أعلم أَن أول مَا فِيهِ أَن عبد الله بن عَمْرو لم يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ
وَقد قيل إِن عبد الله بن عَمْرو أصَاب وسقين من الْكتب يَوْم اليرموك فَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ إِذا حَدثهمْ
حَدثنَا مَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ وَلَا تحدثنا من وسقك يَوْم اليرموك
وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن الَّذِي ذهب إِلَى ظَاهر التَّشْبِيه وَحمل الْأَمر فِي معنى هَذَا الْخَبَر على مَا هُوَ جوارح الْإِنْسَان وأعضاؤه هم الْيَهُود وَلذَلِك كَانَ وهب بن مُنَبّه يَقُول
إِنَّمَا ضل من ضل بالتأويل
[ ١٤٣ ]
يرْوى فِي كتب دانيال أَنه لما علا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَانْتهى إِلَى الْعَرْش رأى شخصا ذَا وفرة فتأول أهل التَّشْبِيه أَن ذَلِك رَبهم ﷿ جهلا مِنْهُم بالتأويل
وَإِنَّمَا ذَلِك إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ على أَن هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ أُسَامَة وَلم يقل فِيهِ ذِرَاعَيْهِ وصدره بل قَالَ من نور الذراعين والصدر مُطلقًا غير مُضَاف
فَإِن كَانَ ذَلِك لم يُنكر أَن يكون صَدرا وذراعين لبَعض خلقه
وَلم يُنكر أَيْضا أَن يكون الصَّدْر والذارعان من أَسمَاء بعض مخلوقاته وَقد وجدوا فِي النُّجُوم مَا يُسمى بذراعين وَلَيْسَ بمستنكر أَن يُسمى بِهَذَا الإسم غَيره من الْخلق فَيكون مَا خلق من الْمَلَائِكَة خلق من ذَلِك وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ التَّنْبِيه على مَا فِي قدرته ﷿ من خلق الْمَخْلُوقَات وإنشاء المحدثات وَإنَّهُ لَا يعوزه عَظِيم مَا يخلقه وَلَا يعجزه
وَقد قيل فِي تَأْوِيل قَوْله ﷿
﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة﴾
أَن الرّوح ملك من الْأَمْلَاك يكون وَحده صفا وَالْمَلَائِكَة كَهَذا بإزائه صفا
[ ١٤٤ ]
وَأما مَا فِي حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة من قَوْله شعر ذارعيه وصدره فَيحْتَمل أَيْضا أَن يتَأَوَّل على أَن ذَلِك إِضَافَة من طَرِيق الْملك وَشبه من طَرِيق الْفِعْل كَمَا قَالَ فِي قصَّة آدم عَليّ السَّلَام
﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾
وأضاف الرّوح إِلَى نَفسه إِضَافَة ملك وَتَقْدِير لَا إِضَافَة بِروح بهَا أَو حُلُول فِي ذَاته تَعَالَى
[ ١٤٥ ]
وَالَّذِي يُؤَيّد ذَلِك مَا كَانَ يَقُوله ابْن شهَاب إِذا روى هَذَا الْخَبَر وَمثله فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول عِنْد ذَلِك
والأذرع كلهَا لله ﷿ والأصابع كلهَا لله ﷿ يُشِير إِلَى معنى الْملك الْعَام كَسَائِر المملوكات
وَهَذَا نَظِير مَا يحْكى عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد رِوَايَته لخَبر النُّزُول وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَقُول عِنْد ذَلِك
وَيفْعل الله مَا يَشَاء يعرفهُمْ أَن ذَلِك نزُول فعل لَا نزُول تحول وإنتقال من مَكَان إِلَى مَكَان
[ ١٤٦ ]
هَذَا يبين لَك صِحَة مَا أومينا إِلَيْهِ من أَن هَذِه الْإِضَافَة من طَرِيق الْفِعْل وَالْملك لِأَن سَائِر مَا يُضَاف إِلَيْهِ عز ذكره لَا يخرج عَن مثل هَذَا الْمَعْنى إِذا لم تكن الْإِضَافَة على طَرِيق إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا من جِهَة الْقيام بِذَاتِهِ على الْوَجْه الَّذِي يُوجب لَهُ إشتقاق الإسم وَالْحكم
فَإِن قيل فَإِذا أجزتم هَذِه الطَّرِيقَة فَكيف أنكرتم قَول النَّصَارَى حَيْثُ قَالَت إِن عِيسَى ابْن الله على طَرِيق الْكَرَامَة وعَلى طَرِيق الْملك وَالْفِعْل
قيل الأَصْل فِي سَائِر هَذِه الإضافات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْخَاصَّة الَّتِي تجْرِي من طَرِيق الْملك وَالْفِعْل على من يُضَاف إِلَيْهِ ويوصف بِهِ السّمع وَلَا يجوز إِطْلَاق شَيْء من ذَلِك على الْوَجْه الْخَاص إِلَّا بِأَن يتقدمه سمع وَلذَلِك يكون الْأَمر فِيهِ مَقْصُورا عَلَيْهِ وَلَا يتعداه وَنحن فَلم نجد فِي شريعتنا إِطْلَاق ذَلِك بل وجدنَا فِي الشَّرِيعَة مَا يحظر ذَلِك وَلَا يجوز إِطْلَاقه بِوَجْه
وَأعلم أَنه قد يَصح معنى الْوَصْف وَالْإِضَافَة فِي ذكر الله مَعَ شَيْء من أَفعاله من طَرِيق الْمَعْنى من حَيْثُ إجَازَة الْعُقُول لَهُ ثمَّ لَا يسوغ إِطْلَاق الإسم وَالْوَصْف وَالْإِضَافَة فِي ذَلِك من حَيْثُ حظرت الشَّرِيعَة مِنْهُ وَمن حَيْثُ لم يرد بِهِ سمع لقِيَام
[ ١٤٨ ]
الدّلَالَة على أَن هَذَا الْبَاب مَقْصُور على السّمع فَقَط وَلَا مجَال للعقول فِيهِ فَلذَلِك كَانَ إِطْلَاقه موقفا على مَا خصّه السّمع بِهِ دون مَا لم يرد بِهِ سمع وَهَذَا جَوَاب عَن سَائِر مَا يُمكن أَن يسْأَل عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب من ذكر تَخْصِيص بعض الْأَسْمَاء والإضافات إِلَى الله تَعَالَى دون بعض مَا يملكهُ ويفعله وكل من حاد عَن مثل هَذِه الطَّرِيقَة فِي هَذَا الْبَاب لم يجد فصلا بَين الْأَمريْنِ من جِهَة الْعُقُول فتفهمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١٤٩ ]