وَهُوَ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن أهل النَّقْل
روى قَتَادَة عَن أنس وَابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن جَهَنَّم لن تمتلئ حَتَّى يضع الْجَبَّار قدمه فِيهَا فَتَقول قطّ قطّ // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
[ ١٢٥ ]
وَقد رُوِيَ من وَجه غير ثَابت عَن أهل النَّقْل حَتَّى يضع الْجَبَّار رجله فِيهَا فتنزوي فَيَقُول قطّ قطّ
أعلم أَن هَذَا الْخَبَر مِمَّا طلب أهل الْعلم قَدِيما وحديثا تَأْوِيله وتخريجه بِحسن طَرِيقه وَصِحَّة سَنَده وَقد حمل كل فريق مِنْهُم ذَلِك على تَأْوِيل رَأَوْهُ صَوَابا فَمن ذَلِك مَا يحْكى عَن الْفضل بن شمبل أَنه كَانَ يَقُول
إِن معنى الْقدَم هَا هُنَا هم الْكفَّار الَّذِي سبق فِي علم الله تَعَالَى أَنهم من أهل النَّار
وَحمل معنى الْقدَم على أَنه هُوَ الْمُتَقَدّم لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْمُتَقَدّم قدم وَقدم وعَلى ذَلِك تَأْوِيل المتأولون قَوْله ﷿
﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾
أَي سَابِقَة صدق
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي
الْقدَم هُوَ الْمُتَقَدّم فِي الشّرف وَالْفضل خُصُوصا والقدم هُوَ الْمُتَقَدّم وَإِن لم يكن فِيهِ شرف
[ ١٢٦ ]
وَقَالَ وضاح الْيَمين
(صل لِرَبِّك وَاتخذ قدما ينجيك يَوْم العثار والزلل)
الصَّوَاب صل لمولاك أَرَادَ بذلك معنى من الْفضل يتَقَدَّم ربه
وَقَالَ آخر
(فقدت بِهِ قدم الفخار فَأَصْبَحت أنسا بِهِ منقضة من حالق )
أَرَادَ بذلك مَا تقدم من الشّرف وَمَا يفتخر بِهِ أَنه عدم ذَلِك وفقده
وَقَالَ العجاج
(ذل بَنو الْعَوام عَن آل الحكم وَنَشَأ الْملك بِملك ذِي قدم) أَي مُتَقَدم فِي الشّرف وَالْملك
وَقَالَ بَعضهم الْقدَم خلق من خلق الله يخلقه يَوْم الْقِيَامَة فيسميه قدما ويضيفه إِلَيْهِ من طَرِيق الْفِعْل وَالْملك يَضَعهُ فِي النَّار فتمتلئ مِنْهُ
وَقَالَ بَعضهم إِن المُرَاد هَا هُنَا قدم بعض خلقه فأضيف إِلَيْهِ كَمَا يُقَال ضرب الْأَمِير اللص فيضاف الضَّرْب إِلَيْهِ على معنى أَنه من أمره وَحكمه
[ ١٢٧ ]
وَقَالَ بَعضهم إِن الْجَبَّار هَا هُنَا يحْتَمل أَن يكون أُرِيد بِهِ الْمَوْصُوف بالتجبر من الْخلق لِأَن ذَلِك من الْأَوْصَاف الْمُشْتَركَة وَلَيْسَت هِيَ من الْأَوْصَاف الْخَاصَّة لله تَعَالَى وَذَلِكَ من وصف الْكفَّار أَلا تسمع قَوْله ﷿
﴿كل جَبَّار عنيد﴾
فِي وصف الْكفَّار
فَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يُرِيد بقوله الْجَبَّار جِنْسا من الجبارين وهم الْكَفَرَة المعاندون أَرَادَ يعرفنا إمتلاء النَّار بهم وَإِن جَهَنَّم لن تمتلئ إِلَّا بهم
وَقَالَ بَعضهم الْجَبَّار هَهُنَا إِبْلِيس وشيعته ذَلِك أَنه أول من استكبر على الله سُبْحَانَهُ فِي وَصفه
﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾
[ ١٢٨ ]
والتجبر والإستكبار بِمَعْنى وَاحِد وجهنم تمتلئ بِهِ وبشيعته وَأَتْبَاعه وَلَا يُنكر وَصفهم بالجوارح والأعضاء وَإِذا احْتمل لفظ الْقدَم هَذِه الْمعَانِي فَكَذَلِك يحْتَمل لفظ الْجَبَّار أَن يُرَاد بِهِ غير الله ﷿ من المتجبرين لم يكن لحمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه ﷿ من إِضَافَة الْجَوَارِح والأبعاض إِلَيْهِ
وفأما من روى هَذَا الحَدِيث على لفظ الرجل فقد قُلْنَا إِن هَذَا غير ثَابت عِنْد أهل النَّقْل وَإِن ثَبت فَمَعْنَاه لَا يَخْلُو من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا
أما أَن يُرِيد بِهِ رجل بعض خلقه وأضيف إِلَيْهِ ملكا وفعلا أَو يُرَاد بِهِ رجل
[ ١٢٩ ]
المتجبر المتكبر من خلقه أما أَوَّلهمْ وَهُوَ إِبْلِيس أَو من بعده من أَتْبَاعه
وَقيل أَيْضا إِن الرجل فِي اللُّغَة يُقَال للْجَمَاعَة الْكَبِيرَة تَشْبِيها بِرَجُل الْجَرَاد لِأَن الْعَرَب تَقول
مر بِنَا رجل من جَراد أَي قِطْعَة مِنْهُ فَيكون معنى الْخَبَر حَتَّى يدخلهَا خلق كَثِيرُونَ ويشبهون من الْكَثْرَة الْجَمَاعَات بِرَجُل الْجَرَاد وَفِي ذَلِك أنْشد قَول الْقَائِل
مَتى انزوى إِلَيْهِم من الْحَيّ اليمانين أرجل
أَي جماعات كَثِيرَة
وَإِذا كَانَ هَذَا مَعْرُوفا فِي اللُّغَة فَحمل الْخَبَر على مثله أهْدى إِلَى الْحق وَأولى فِي وصف الرب الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَأما قَوْله تَقول قطّ قطّ أَي حسبي كَمَا يَقُول الْعَرَب
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَيُقَال أَيْضا إِن ذَلِك حِكَايَة صَوت جَهَنَّم
[ ١٣٠ ]
وَقد رُوِيَ فِي نَحْو ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
كَثَافَة جلد الْكَافِر فِي النَّار تبلغ أَرْبَعِينَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار
وَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن لفظ الْجَبَّار لَيْسَ مِمَّا لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي صفة الله ﷿ لِأَن المُرَاد بالجبار هَهُنَا الْمَوْصُوف بطول الذِّرَاع وَعظم الْجَسَد وَالْعرب تَقول نَخْلَة جبارَة إِذا كَانَت طَوِيلَة يفوت الْيَد طولهَا وَكَذَا قَالَ ﷿
﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار﴾
وَإِذا كَانَ لفظ الْجَبَّار مُحْتملا لما قُلْنَا وَلَا يسوغ وصف الله سُبْحَانَهُ بالأبعاض والأجزاء وَكَانَ حملنَا لَهُ على ذَلِك يُفِيد فَائِدَة متجددة لم يكن لحمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَجه من توهم الْجَارِحَة والأداة والعضو والآلات فِي صفته
[ ١٣١ ]