وَنَظِير هَذَا الْخَبَر فِي بَاب السُّؤَال عَن الْمَكَان مَا رُوِيَ أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق السَّمَاء
فَقَالَ ﷺ كَانَ فِي عماء مَا تَحْتَهُ هَوَاء وَمَا فَوْقه هَوَاء
فَفِي هَذَا الْخَبَر إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَيْن الله
وَهَذَا أقرب من أَن يكون سؤالا عَن الْمَكَان على أَن قَوْله ﷺ فِي عماء يحْتَمل أَن يكون فِي بِمَعْنى فَوق كَمَا قَالَ الله ﷿ ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ أَي على الأَرْض
وكما قيل فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ أَنه أَرَادَ من فَوْقهَا
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على وَجْهَيْن
أَحدهمَا بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يُقَال فِي عماء مَمْدُود والعماء فِي اللُّغَة هُوَ السَّحَاب الرَّقِيق وَرُوِيَ مَقْصُورا وَهُوَ أَن يُقَال فِي عَمَّا
[ ١٦٨ ]
فَإِذا رُوِيَ مَقْصُورا احْتمل أَن يكون الْمَعْنى أَنه كَانَ وَحده وَلم يكن سواهُ فَشبه الْعَدَم بالعمى توسعا لإستحالة أَن يرى مَا هُوَ عدم كَمَا يَسْتَحِيل أَن يرى بالعمى فَكَأَنَّهُ قَالَ
أَنه لم يكن شَيْء سواهُ وَلَا فَوق وَلَا تَحت وَلَا هَوَاء
فَإِذا قيل إِنَّه كَانَ فِي عماء بِالْمدِّ كَانَ سَبِيل تَأْوِيله على نَحْو مَا تأولنا عَلَيْهِ قَوْله جلّ وَعلا ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالتَّدْبِير والمفارقة لَهُ بالنعت وَالصّفة دون التحيز فِي الْمَكَان وَالْمحل والجهة
وَإِذا احْتمل مَا قُلْنَا وَلم يكن اللَّفْظ مِمَّا يخص معنى وَاحِدًا كَانَ جملَة على مَا قُلْنَاهُ أولى لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيه والتعطيل وتحديد مَا لَا يجوز أَن يكون محدودا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١٦٩ ]