إعلم أَن معنى قَوْله ﷺ إِن الله سُبْحَانَهُ قبل وَجهه يحْتَمل وُجُوهًا أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن ثَوَاب الله لهَذَا الْمُصَلِّي ينزل عَلَيْهِ من قبل وَجه هَذَا الْمُصَلِّي وَمثله قَوْله ﷺ
يَجِيء الْقُرْآن بَين يَدي صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة
[ ٢٦٣ ]
أَي يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَته الْقُرْآن
وَقد رُوِيَ أَيْضا فِي خبر أَنه قَالَ
من قَرَأَ ثلث الْقُرْآن أعطي ثلث النُّبُوَّة
وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه أعطي ثلث علم النُّبُوَّة
وَمثله أَيْضا قَوْله ﵊
من عَال ثَلَاث بَنَات كن لَهُ حِجَابا من النَّار
أَي كَانَ ثَوَاب ذَلِك حِجَابا لَهُ من النَّار // أخرجه أَبُو دَاوُود //
وَقَالَ حوثرة قدم مَكَّة عمر بن الْخطاب فَجعل يطوف فِي السكَك وَيَقُول
قموا أفنيتكم فَمر بِأبي سُفْيَان فَقَالَ لَهُ ذَلِك فَقَالَ نعم حَتَّى يَجِيء مهاننا يَعْنِي خدمنا وأحدها ماهن وَهُوَ الْخَادِم
قَالَ ثمَّ مر بِهِ بعد ذَلِك فَقَالَ ألم أقل لكم قموا أفنيتكم فَقَالَ نعم حَتَّى يَجِيء مهاننا قَالَ فعلاه بِالدرةِ فَخرجت هِنْد فَقَالَت أتضربه أما وَالله لرب يَوْم لَو ضَربته لأقشعرت بك بطن مَكَّة فَقَالَ صدقت وَلَكِن الله ﷿ رفع بِالْإِسْلَامِ أَقْوَامًا وَوضع بِهِ أَقْوَامًا
فقولها اقشعرت بك بطن مَكَّة أَي اقشعرت بك أهل بطن مَكَّة وَهَذَا لما
[ ٢٦٤ ]
ذكرنَا من قَول أهل اللُّغَة أَنهم يَقُولُونَ جَاءَت تَمِيم والأزد ويريدون أَبْنَاءَهُم وَيَقُولُونَ جَاءَت الْيَمَامَة ويريدون أَهلهَا وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب ظَاهِرَة فِي خطابها
فَيحْتَمل على هَذَا الْوَجْه أَن معنى قَوْله ﷺ
فَإِن الله قبل وَجهه إِذا صلى أَي ثَوَابه وكرامته
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون الْخَبَر على معنى التَّرْغِيب فِي إدمان الْخُشُوع فِي الصَّلَاة والحض عَلَيْهَا يُرِيد ﷺ بذلك أَن أولى الْأَشْيَاء بالمصلي أَن يكون يشْتَغل قلبه بِذكر الله وَذكر عَظمته وعزته وَقدرته وَيكون الْمَعْنى أَن عَظمَة الله وعزته يجب أَن تكون من تِلْقَاء وَجهه على معنى أَنه يجب أَن يكون شغله بهَا وبذكرها وتجديد إحضارها الْقلب عَن غَيره
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك ضربا من آدَاب الصَّلَاة علمه الْمُصَلِّي حَتَّى يكون فِي صلَاته متحرما بحرمتها مُعظما لأمرها وللجهة الَّتِي اسْتقْبل إِلَيْهَا خَاصَّة تَعْظِيمًا لأمر الله تَعَالَى فَكَذَلِك لَا يبصق قبل تِلْكَ الْجِهَة
وعَلى هَذَا يكون تَقْدِير قَوْله بِأَن الله قبل وَجهه أَي أَن أمره قد وَجه عَلَيْهِ من تَعْظِيم الْجِهَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا فَيجب أَن لَا يعدل عَنْهَا بِشَيْء من جسده وَلَا شَيْء من قلبه
فَأَما قَوْله ﷺ
لَا يزَال الله ﷾ مُقبلا على عَبده مَا لم يلْتَفت فِي الصَّلَاة
[ ٢٦٥ ]
فَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ أَنه لَا يزَال خَيره مُقبلا عَلَيْهِ كَمَا يَقُول الْقَائِل أَن الْأَمِير أقبل على فلَان إِذا قبله وقربه وأناله خيرا
وَقَوله فَإِذا صرف وَجهه إنصرف عَنهُ أَي إنصرف خَيره وثوابه بقول الْقَائِل أَن الْأَمِير صرف وَجهه عَن فلَان إِذا قطع خَيره عَنهُ وَلم يحسن إِلَيْهِ فِي المستأنف كَمَا أحسن إِلَيْهِ فِيمَا قبل وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل
(وَكُنَّا إِذا الْجَبَّار صعر خَدّه أَقَمْنَا لَهُ من ميله فتقوما)
أَي إِذا أمال بِأَن يقطع عطيته وَنَظره لَا أَنه يُرِيد بذلك الخد الْمَعْرُوف
وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ لَا يزَال توفيق الله للْعَبد ولطفه بِهِ وأصلا إِلَيْهِ مَا لم يعرض فَإِذا أعرض فقد أعرض الله عَنهُ بِفعل الْخَيْر وإعادة اللطف عَنهُ وَهُوَ معنى قَوْله إنصرف عَنهُ وَهَذَا كَمَا قَالَ الله ﷿ ﴿ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم﴾
وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَنه لما صرف الله قُلُوبهم عَن الْخَيْر بِقطع التَّوْفِيق واللطف إنصرفت قُلُوبهم عَن الْخَيْر وَهَذَا مَبْنِيّ على أصلنَا فِي أَنه لَا ينْصَرف أحد عَن الطَّاعَة إِلَّا بِصَرْف الله ﷿ وَذَلِكَ بِأَن لَا يفعل لَهُ تَوْفِيقًا يصل بِهِ إِلَى فعل الْخَيْر وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾
أَي لما زاغوا فِي علمي وحكمي أزغت قُلُوبهم لما أحدثتهم وخلقتهم
[ ٢٦٦ ]
وَأعلم أَن الَّذِي أوجب أَن يحمل التَّأْوِيل فِي ذَلِك على معنى مَا قُلْنَا إستحالة وصف الله تَعَالَى بالكون فِي وَجهه ومحاذاة ومقابلة لإستحالة كَونه جوهرا أَو جسما وَإِذا سوغت اللُّغَة هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي حملنَا عَلَيْهَا هَذَا الْكَلَام وَكَانَ مُفِيدا كَانَ حمله عَلَيْهِ أولى من وصف الله تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيق
[ ٢٦٧ ]