أعلم أَن الْوَطْأَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى مماسة بجارحة أَو بِبَعْض الْأَجْسَام لَا يَصح فِي وصف الله تَعَالَى لإستحالة كَونه جسما وإستحالة الممارسة عَلَيْهِ وإستحالة تَغْيِيره بِمَا يحدث فِيهِ من الْحَوَادِث وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ مَحْمُولا مَعْنَاهُ على مَا تقدم ذكره فِي أَن ذَلِك يرجع إِلَى الْفِعْل دون أَن يكون معنى يتَعَلَّق بِالذَّاتِ مِمَّا يَقْتَضِي حُدُوث معنى فِيهَا
وَمعنى الحَدِيث على هَذَا التَّأْوِيل أَن آخر مَا أوقع الله سُبْحَانَهُ بالمشركين بِالطَّائِف وَكَانَ آخر غَزْوَة غَزَاهَا النَّبِي ﷺ حنين وَادي الطَّائِف وَوَج اسْم مَوضِع فِيهِ وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يذهب فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث إِلَى نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ وَيَقُول إِن ذَلِك مثل قَوْله ﷺ
اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف // أخرجه البُخَارِيّ //
فتتابع الْقَحْط عَلَيْهِم سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا الْقد وَالْعِظَام
وَالْعرب تَقول فِي كَلَامهَا اشتدت وَطْأَة السُّلْطَان على رَعيته وَلَيْسَ
[ ٢٧٩ ]
يُرِيدُونَ وَطْء الْقدَم
وَكَذَلِكَ يُقَال وطئهم السُّلْطَان وطأ ثقيلا وَيُقَال وَطْأَة الْمُقَيد إِذا أَرَادوا وصف الْوَطْأَة بالثقل وَكَذَلِكَ قَالَ قَائِلهمْ ﴿ووطئتنا وطأ على حنق وَطْء الْمُقَيد يَابِس الْهَرم﴾
والمقيد أثقل شَيْء وطأ لِأَنَّهُ يرسف فِي قيوده فَيَضَع رجلَيْهِ مَعًا ويروى نابت الْهَرم وَهُوَ نبت ضَعِيف فَإِذا وَطئه الْمُقَيد فتته
وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْكَلَام سائغا وَفِي الْعَرَب جَائِزا وَجب أَن يحمل عَلَيْهِ معنى الْخَبَر لإستحالة وصف الله تَعَالَى بالجوارح والممارسة
[ ٢٨٠ ]