اعْلَم أَن الثَّلْجِي حمل ذَلِك على مَا يذهبون إِلَيْهِ من القَوْل بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان وَزعم أَنه نَظِير مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة فِي قَوْله عز ذكره ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
[ ١٧٠ ]
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾
وَكَانَ يذهب مَذْهَب النجار فِي القَوْل بِأَن الله فِي كل مَكَان وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَهَذَا التَّأْوِيل عندنَا مُنكر من أجل أَنه لَا يجوز أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى فِي مَكَان أَو فِي كل مَكَان من قبل أَن ظَاهر معنى فِي وَمَا وضع فِي اللُّغَة لَهُ هُوَ الْوِعَاء والظرف وَذَلِكَ لَا يصلح إِلَّا فِي الْأَجْسَام والجواهر
فَأَما قَوْله عز ذكره ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ فَإِن مَعْنَاهُ عِنْد أَصْحَابنَا
أَن الله جلّ ذكره يعلم سركم وجهركم الواقعين فِي مَحل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ محَال السِّرّ والجهر الواقعين فِي مَحل الله ﷿ وَلَا يَصح الْوُقُوف على معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ دون أَن يُوصل بقوله تَعَالَى ﴿يعلم سركم وجهركم﴾
[ ١٧١ ]
فان قَالَ قَائِل فَمَا معنى الْخَبَر إِذا لم يذكر فِيهِ الْعلم بل أطْلقُوا القَوْل فَقَالُوا فِي الشرق وَفِي الغرب وَفِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض
قيل إِن صَحَّ هَذَا فَمَعْنَاه أَنه فَوْقهَا وإستعمال فِي بِمَعْنى فَوق ظَاهر فِي اللُّغَة منتشر مِنْهُ قَوْله ﷿ ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ أَي فَوْقهَا
وَمِنْه قَوْله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ على جُذُوع النّخل وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ أَن المُرَاد بذلك من فَوْقهَا وَإِذا كَانَ ظَاهرا فِي اللُّغَة
[ ١٧٢ ]
اسْتِعْمَال فِي بِمَعْنى فَوق وَقد قَالَ ﵎ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾
وَقَالَ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾
وَأطلق الْمُسلمُونَ أَن الله تَعَالَى فَوق خلقه كَانَ حمله على أولى وَعَلِيهِ يتَأَوَّل أَيْضا قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
أَي هُوَ فَوق السَّمَاء إِلَه وَفَوق الأَرْض إِلَه
أنْشد بَعضهم هم صلبوا العبدى فِي جذع نَخْلَة مَعْنَاهُ على جذع نَخْلَة
وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الله ﷿ فَوق مَا خلق لم يرجع بِهِ إِلَى فوقية الْمَكَان والإرتفاع على الْأَمْكِنَة بالمسافة والإشراف عَلَيْهَا بالممارسة لشَيْء مِنْهَا بل قَوْلنَا إِنَّه فَوْقهَا يحْتَمل وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه يُرَاد بِهِ أَنه قاهر لَهَا مستول عَلَيْهَا إِثْبَاتًا لإحاطة قدرته بهَا وشمول قهره لَهَا وَكَونهَا تَحت تَدْبيره جَارِيَة على حسب علمه ومشيئته
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يُرَاد أَنه فَوْقهَا على معنى أَنه مباين لَهَا بِالصّفةِ والنعت وَأَن مَا يجوز على المحدثات من الْعَيْب وَالنَّقْص وَالْعجز والآفة وَالْحَاجة لَا يَصح شَيْء
[ ١٧٣ ]
من ذَلِك عَلَيْهِ ولايجوز وَصفه بِهِ وَهَذَا أَيْضا مُتَعَارَف فِي اللُّغَة أَن يُقَال فلَان فَوق فلَان وَيُرَاد بذلك رفْعَة الْمرتبَة والمنزلة وَالله ﷿ فَوق خلقه على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنَّمَا يمْتَنع الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن يكون على معنى التحيز فِي جِهَة الإختصاص ببقعه دون بقْعَة وَإِذا قُلْنَا أَنه فَوق الْأَشْيَاء على هَذَا الْوَجْه قُلْنَا أَيْضا فِي تَأْوِيل إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ فِيهَا على مثل هَذَا الْمَعْنى وَقد رَأينَا فِي اللُّغَة تعاقب هذَيْن الحرفين على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا شواهده من آي الْقُرْآن وَالشعر
سُؤال فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا أجزتم أَن يُقَال أَنه فِي السَّمَاء وَفِي الأَرْض على معنى أَنه فَوْقهَا أفتجيزون أَن يُقَال إِنَّه فِي كل على مثل هَذَا الْمَعْنى
قيل إِنَّمَا يُطلق من ذَلِك مَا ورد بِهِ أثر ونطق بِهِ سمع وَلَيْسَ للْقِيَاس عندنَا فِي ذَلِك مدْخل بِوَجْه من الْوُجُوه
قُلْنَا إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر كَانَ طَرِيق تَأْوِيله على نَحْو تَأْوِيل الْآيَة فِي قَوْله ﷿ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ إِنَّمَا زعم مخالفونا أَنه وَاجِب أَن يُقَال
إِن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان ورد بِهِ خبر أَو لم يرد سوى من وَافَقنَا مِنْهُم فِي أَخذ أَسْمَائِهِ عَن التَّوْقِيف خُصُوصا وَلَا تَوْقِيف على هَذَا الْمَعْنى بِوَجْه بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان فَمَتَى رجعُوا فِي معنى إِطْلَاق ذَلِك إِلَى الْعلم وَالتَّدْبِير كَانَ معناهم صَحِيحا وَاللَّفْظ مَمْنُوعًا
أَلا ترى أَنه لَا يسوغ أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى مجاور لكل مَكَان أَو مماس لَهُ أَو حَال أَو مُتَمَكن فِيهِ على معنى أَنه عَالم بذلك مُدبر لَهُ
[ ١٧٤ ]
فَأَما قَوْلهم إِن هَذَا على سَبِيل قَوْلهم فلَان فِي بِنَاء دَاره وَفِي صلَاته وَعَمله على معنى أَنه يدبره
قيل هَذَا خطأ لِأَن مَا ذكرْتُمْ هُوَ من الْكَلَام المقلوب كَقَوْلِهِم
أدخلت القلنسوة فِي رَأْسِي وأدخلت الْقَبْر زيدا وأدخلت الْخُف فِي رجْلي وَإِنَّمَا تدخل الرجل فِي الْخُف وَزيد فِي الْقَبْر وَالرَّأْس فِي القلنسوة
كَذَلِك الْعَمَل فِي فلَان وَالْبناء فِيهِ لَا أَنه هُوَ فِي الْعَمَل وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام لَا يُقَاس وَلَا يصلح أَن يَجْعَل أصلا لِأَنَّهُ نوع من الْمجَاز وَإِنَّمَا يَجْعَل الْحَقَائِق أصولا ويستخرج مَعَانِيهَا إِذا كَانَ لإستعمال الْقيَاس فِي ذَلِك مدْخل
وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي الْإِشَارَة إِلَى فَسَاد قَول الثَّلْجِي وَمن ذهب مذْهبه فِي إِطْلَاق القوف بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان وَحمل هَذَا الْخَبَر على مثل مذْهبه فِيهِ فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١٧٥ ]