مِمَّا فِيهِ ذكر الصُّورَة وَهُوَ مَا روى بعض الروَاة وَأَظنهُ ثَوْبَان مولى رَسُول الله ﷺ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الْبَلْخِي فِي تَخْرِيج هَذَا الحَدِيث
إِن هَذَا الحَدِيث أَولا مَعْلُول من طَرِيق الرِّوَايَة وَذَلِكَ أَنه رَوَاهُ أَبُو يحيى عَن أبي يزِيد عَن أبي سَلام وَأَبُو يحيى ضَعِيف قَالَ
وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ احْتمل أَن يكون أُرِيد بِهِ أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون الْفَاء بِمَعْنى الْبَاء وعَلى هَذَا قد روى ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
مَعْنَاهُ بظلل من الْغَمَام يَعْنِي تَعْجِيل الْعقُوبَة لَهُم
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة فَيمكن أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ
إِن الله ﷿ أرَاهُ ملكا من الْمَلَائِكَة فِي أحسن صُورَة وَيكون قَوْله
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة مَحْمُولا على أَن الْمَعْنى أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون تَأْوِيل الْإِتْيَان بِهِ فعله بِهِ وإظهاره لَهُ حَتَّى رَآهُ
وَنَظِير ذَلِك قَوْله تَعَالَى
[ ٧٧ ]
﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾
ذَلِك بِإِظْهَار فعل واتخاذ تَدْبِير لَا على معنى نقلة وتحول
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع
وَيحْتَمل تَأْوِيلا آخر وَهُوَ يَعْنِي أَتَانِي رَبِّي فِي الصُّورَة مُدبرا لَهَا وَالصُّورَة ملك وَالله ﷿ فِيهَا بِمَعْنى التَّدْبِير لَهَا
وَاعْلَم أَن هَذَا أَيْضا غلط من مُحَمَّد بن شُجَاع وَإِنَّمَا تَأَول ذَلِك على مذْهبه فِي قَوْله إِن الله ﷿ فِي كل مَكَان على معنى أَنه مُدبر لكل مَكَان
وَنحن نأبى هَذَا القَوْل ونحيد أَن يُقَال إِن الله ﷿ ثَنَاؤُهُ فِي كل مَكَان هَل معنى أَنه مُدبر لَهُ فَلَا يسوغ على أصلنَا هَذَا التَّأْوِيل من الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا
فَأَما أَحَادِيث ابْن عَبَّاس فَفِي بَعْضهَا زيادات أَلْفَاظ يَقْتَضِي تَأْوِيلا وتخريجا وَذَلِكَ أَن فِي بعض أَخْبَار ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﵊ قَالَ
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد
فَقلت لبيْك وَسَعْديك
قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى
[ ٧٨ ]
قلت رَبِّي لَا أَدْرِي
قَالَ فَوضع يَده بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثديي فَعلمت مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب ثمَّ قَالَ
يَا مُحَمَّد فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى
قلت رَبِّي لَا أَدْرِي
قَالَ فِي الْكَفَّارَات وَالْمَشْي على الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وإسباغ الْوضُوء فِي الشتوات وإنتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة فَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه
وَاعْلَم أَن الَّذِي يَقْتَضِي التَّأْوِيل من هَذَا الْخَبَر قَوْله ﷺ فَوضع كَفه بَين كَتِفي وَقد رُوِيَ كنفي
فَأَما تَأْوِيل الْكَفّ فقد تَأَوَّلَه النَّاس على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون بِمَعْنى الْقُدْرَة كَمَا قَالَ الْقَائِل
(هون عَلَيْك فَإِن الْأُمُور بكف الْإِلَه مقاديرها)
يَعْنِي فِي قدرته تقديرها تدبيرها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون المُرَاد بالكف وَالنعْمَة والْمنَّة وَالرَّحْمَة وَقد اسْتعْملت الْعَرَب لفظ الْيَد والإصبع والكف فِي معنى النِّعْمَة وَذَلِكَ سَائِغ كثيرا فِي اللُّغَة وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ
[ ٧٩ ]
لفُلَان عِنْدِي أصْبع حسن ولي عِنْد فلَان يَد بَيْضَاء أَي منَّة كَامِلَة فَيكون اسْتِعْمَال الْكَفّ على معنى الْيَد إِذْ كَانَ بِمَعْنى النِّعْمَة فعلى هَذَا يكون تَأْوِيل الْخَبَر
الْأَخْبَار عَن نعْمَة الله ﷿ وفضله ولطفه وإقباله عَلَيْهِ بِأَن شرح صَدره وَنور قلبه وعرفه مَا لم يعرف وَعلم مَا لم يعلم
