أعلم أَن قَوْله ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لم يقْصد بِهِ إِلَّا تَحْقِيق رُؤْيَة العيان لَا تَشْبِيه المرئ بالمرئ بل تَحْصِيل ذَلِك تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ
رؤيتكم الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة كرؤيتكم الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر
أَي كَمَا أَنكُمْ لَا تشكون لَيْلَة الْبَدْر فِي رُؤْيَة الْقَمَر أَنه هُوَ الْبَدْر وَلَا يتخالجكم
[ ٢١٩ ]
فِيهِ ريب وَظن كَذَلِك ترَوْنَ الله جلّ ذكره يَوْم الْقِيَامَة مُعَاينَة يحصل مَعهَا الْيَقِين بِأَن مَا تَرَوْنَهُ هُوَ المعبود الْإِلَه الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وحقق ذَلِك قَوْله لَا تضَامون فِي رُؤْيَته
فَأَما معنى قَوْله ﷺ لَا تضَامون فِي رُؤْيَته أَي لَا يَنْضَم بَعْضكُم إِلَى بعض كَمَا تنضمون فِي رُؤْيَة الْهلَال رَأس الشَّهْر بل تَرَوْنَهُ جهرة من غير تكلّف لطلب رُؤْيَته كَمَا ترَوْنَ الْبَدْر وَهُوَ الْقَمَر لَيْلَة الرَّابِع عشر إِذا عاينه المعاين جهرة لم يحْتَج إِلَى تكلّف فِي طلب رُؤْيَته ومعاينته
وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ لَا تضَارونَ أَي لَا يلحقكم الضَّرَر فِي رُؤْيَته بتكلف طلب كَمَا يلْحق الْمَشَقَّة والتعب فِي طلب رُؤْيَة مَا يخفي ويدق ويغمض وكل ذَلِك المعاينة وَأَنَّهَا صفة تزيد على الْعلم
وَكَذَلِكَ من روى تضَامون مخففا فَإِنَّمَا مُرَاده الضيم أَي لَا يلحقكم فِيهِ ضيم والضيم وَالضَّرَر وَاحِد فِي الْمَعْنى
[ ٢٢٠ ]
وَقد تأولت الْمُعْتَزلَة ذَلِك على معنى رُؤْيَة الْعلم وَأَن الْمُؤمنِينَ يعْرفُونَ الله يَوْم الْقِيَامَة ضَرُورَة وَهَذَا خطأ من قبل أَن الرُّؤْيَة إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم تعدت إِلَى مفعولين وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الْقَائِل رَأَيْت زيدا فَقِيها أَي عَلمته كَذَلِك
فَإِذا رَأَيْت زيدا مُنْطَلقًا فَلَا يفهم مِنْهُ إِلَّا رُؤْيَة الْبَصَر وَقد حقق ذَلِك أَيْضا بِمَا أكده بِهِ من تشبيهه بِرُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَتلك رُؤْيَة الْبَصَر لَا رؤيه علم
وعَلى أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يبشر الْمُؤمنِينَ من أَصْحَابه بذلك وَذَلِكَ يُوجب أَن يكون معنى يختصون بِهِ
وَأما الْعلم بِهِ فمشترك بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ يبطل معنى بشارته للْمُؤْمِنين بِالرُّؤْيَةِ وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة رُؤْيَة عيان
وَقد روى الْأَثْبَات مِنْهُم خُنَيْس عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة عيَانًا وَهَذَا يرفع الْإِشْكَال وَيمْنَع الإحتمال
لِأَن الرُّؤْيَة وَإِن كَانَت تسْتَعْمل فِي معنى الْعلم فَإِنَّهَا إِذا قرنت بِلَفْظ العيان لم يحْتَمل الْعلم وَذَلِكَ كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت زيدا مُعَاينَة وعيانا لَا يحْتَمل معنى الْعلم
كَمَا أَنه قَالَ رَأَيْت زيدا بقلبي لم يحْتَمل رُؤْيَة الْبَصَر
فَأَما مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر الآخر أَن الله جلّ ذكره ينزل كل يَوْم جُمُعَة لأهل الْجنَّة على كثيب من كافور فيكونون فِي الْقرب على قدر تبكيرهم إِلَى الْجُمُعَة أَلا فسارعوا إِلَى الْخيرَات فَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع
إِن هَذَا الْخَبَر مِمَّا تفرد بروايته الْمنْهَال بن عَمْرو وَهُوَ ضَعِيف جدا مَعَ أَنه إِن
[ ٢٢١ ]
صَحَّ وَقيل فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَن أهل الْجنَّة يرونه على مقادير أَوْقَات الدُّنْيَا بِحَسب أَعْمَالهم الْحَسَنَة ومسارعتهم فِيهَا وكل مَا قيل فِي ذَلِك من معنى أَيَّام الدُّنْيَا وأوقاتها فِيهَا كَقَوْلِه وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا فَذَلِك على تَقْدِير أَيَّام الدُّنْيَا وأوقاتها لَا أَن هُنَالك غدْوَة وعشيا أَو جُمُعَة أَو سبتا
فَأَما بروزه لأهل الْجنَّة فَذَلِك تجليه لَهُم وَهُوَ أَن يخلق لَهُم رُؤْيَة لَهُ تَعَالَى فهم على كثيب كافور
فَأَما معنى قربه مِنْهُم فَذَلِك رَاجع إِلَى الكرامات والمنزلة لَا إِلَى الْمَكَان والمسافة وَذَلِكَ متعالم مَشْهُور بَين النَّاس أَنهم يَقُولُونَ فلَان قريب من فلَان وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قرب الْمنزلَة لَا قرب الْمسَافَة وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله
من تقرب مني شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعا // أخرجه البُخَارِيّ //
أَي تقرب بِالطَّاعَةِ ضعفت لَهُ الثَّوَاب وزدته كَرَامَة
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لِلْفَاسِقِ فِي فسقه أَنه متباعد عَن الله يُرِيدُونَ بذلك التباعد من طَاعَته وعبادته وعَلى هَذَا الْمَعْنى يُقَال
إِن الْكَافِر بعيد عَن الله وَالْمُؤمن قريب من الله وَالله قريب من الْمُؤمنِينَ بعيد عَن الْكَافرين
وَمعنى ذَلِك قرب رَحمته وكرامته ولطفه وفضله من الْمُؤمنِينَ وَبعد جَمِيع ذَلِك من الْكَافِر
[ ٢٢٢ ]
فَأَما قرب الْمَكَان فَلَا يَلِيق بِوَصْف الله تَعَالَى وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾
وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾
إِن جَمِيع ذَلِك لَا يَخْلُو أَن يكون قربا بِالطَّاعَةِ من العَبْد أَو قربا بالكرامة وَإِظْهَار الرَّحْمَة من الله تَعَالَى
فعلى ذَلِك جَمِيع مَا يُوصف بِهِ الله عز ذكره من قربه من الْخلق ويوصف بِهِ العَبْد من قربه من الله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْبعد
[ ٢٢٣ ]