أعلم أَن هَذَا الْخَبَر وَإِن لم يرجع بِشَيْء من أَلْفَاظه إِلَى مَا هُوَ صفة من صِفَات الله ﷿ فَإِن لَفظه مُشكل وَكَانَ الْقَائِل لَهُ مُؤمنا مغْفُور لَهُ فَوَجَبَ أَن توقف على مَعْنَاهُ ليزول الْإِشْكَال فَأَما معنى قَوْله ﷺ ﴿أضلّ الله﴾ أَي أنسيه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾
وَلما ذكره من قَوْله أَن تضل إِحْدَاهمَا أَي ينسى
وَفِي بعض الْوُجُوه فِي تَأْوِيل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ أَي نَاسِيا فذكرك
وَالْعرب تَقول ضللت كَذَا أَو أضللته أَي نَسِيته وَإِذا كَانَ ذَلِك بِمَعْنى الضلال هَهُنَا فمراده أَن الله تَعَالَى يميتني وَلَا يَبْعَثنِي فَأَسْتَرِيح من عَذَابه
وَالْعرب تَقول ضل المَاء فِي اللَّبن إِذا غَابَ فِيهِ وَلم يتَبَيَّن وَيكون تَحْقِيق معنى قَوْله لعَلي أضلّ الله اي لَعَلَّ الله لَا ينشرني وَلَا يَبْعَثنِي فَأَسْتَرِيح من عَذَابه وَهُوَ إِظْهَار الْجزع وَالْخَوْف والخشية على أبلغ مَا يكون فِي بَابه لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يعْتَقد قَائِله أَنه لَا يجوز أَن ينشر الله أحدا وَلَا شَيْئا أَو يُمكن أَن يفوتهُ شَيْء وَمثل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عمر أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ
اللَّهُمَّ فَإِن كنت كتبتني شقيا فأمحني وأكتبني سعيدا
[ ٢٩٧ ]
فَذكر أهل الْعلم أَن ذَلِك إِظْهَار غَايَة الْخَوْف والخشية حَتَّى يسْأَل مَا لَا يكون أَن لَو كَانَ مِمَّا لَا يكون حَتَّى لَا يفوتهُ التضرع بِكُل وَجه فِي طلب مَا يكون وَلَا يكون إِظْهَارًا لغاية الْخَوْف والخشية لَا تطلبا لما يعلم أَنه لَا يكون
وَأما معنى قَوْله لَئِن قدر على رَبِّي ليعذبني عذَابا عذبه أحدا فَلَا يَصح أَن يكون مَحْمُولا على معنى الْقُدْرَة لِأَن من توهم ذَلِك لم يكن مُؤمنا بِاللَّه ﷿ وَلَا عَارِفًا بِهِ وَإِنَّمَا ذَلِك على معنى قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة يُونُس ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾
وَذَلِكَ يرجع إِلَى معنى التَّقْدِير لَا إِلَى معنى الْقُدْرَة لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يخفى على نَبِي مَعْصُوم ذَلِك
وَقَالَ الْفراء فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي لن نقدر عَلَيْهِ مَا قَدرنَا كَمَا قَالَ أَبُو صَخْر الهمذاني
(وَلَا عَائِد ذَاك الزَّمَان الَّذِي مضى تَبَارَكت مَا تقدر يَقع وَلَك الشُّكْر)
أَرَادَ مَا تقدر يكون فعلى ذَلِك يحمل قَوْله ﵊ حِكَايَة
[ ٢٩٩ ]
لَئِن قدر عَليّ رَبِّي ليعذبني
أَي كَانَ قدره وَحكم عَليّ بالعقوبة فَإِنَّهُ يعاقبني دَائِما وَهَكَذَا كَلَام خَائِف جزع
وَلما قيل فِي الْخَبَر إِن الله تَعَالَى يغْفر لَهُ وَقد علم أَنه لَا يغْفر للْكَافِرِينَ وَجب أَن يحمل لَفظه على تَأْوِيل صَحِيح لَا يُنَافِي الْمعرفَة بِاللَّه وَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْكفْر وَإِذا حمل على ذَلِك مَا ذكرنَا بِأَن الْغَرَض وَبَان وَجه الْإِشْكَال فِيهِ فَاعْلَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٣٠٠ ]