وَمِمَّا يشاكل هَذَا الْبَاب مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل أَيْضا أَلْفَاظ رويت فِي أَخْبَار مُخْتَلفَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
عجب ربكُم من شَاب لَيست لَهُ صبوة // رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد //
وَفِي خبر آخر عجب ربكُم من إياسكم وَقُنُوطِكُمْ // رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد //
وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء بل عجبت بِضَم التَّاء
وَرُوِيَ أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ
عجب رَبنَا من قوم يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
وَرُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ
ثَلَاثَة يعجب الله إِلَيْهِم
الْقَوْم إِذا اصطفوا للصَّلَاة وَالْقَوْم إِذا اصطفوا لقِتَال الْمُشْركين وَرجل يقوم إِلَى الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
[ ١٩١ ]
وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن رجلا نزل ضيفا بِرَجُل من الْأَنْصَار فَقَالَ لإمرأته
تعالي حَتَّى انطوى اللَّيْل لضيفنا فَإِذا وضعت الطَّعَام بَين يَدَيْهِ فاطفئي الْمِصْبَاح حَتَّى يَأْكُل وَحده قَالَ فَفعلت ذَلِك وغدوت على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﵊
لقد عجب الله من صنيعكما البارحة فَأنْزل الله ﷿ فيهمَا ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾
معنى ذَلِك أَن أصل التَّعَجُّب إِذا اسْتعْمل فِي أَحَدنَا فَالْمُرَاد أَن يدهمه أَمر يستعظمه مِمَّا لم يعلم وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ
وَإِذا قيل فِي صفة الله تَعَالَى عجب أَو يتعجب فَالْمُرَاد بِهِ أحد شَيْئَيْنِ
إِمَّا أَن يكون يُرَاد بِهِ أَنه مِمَّا عظم قدر ذَلِك وَكبر لِأَن المتعجب مُعظم لما يتعجب مِنْهُ وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ لما كَانَ عَالما بِمَا كَانَ وَيكون لم يلق بِهِ أحد الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَقْتَضِي اسْتِدْرَاك عَالم مَا لم يكن بِهِ عَالما فَبَقيَ أَمر التَّعْظِيم لَهُ وَالتَّكْبِير فِي الْقُلُوب عِنْد أَهله إِذا يُرَاد بذلك الرِّضَا وَالْقَبُول لأجل أَن من أعجبه الشَّيْء فقد رضيه وَقَبله وَلَا يَصح أَن يعجب مِمَّا يسخطه ويكرهه فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِي ﷺ تَعْظِيم أقدار هَذِه الْأَفْعَال فِي الْقُلُوب أخبر عَنْهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّعْظِيم حثا على فعلهَا وترغيبا فِي الْمُبَادرَة إِلَيْهَا
وَأما قَوْله تَعَالَى من قِرَاءَة من قَرَأَ بل عجبت بِضَم التَّاء فتأويله على أحد وَجْهَيْن
[ ١٩٢ ]
إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَنه جازاهم على عجبهم لما أخبر عَنْهُم أَنهم تعجبوا من الْحق لما جَاءَهُم ﴿هَذَا لشَيْء عُجاب﴾
وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب مَعْرُوفَة فِي تَسْمِيَة جَزَاء الشَّيْء بإسمه كَمَا قَالَ الْقَائِل
(أَلا لَا يجهلن أحد علينا فنجهل فَوق جهل الْجَاهِلين)
وكما قَالَ تَعَالَى ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾
وكما قَالَ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾
