أعلم أَنه لَيْسَ شَيْء من هَذِه الْأَخْبَار مُخَالفا لما فِي الْكتاب وَكَيف وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك مَا يُؤَيّد مَا فِي الْكتاب وَهُوَ كنحو مَا رُوِيَ أَن أم حَبِيبَة قَالَت
اللَّهُمَّ متعني بِأبي ابي سُفْيَان وبأخي مُعَاوِيَة
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
لقد سَأَلت فِي آجال مَضْرُوبَة وأرزاق مقسومة وَلَا يُؤَخر مِنْهَا شَيْء // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق
إِن الله تَعَالَى يبْعَث ملك الْأَرْحَام فَيكْتب أجل الْمَوْلُود فِي بطن أمه ورزقه وشقاوته وسعادته // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَكَذَلِكَ روى ابْن عمر وَجَابِر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ فِي مثل هَذَا وَهَذِه أَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ قد جَاءَت مَجِيء كتاب الله إِن لكل نفس
[ ٣٠٥ ]
أجلهَا لَا يتَقَدَّم أجلهَا وَلَا يتَأَخَّر
فَأَما معنى الزِّيَادَة فِي الْعُمر فقد قَالَ بعض أهل الْعلم
إِن مَعْنَاهُ السعَة وَالزِّيَادَة فِي الرزق
وَقد قيل إِن الْفقر هُوَ الْمَوْت الْأَكْبَر
وَقَالَ بَعضهم إِن الله سُبْحَانَهُ أعلم مُوسَى ﵇ أَن يُمِيت عدوه ثمَّ رَآهُ بعد ينسج الخوص فَقَالَ يَا رب وَعَدتنِي أَن تميته قَالَ قد فعلت ذَلِك فَإِنِّي أفقرته وَقَالَ الشَّاعِر
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
(إِنَّمَا الْمَيِّت من يعِيش فَقِيرا كاسفا باله قَلِيل الرخَاء)
فَلَمَّا جَازَ أَن يُسمى الْفُقَرَاء موتا توسعا جَازَ أَن يُسمى الْغنى حَيَاة ويسميه ذُو مَادَّة فِي الْعُمر وَيُرِيد بذلك السعَة والرزق على طَرِيق الثَّوَاب والكرامة فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ قَائِل إِن معنى الزِّيَادَة فِي الْعُمر نفي الْآفَات عَنْهُم وَالزِّيَادَة فِي أفهامهم وعقولهم وبصائرهم وَلَيْسَ ذَلِك زِيَادَة فِي أَرْزَاقهم وَلَا فِي آجالهم لِأَن الْآجَال مُؤَجّلَة لَا زِيَادَة فِيهَا والأرزاق مقسومة لَا يُزَاد لأحد فِي رزقه وَلَا ينقص مِنْهُ شَيْء
[ ٣٠٦ ]
لِأَن الله تَعَالَى قد أخبر أَنه قسم الأرزاق بَين عباده فَقَالَ ﴿نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾
وَقَالَ فِي الْأَجَل ﴿لكل أمة أجل إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
وَلم يخبر عَن ذكره أَن غير الْأَجَل والرزق بِمَنْزِلَة الرزق وَالْأَجَل وَقد أخبر أَنه يزِيد من يَشَاء فِي فَضله وَلم يخبر أَنه يزِيد من يَشَاء فِي رزقه وَيُؤَخر من يَشَاء فِي عمره
وَقَالَ قَائِلُونَ إِن الله سُبْحَانَهُ كتب أجل عَبده مائَة سنة عِنْده وَيجْعَل تركيبه وهيأته وبنيته لتعميره ثَمَانِينَ سنة فَإِذا وصل رَحمَه زَاد الله فِي ذَلِك التَّرْكِيب وَفِي تِلْكَ البنية وَوصل ذَلِك النَّقْص فَعَاشَ عشْرين سنة أُخْرَى حَتَّى يبلغ مائَة وَهُوَ الْأَجَل الَّذِي لَا مستأخر عَنهُ وَلَا مستقدم فِيهِ
وَقَالَ قَائِلُونَ إِن معنى ذَلِك أَن يكون السَّابِق فِي الْمَعْلُوم أَنه إِذا وصل رَحمَه كَانَ عمره أَكثر مِنْهُ إِذا لم يصل فَيكون كُله مِمَّا سبق فِي الْعلم على الْحَد الَّذِي يحدث وَيُوجد فِي المستأنف فَإِن قيل فَمَا معنى قَوْله ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾
[ ٣٠٧ ]
قيل معنى ذَلِك لَا يعمر من معمر من ابْتِدَاء الْأَمر وَلَا ينقص من عمره عَن الآخر فِي الإبتداء الْأَجَل ذَلِك فِي كتاب قد أبين صِحَّته وَأظْهر قدره لَا أَنه يكون زَائِدا ثمَّ ينقص أَو نَاقِصا ثمَّ يزِيد لِأَن يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يكون الله ﷿ عَالما بالأشياء قبل كَونهَا على حسب مَا يكون وَلَا يجوز ذَلِك فِي وَصفه
فَعلم أَنه المُرَاد بِهِ تعريفنا أَن التَّفَاوُت الْوَاقِع بَين الْأَعْمَار فِي إختلاف مددها فِي الطول وَالْقصر وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان على ذَلِك فِي كتاب مُبين على حكم وَاحِد صدر عَن علم سَابق مُحِيط