفة والأجسام المركبة وَقد تَعَالَى الله عز ذكره عَن أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو مؤلفا مركبا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَيكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَته تَكْذِيب القهرية لما زعمت أَن من صُورَة آدم وَصِفَاته مَا لم يخلقه الله ﷿
وَذَلِكَ أَن الْقَدَرِيَّة على أَن صِفَات آدم على نَوْعَيْنِ
مِنْهَا مَا خلقه الله وَمِنْهَا مَا خلقهَا آدم لنَفسِهِ فَأخْبر النَّبِي ﷺ بتكذيبهم
[ ٦٢ ]
وَأَن الله تَعَالَى خلق آدم على جَمِيع صوره وَصِفَاته ومعانيه وأعراضه وَمثله فِي الْكَلَام أَن يُقَال عرفني هَذَا الْأَمر على صورته إِذا أردْت أَن يعرفك على الإستيفاء والإستقصاء دون الإستبقاء
وكما أفادنا ﷺ بذلك تَكْذِيب الطبائعيين فِي كَون بعض هيئات الْبشر من توليد الطَّبْع وإيجابه كَذَلِك أفادنا تَكْذِيب الْقَدَرِيَّة حَيْثُ زعمت أَن من مَعَاني آدم ﵇ وأعراضه وَكثير من هيئاته لم يخلقه الله ﷿ وَإِنَّمَا خلقه آدم وأبدعه هُوَ من دون الله ﷿
وَوجه آخر مِمَّا يحمل عَلَيْهِ تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَهُوَ أَن يكون مَعْنَاهُ إِشَارَة إِلَى مَا نقُول على أصولنا إِن الله ﷿ خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا فَلَمَّا خلق آدم وَقد علم أَنه يَعْصِي وَيُخَالف أمره وَكتب ذَلِك عَلَيْهِ وَأَنه عز ذكره هَكَذَا خلقه على مَا علم وَأَرَادَ أَن يكون عَلَيْهِ وَشهد لذَلِك حَدِيث مُحَاجَّة مُوسَى لآدَم ﵉ لما قَالَ مُوسَى لآدَم لما التقيا فِي السَّمَاء
أَلَسْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وأسجد لَك مَلَائكَته وأسكنك جنته ثمَّ عصيته وخالفت أمره
فَقَالَ آدم ﵇
أَكَانَ ذَلِك شَيْء مني أَو أَمر كتبه الله ﷿ عَليّ قبل أَن يخلقني
فَقَالَ مُوسَى ذَلِك مِمَّا كتبه عَلَيْك قبل خلقك قَالَ ﷺ
[ ٦٣ ]
فحج آدم مُوسَى ثَلَاثًا
فدلنا ﷺ بقوله
إِن الله خلق آدم على صورته على مثل هَذَا الْمَعْنى وَإنَّهُ خلق مِمَّن سبق الْعلم بِحَالهِ أَنه يَعْصِي ثمَّ يَتُوب فيتوب الله تَنْبِيها على وجوب جَرَيَان قَضَاء الله على خلقه وَأَنه إِنَّمَا يحدث الْأُمُور ويغير الْأَحْوَال على حسب مَا يخلق عَلَيْهِ الْمَرْء ويتيسر لَهُ وَهَذَا أَيْضا تأييد لمذهبنا فِي إِضَافَة تَقْدِير الْأُمُور كلهَا إِلَى الله ﷿
[ ٦٤ ]