وَهُوَ من الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عِنْد أهل النَّقْل وَذَلِكَ مِمَّا يتَعَلَّق بِذكر الْمَكَان وَقد رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ أَخْبَار سنذكرها أَولا فأولا فَمن ذَلِك
مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن جَارِيَة عرضت على رَسُول الله ﷺ مِمَّن أُرِيد عتقهَا فِي الْكَفَّارَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَهَا أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة
اعْلَم أَن الْكَلَام فِي ذَلِك من وَجْهَيْن
أَحدهمَا فِي تَأْوِيل قَوْله ﷺ أَيْن الله مَعَ إستحالة كَونه فِي مَكَان
وَالثَّانِي قَوْله أَنَّهَا مُؤمنَة من غير ظُهُور عمل مِنْهَا
فَأَما الْكَلَام فِيمَا يتَضَمَّن قَوْله ﷺ أَيْن الله فَإِن ظَاهر اللُّغَة تدل من لفظ أَيْن أَنَّهَا مَوْضُوعَة للسؤال عَن الْمَكَان ويستخبر بهَا عَن مَكَان المسؤول عَنهُ بأين إِذا قيل أَيْن هُوَ وَذَلِكَ أَن أهل اللُّغَة قَالُوا
[ ١٥٨ ]
لما ثقل على أهل اللِّسَان فِي الإستفهام عَن الْمَكَان أَن يَقُولُوا
أهوَ فِي الْبَيْت أم فِي الْمَسْجِد أم فِي السُّوق أم فِي بقْعَة كَذَا وَكَذَا وضعُوا لَفْظَة تجمع لجمع الْأَمْكِنَة يستفهمون بهَا عَن مَكَان المسؤول عَنهُ بأين وَهَذَا هُوَ أصل هَذِه الْكَلِمَة غير أَنهم قد استعملوها عَن مَكَان الْمَسْئُول عَنهُ فِي غير هَذَا الْمَعْنى توسعا أَيْضا تَشْبِيها بِمَا وضع لَهُ وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ
عِنْد استعلام منزلَة المستعلم عِنْد من يستعلمه أَيْن منزلَة فلَان مِنْك وَأَيْنَ فلَان من الْأَمِير واستعملوه فِي إستعلام الْفرق بَين الرتبتين بِأَن يَقُولُوا أَيْن فلَان من فلَان وَلَيْسَ يُرِيدُونَ الْمَكَان وَالْمحل من طَرِيق التجاوز فِي الْبِقَاع بل يُرِيدُونَ الإستفهام عَن التربة والمنزلة وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لفُلَان عِنْد فلَان مَكَان ومنزلة وَمَكَان فلَان فِي قلب فلَان حسن ويريدون بذلك الْمرتبَة والدرجة فِي التَّقْرِيب والتبعيد وَالْإِكْرَام والإهانة فَإِذا كَانَ ذَلِك مَشْهُورا فِي اللُّغَة احْتمل أَن يُقَال
إِن معنى قَوْله ﷺ
أَيْن الله استعلام لمنزلته وَقدره عِنْدهَا وَفِي قَلبهَا وأشارت إِلَى السَّمَاء ودلت بإشارتها على أَنه فِي السَّمَاء عِنْدهَا على قَول الْقَائِل
إِذا أَرَادَ أَن يخبر عَن رفْعَة وعلو منزلَة فلَان فِي السَّمَاء
أَي هُوَ رفيع الشَّأْن عَظِيم الْمِقْدَار
كَذَلِك قَوْلهَا فِي السَّمَاء على طَرِيق الْإِشَارَة إِلَيْهَا تَنْبِيها عَن مَحَله فِي قَلبهَا
[ ١٥٩ ]
ومعرفتها بِهِ
وَإِنَّمَا أشارت إِلَى السَّمَاء لِأَنَّهَا كَانَت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلَالَة الْعبارَة على نَحْو هَذَا الْمَعْنى وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يحمل على غَيره مِمَّا يَقْتَضِي الْحَد والتشبيه والتمكين فِي الْمَكَان والتكييف
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن الْقَائِل إِذا قَالَ
إِن الله فِي السَّمَاء وَيُرِيد بذلك أَنه فَوْقهَا من طَرِيق الصّفة لَا من طَرِيق الْجِهَة على نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ لم يُنكر ذَلِك
وَأما قَوْله ﵊ اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة فَيحْتَمل أَن يكون قد عرف إيمَانهَا بِوَحْي فَأخْبر بذلك عَن ظُهُور إشارتها الَّتِي هِيَ عَلامَة من عَلَامَات الْإِيمَان
وَيحْتَمل أَن يكون سَمَّاهَا مُؤمنَة على الظاره من حَالهَا وَأَن ذَلِك الْقدر يَكْفِي من الْمَطْلُوب من إِيمَان من يُرَاد عتقه وَأَنه لَا يعْتَبر بعد ذَلِك ظُهُور الْأَعْمَال وَالْوَفَاء
[ ١٦٠ ]
بالعبادات
[ ١٦١ ]