وَإِذا قُلْنَا إِن المُرَاد بِهِ الْقُدْرَة احْتمل أَن يكون الْمَعْنى إعترافه بِالْعَجزِ وَإِقْرَاره بقدرة الله على مَا فعل بِهِ من اللطف والعطف حَتَّى عرف كثيرا مِمَّا لم يعرفهُ
وَأما قَوْله بَين كنفي فَإِن كَانَ صَحِيحا فَالْمُرَاد بِهِ مَا أوصل إِلَى قلبه من لطفه وبره وزوائده وفوائده لِأَن الْقلب بَين الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ مَحل الْأَنْوَار والعلوم والمعارف
وَقد رُوِيَ بَين كنفي وَالْمرَاد بذلك مَا يُقَال فِي قَول الْقَائِل
أَنا فِي كنف فلَان وَفِي جَانِبه وفنائه إِذا أَرَادَ بذلك أَنه فِي ظلّ نعْمَته وَرَحمته فَكَأَنَّهُ قَالَ
[ ٨٠ ]
أفادني الرب تَعَالَى من رَحمته وإنعامه بِملكه وَقدرته حَتَّى علمت مَا لم اعلمه
وَأما قَوْله فَوجدت بردهَا فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك برد النِّعْمَة بِمَعْنى روحها وأثرها من قَوْلهم عَيْش بَارِد إِذا كَانَ رغدا فِي رفاهية وسعة وَالَّذِي يدل على أَن تِلْكَ الْفَوَائِد زَوَائِد معارف قَوْله على إِثْر ذَلِك
فَعلمت مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب لما نور قلبه وَشرح صَدره فَكَانَ ذَلِك بِإِظْهَار آثاره وتدبيره عَن رَحمته فِيهِ
وَإِنَّمَا حملناه على ذَلِك لإستحالة وصف الله تَعَالَى بالجوارح والآلة وَذَلِكَ لإستحالة أَن يكون ذَا بعض وعضو وَهَذَا هُوَ ثَمَرَة تَوْحِيد ذَاته وَوُقُوع الْمعرفَة بِكَوْن ذَاته شَيْئا وَاحِدًا
وَأما مَا روى ثَوْبَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر بعد قَوْله فَوضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله فِي صَدْرِي فَإِن تَأْوِيل الأنامل على معنى تَأْوِيل الْأَصَابِع
[ ٨١ ]
وَقد انْتَشَر فِي كَلَام أهل اللُّغَة لفُلَان على فلَان أصْبع حسن
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة
إِن الْعَرَب تَقول لفُلَان على سَابِقَة أُنْمُلَة أَي أصْبع حسن وَفِي نُسْخَة تَقول الْعَرَب لفُلَان على إبِله أصْبع حسن إِذا اسمنها وَأحسن إِلَيْهَا قَالَ الشَّاعِر ﴿ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ عَلَيْهَا إِذا مَا اجدب النَّاس اصبعا﴾
آي أثرا حسنا
وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يكون تَأْوِيل الْخَبَر حَتَّى وجدت آثَار إحسانه وإمتنانه وَرَحمته فِي صَدْرِي فتجلى لَهُ عِنْد ذَلِك علم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض برحمة الله وَفضل نعْمَته وسوقه الْخَيْر إِلَيْهِ فِي ذَلِك
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة وَلَا يجوز وصف الله تَعَالَى بالجوارح والأبعاض كَانَ طَرِيق التَّأْوِيل فِيهِ مَا ذكرنَا
فَأَما مَا ذكر فِي هَذَا الْخَبَر من قَوْله ﵊ مجيبا لرَبه ﷿ لما قَالَ لَهُ
[ ٨٢ ]
فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى فَقَالَ لَا أَدْرِي فَوضع كَفه بَين كَتِفي إِلَى أَن ذكر فَعلمت مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ثمَّ قَالَ ﵊
فَقَالَ لي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت لَا أَدْرِي بعد قَوْله فَعلمت مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَوجه ذَلِك مَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من قَوْله ﷿
﴿يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾
فَيكون ذَلِك مِنْهُ أَو مِنْهُم على ترك التعالم عَلَيْهِ وَأَن يكون مُسْتَعْملا للأدب بِحَضْرَة من هُوَ أعلم مِنْهُ لِأَن الْوَاجِب من عَادَة ذَلِك حِين لَا يَدعِي الْعلم عِنْد من هُوَ أعلم مِنْهُ بِهِ وَعند من علمه ذَلِك الْعلم
وَيحْتَمل أَن يكون قد علم مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب بِأَن أرِي ذَلِك كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه قَالَ ﷺ
زويت لي الأَرْض فَأريت مشارقها وَمَغَارِبهَا
وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِالْعلمِ بِأَحْكَام الْعِبَادَات وَمَا عَلَيْهَا من وُجُوه الثَّوَاب والكرامات جَزَاء على الطَّاعَات وَهُوَ الَّذِي كشف عَنهُ عز ذكره لَهُ ﵊ بَعْدَمَا قَالَ لَا أَدْرِي
وَإِن حمل على ذَلِك لم يتناقض الْكَلَام وَصَحَّ الْجمع بَينهمَا على التَّرْتِيب الَّذِي رتبناه
[ ٨٣ ]