مِمَّا ذكره النَّاس فِي هَذَا الْبَاب مِمَّا يدْخل فِي مَعْنَاهُ هُوَ مَا رُوِيَ عَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول لداود ﵇ يَوْم الْقِيَامَة
مر بَين يَدي فَيَقُول إِنِّي أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي فِي النَّار
فَيَقُول مر خَلْفي
فَيَقُول إِنِّي أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي
فَيَقُول خُذ بقدمي فَيَأْخُذ بقدمه فيمر
قَالَ فَتلك الزلفى الَّتِي قَالَ الله سُبْحَانَهُ
﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ ذكر تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَولا أَن عبيد بن عُمَيْر لَيْسَ بِحجَّة وَلَا هُوَ مِمَّن يجوز أَن يعْتَقد فِي الله أَنه مَحْدُود بقوله على أَنا نذْكر لكَلَامه وَجها صَحِيحا وتأويلا قَرِيبا فَنَقُول
[ ١٣٢ ]
يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله ﷿ لداود مر بَين يَدي أَي حاسب نَفسك قبل أَن أَسأَلك فَتكون محاسبتك لنَفسك أجدى عَلَيْك مِنْهَا قبل أَن أَسأَلك عَنْهَا وتصديق ذَلِك قَوْله عز ذكره
﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله﴾
أَي لَا تسبقوا قبل حكم الرَّحْمَن عَلَيْكُم فِي الشَّيْء فَكَذَلِك قَوْله لداود ﵇
مر بَين يَدي أَي خُذ فِي محاسبتك لنَفسك قبل مَسْأَلَتي لَك
فَيَقُول دَاوُد ﵇
أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي أَي إِذا حاسبت نَفسِي وَلم تصفح عني فِي محاسبتي لنَفْسي بِأَن تستر عَليّ وَتَعْفُو عني
وَكَذَلِكَ فِي خلف تَأْوِيله مثل ذَلِك لما قَالَ مر من خَلْفي فَقَالَ أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي إِنَّمَا أَخَاف أَن يَبْتَدِئ بمحاسبة نَفسه
فَقَالَ مَا تبدي بِالْمَسْأَلَة ليَكُون جوابك بعد مَا أَسأَلك فخاف مثل ذَلِك
فَقَالَ خُذ بقدمي أَي بِمَا قدمت لَك من الْعَفو والغفران وَالرَّحْمَة فقد صفحت عَنْك وغفرت لَك وَتقدم حكمي بذلك سَابق علمي
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن مثل هَذَا اللَّفْظ قد يسْتَعْمل فِيمَا لَيْسَ بمحدود أَيْضا وَلَا متناه وَلَا ذِي جوارح كَقَوْلِه ﷿
[ ١٣٣ ]
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾
وَلم يرد الأمكنه بل أَرَادَ فِيمَا تقدم من قَول الْكَافرين وَلَا الْبَاطِل الَّذِي يَأْتِي من بعده
وَقَوله خُذ بقدمي إِلَيْك كَمَا يُقَال فِيمَا بَيْننَا خُذ بإحساني إِلَيْك ودع مَا أَسَأْت إِلَيّ وَلَا تَأْخُذ بِهِ وَالَّذِي يُؤَيّد جَمِيع ذَلِك قَوْله فِي آخر الْقِصَّة فَتلك الزلفى قَالَ ﷿
﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾
يكْشف لَك عَن المُرَاد أَنه أُرِيد بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من تقدم الرَّحْمَة لَهُ لَا قدم جارحة على النَّحْو الَّذِي تأولنا عَلَيْهِ
قَوْله حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه
وَفسّر الْمُفَسِّرُونَ قَوْله إِن لَهُم قدم صدق إِن ذَلِك لَيْسَ يرجع إِلَى الْجَارِحَة والآلة وَإِذا احْتمل من طَريقَة الْعَرَبيَّة مَا ذكرنَا وَكَانَ مثله فِي الْخطاب مُسْتَعْملا وَالْعرْف فِيهِ جَارِيا كَانَ مَا حملناه عَلَيْهِ أولى مِمَّا يتوهمه المشبهون من إِثْبَات الْجَوَارِح والأبعاض لله تَعَالَى وَأولى مِمَّا ذهب إِلَيْهِ المعطلة من مبطلي هَذِه الْأَحَادِيث لما بَينا من الْفَوَائِد الَّتِي تتَعَلَّق بهَا مَا يشْهد بِمثلِهِ الْقُرْآن
[ ١٣٤ ]