روى يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄
أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أَن يخوف أهل الأَرْض أبدى عَن بعضه وَإِذا أَرَادَ أَن يدمر عَلَيْهِم تجلى لَهَا
أعلم أَنه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله أبدى عَن بعضه أَي عَن بعض آيَاته وعلاماته مِمَّا تكون منذرة ومخوفة ومحذرة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾
وَقَوله وَإِذا أَرَادَ أَن يدمر عَلَيْهِم تجلى لَهَا يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه أَرَادَ أَن يُهْلِكهُمْ ويستأصلهم فأظهر من الْآيَات أَكثر مِمَّا أظهرها فِي الأولى حَتَّى لَا يسْتَقرّ قُلُوبهم عَلَيْهَا وَقد بَينا فِيمَا قبل معنى التجلي وَأَن ذَلِك يَنْقَسِم إِلَى وَجْهَيْن
فَتَارَة يكون تجليا بِالذَّاتِ كَمَا تجلى للجبل بِأَن أرى نَفسه الْجَبَل فتدكدك
[ ٢٥٤ ]
وتقطع
وَتارَة يتجلى بأفعاله لخلقه بِأَن يظْهر آيَاته الناقضة للعادات وعلاماته المزعجة للقلوب والأنفس فيسمى إِظْهَاره لذَلِك تجليا وَذَلِكَ سَائِغ فِي اللُّغَة على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الْقَائِل
تجلى لنا بالمشرفية والقنا
يَعْنِي بِالسُّيُوفِ والرماح وَأَرَادَ ظُهُور الْقَوْم بِالْحَرْبِ عَلَيْهِم وَفِيهِمْ
وَأما معنى التجلي فَهُوَ الظُّهُور وَلذَلِك تَقول جلوت الْعَرُوس إِذا أظهرتها وأبرزتها وَمِنْه قَول الْقَائِل
(فَإِن الْحق مقطعه ثَلَاث يَمِين أَو نفاد أَو جلاء)
أَي ظهرو وبروز وَمِنْه الإنجلاء عَن الأوطان بالظهور مِنْهَا وَالْخُرُوج
وَإِذا كَانَ هَذَا سائغا فِي اللُّغَة كَانَ الْوَاجِب أَن يكون مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة وصف الله تَعَالَى بِالْكُلِّ وَالْبَعْض والجزء وَذكر الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ غَيره سَائِغ فِي اللُّغَة كَقَوْل الْقَائِل بَنو فلَان يطؤهم الطَّرِيق وَالْمرَاد أهل الطَّرِيق المارون فِيهَا
وَالْعرب تَقول إجتمعت الْيَمَامَة يُرِيدُونَ بذلك أَهلهَا
وَقَالَ الله ﷿ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَأَرَادَ أَهلهَا
وَإِذا سَاغَ ذَلِك كَانَ قَوْله أبدى عَن بعضه مَحْمُولا على هَذَا النَّحْو أَنه أبدى عَن بعض آيَاته وعلاماته من الْأَفْعَال المنذرة الخوفة
[ ٢٥٥ ]