وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما قضى خلقه إستلقى وَوضع أحدى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ قَالَ
لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يفعل مثل هَذَا
وأكدوا ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن كَعْب أَنه نهى الْأَشْعَث بن قيس أَن يضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَقَالَ إِنَّهَا جلْسَة الرب تَعَالَى
تَأْوِيل ذَلِك أعلم أَن قَوْله لما قضى خلقه أَي لما أتم خلقه مَا أَرَادَ أَن يخلق من السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا وَمثله فِي اللُّغَة قضى فلَان دينه وَصلَاته أَي أَدَّاهُ وَمثله قَوْله تَعَالَى
﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ أَي خَلقهنَّ
وَقَوله ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ أَي فرغ مِنْهَا وَأديت
وَأما قَوْله اسْتلْقى فقد تَأَول أهل الْعلم ذَلِك على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن الله ﷿ لما خلق مَا أَرَادَ أَن يخلق من السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا ترك أَن يخلق أمثالهم دَائِما أبدا وَلَو شَاءَ لأدام ذَلِك لِأَن هَذِه كلمة تسْتَعْمل فِي اللُّغَة وَالْعَادَة على هَذَا الْمَعْنى كثيرا وَيُقَال مثله لمن عمل
[ ١٢٠ ]
أعمالا ثمَّ ترك أَن يفعل مثلهَا ويديم ذَلِك وَإِذا قيل للْإنْسَان فعل وَوضع فَإِنَّهُ يكون بمعاناة وحركة وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِنَّمَا هَذَا كالمثل الْمَضْرُوب بَين النَّاس فَيُقَال بني فلَان دَاره وعجدها واستلقى على ظَهره وَإِن لم يكن قد اضْطجع على التَّمْثِيل بِمن كَانَ على هَيْئَة من يفرغ من عمله وَلم يرد أَن يفعل مثل مَا فعل
والتأويل الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ لما خلق الله مَا أَرَادَ أَن يخلقه من هَذِه الْجمل الَّتِي خلقهَا إستلقى على معنى ألْقى بَعْضهَا على بعض فَجعل السَّمَاء فَوق الأَرْض
﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾
وَجعل سَمَاء فَوق سَمَاء إِلَى الْعَرْش أطباقا بَعْضهَا فَوق بعض وَيكون دُخُول السِّين وَالتَّاء فِي القى هَا هُنَا على معنى قَول الْقَائِل إستدعى وإستبرأ وَنَحْوه إِذا أَرَادَ الدُّعَاء والبراءة فَلَمَّا خلق الله ﷿ مَا خلق وَأَرَادَ أَن يلقِي بعضه على بعض قيل لَهُ إستلقى على معنى ألْقى شَيْئا مِنْهُ على شَيْء وَهُوَ على الْهَيْئَة الْمَعْرُوفَة الْمُعْتَادَة
وَأما قَوْله ثمَّ وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى فَفِيهِ أَيْضا وَجْهَان من التَّأْوِيل
أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن الله ﷿ خلقهمْ فريقين وزوجين شقيا وسعيدا وغنيا وَفَقِيرًا وصحيحا وسقيما فَسمى كل صنف مِنْهَا رجلا ثمَّ وضع إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى مَعْنَاهُ أَنه رفع قوما على قوم فَجعل بَعضهم ملوكا وَبَعْضهمْ عبيدا وَبَعْضهمْ سادة للخير والمحنة
[ ١٢١ ]
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون الله تَعَالَى سمى الجماعتين رجلَيْنِ لِأَن الْعَرَب تسمى الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة رجلا وَلذَلِك يَقُولُونَ مر بِنَا رجل من جَراد أَي جمَاعَة كَثِيرَة
وَأما معنى النِّسْبَة إِلَيْهِ فَمن طَرِيق الْفِعْل وَالْملك كَمَا نسب روح آدم إِلَيْهِ
وَأما مَا رُوِيَ عَن كَعْب فِي نَهْيه الْأَشْعَث عَن وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى فقد قيل إِن كَعْبًا كَانَ يَأْخُذ الْعلم من الْكتب وَفِي الْكتب تَحْرِيف لما أخبرنَا الصَّادِق بِأَنَّهُم حرفوه وبدلوه على أَن كَعْبًا لم يقل أَيْضا أَي رب هُوَ وَذَلِكَ لفظ مُشْتَرك
وَيحْتَمل أَن يخرج ذَلِك أَيْضا على أَن مَعْنَاهُ إِن هَذَا جلْسَة الْجَبَابِرَة فزجروه عَن التَّشْبِيه بهم لِأَن الْعَرَب تَقول للمعظم الشَّأْن الرب وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَ الحكم بن عتيبة عَن أبي مجلز قَالَ
سَأَلته عَن الرجل يجلس وَيَضَع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى قَالَ لَا بَأْس إِنَّمَا كره ذَلِك أهل الْكتاب زَعَمُوا أَن الله سُبْحَانَهُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ إستوى على الْعَرْش يَوْم السبت فَجَلَسَ تِلْكَ الجلسة وَأنزل الله تَعَالَى
﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ وَبلغ الْحسن ذَلِك فَقَالَ
إِنَّمَا ذَلِك شَيْء كَانَت الْيَهُود تَقوله فَلَمَّا جَاءَ الْمُسلمُونَ أَنْكَرُوا ذَلِك
[ ١٢٢ ]
وروى الزُّهْرِيّ عَن عباد بن تَمِيم الْمَازِني عَن عَمه عبد الله بن زيد قَالَ
رَأَيْت رَسُول الله ﷺ مُسْتَلْقِيا فِي الْمَسْجِد وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر يفْعَلَانِ ذَلِك ﵄
[ ١٢٣ ]