أعلم أَن بعض أهل الْعلم يذهب فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث إِلَى أَن ذَلِك اهتزاز الْعَرْش على الْحَقِيقَة وَأَن الْعَرْش تحرّك على الْحَقِيقَة لمَوْت سعد ولسنا ننكر هَذَا التَّأْوِيل لأجل أَن الْعَرْش يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة وَلكنه تبطل فَائِدَته
وتأوله بَعضهم على أَن الْعَرْش هَا هُنَا السرير الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سعد وَهَذَا أَيْضا يبطل فَائِدَة الْخَبَر وَإِنَّمَا أفيد بِهَذَا الْخَبَر فَضله لسعد وَلَا فَضِيلَة لَهُ فِي تحرّك سَرِيره
وَالصَّحِيح من التَّأْوِيل فِي ذَلِك أَن يُقَال الإهتزاز هُوَ الإستبشار وَالسُّرُور يُقَال إِن فلَانا يستبشر للمعروف ويهتز لَهُ وَمِنْه قيل فِي الْمثل إِن فلَانا إِذا دعِي اهتز وَإِذا سُئِلَ ارتز وَالْكَلَام لأبي الْأسود الدؤَلِي
وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه إِذا دعِي إِلَى الطَّعَام يَأْكُلهُ ارْتَاحَ لَهُ واستبشر وَإِذا دعِي إِلَى
[ ٢٨١ ]
حَاجَة ارتز أَي تقبض وَلم ينْطَلق وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(وتأخذه عِنْد المكارم هزة كَمَا اهتز تَحت البارح الْغُصْن الرطب)
فَمَعْنَى الإهتزاز فِي الحَدِيث الإستبشار وَالسُّرُور وَأما الْعَرْش فعرش الرَّحْمَن على مَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن حَملَة الْعَرْش الَّذين يحملونه ويطوفون حوله فرحوا بقدوم روح سعد عَلَيْهِم فَأَقَامَ الْعَرْش مقَام من يحملهُ وَيَطوف بِهِ من الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَا بَكت عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض﴾
يرد أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض
وكما قَالَ ﷺ فِي أحد
هَذَا جبل يحبنا ونحبه
يُرِيد يحبنا أَهله يَعْنِي الْأَنْصَار ونحب أَهله
وَقد جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَلَائِكَة يستبشرون بأرواح الْمُؤمنِينَ وَأَن لَك مُؤمن بَابا من السَّمَاء يصعد فِيهِ عمله وَينزل مِنْهُ رزقه وتعرج مِنْهُ روحه إِذا مَاتَ فَكَأَن حَملَة الْعَرْش من الْمَلَائِكَة يفرحون ويستبشرون بقدوم روح سعد بن
[ ٢٨٢ ]
معَاذ عَلَيْهِم لكرمه عَنهُ الله وَحسن عمل صَاحبه
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر لَيْسَ مِمَّا يرجع شَيْء مِنْهُ إِلَى صِفَات الله تَعَالَى وَلكنه مُشكل اللَّفْظ فَدخل فِي جملَة مَا ضمنا تَأْوِيله وَتَفْسِيره من مشكلات الْأَخْبَار