فَسمى الثَّانِي بإسمها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ النَّبِي وَطَرِيقَة ذَلِك على نَحْو مَا مضى بَيَانه قبل فِي أَنه يذكر وليه وخصيصة وَيكون الْخَبَر عَن نَفسه وَالْمرَاد بِهِ هُوَ كَمَا قيل مَرضت فَلم تعدني وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾
وَكَقَوْلِه
[ ١٩٣ ]
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهِرَة التَّشْبِيه
وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
لَا تسبو الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن
// أخرجه الإِمَام أَحْمد // وَرُوِيَ لفظ آخر وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ
إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن
وَرُوِيَ فِي خبر آخر أَنه قَالَ
هَذَا نفس رَبِّي أَجِدهُ بَين كَتِفي أَتَاكُم السَّاعَة
أعلم أَن النَّفس فِي كَلَام الْعَرَب يسْتَعْمل على معنى النَّفس وَيسْتَعْمل أَيْضا على معنى التَّنْفِيس فَهُوَ من قَوْلهم نفس منفوسة إِذا كَانَ مجوفا يتنفس يخرج مِنْهُ النَّفس شَيْئا بعد شَيْء وَلَيْسَ المُرَاد بِالْخَيرِ ذَلِك لإستحالة التنفس على الله ﷿ من قبل أَنه لَيْسَ بإجزاء متبعضة وَلَا أجسام متغيرة
وَكَيف يَدعِي الجسمية المشبهة إِن ذَلِك على معنى التنفس وَعِنْدهم أَن تَأْوِيل الصمت المصمد الَّذِي لَيْسَ بأجوف وَإِنَّمَا التنفس يَجِيء من أجوف فَإِذا لم يكن النَّفس بِمَعْنى التنفس فَهُوَ بِمَعْنى التَّنْفِيس وَذَلِكَ مَعْرُوف من قَوْلهم نفست عَن
[ ١٩٥ ]
فلَان أَي فرجت عَنهُ وَكلمت زيدا فِي التَّنْفِيس عَن غَرِيمه وَيُقَال نفس الله عَن فلَان كربه أَي فرج عَنهُ
وَفِي الْخَبَر من نفس عَن مكروب كربَة من الْمُؤمنِينَ نفس الله عَنهُ كربَة يَوْم الْقِيَامَة
فَأَما معنى قَوْله ﵊ الرّيح من نفس الرَّحْمَن فَمَعْنَاه على هَذَا الْوَجْه
أَن الرّيح مِمَّا يفرج الله ﷿ بهَا عَن المكروب والمغموم
وَقد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله سُبْحَانَهُ فرج عَن نبيه ﵊ بِالرِّيحِ يَوْم الْأَحْزَاب فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾
وَمن الْكَلَام المتداول فِي الْعرف وَالْعَادَة بل تدافع بَين أهل اللِّسَان قَوْلهم
اعْمَلْ وَأَنت فِي نفس من أَمرك
[ ١٩٦ ]
﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾
وَالْمعْنَى أَنهم اغضبوا أولياءنا وَقد أنكر منكرون هَذِه الْقِرَاءَة
قَالَ سُفْيَان قَرَأت عِنْد شُرَيْح بل عجبت فَقَالَ
إِن الله لَا يعجب من شىء إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم
قَالَ فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن شريحا شَاعِر يُعجبهُ علمه وعبد الله بن مَسْعُود أعلم مِنْهُ وَكَانَ يقْرَأ بل عجبت بِضَم التَّاء
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة إِن تَقْدِيره مَعْنَاهُ
قل يَا مُحَمَّد بل عجبت أَنا من قدرَة الله تَعَالَى فأضمر الْقُدْرَة لدلَالَة الْكَلَام وَمثله مَا قَالَ الشَّاعِر
(قد أَصبَحت أم الْخِيَار تدعى عَليّ ذَنْب كُله لم أصنع)
(لما رَأَيْت رَأْسِي كرأس الْأَقْرَع من اللَّيَالِي أبطيء وأسرعي)
أَرَادَ أَن يُقَال لَهَا لَا تبطىء وأسرعي فأضمر لدلاة الْكَلَام عَلَيْهِ
[ ١٩٤ ]
أَي وَأَنت فِي فسحة قبل الْهَرم وَالْمَرَض وَأَشْبَاه ذَلِك من الْحَوَادِث
وَالرِّيح مِمَّا يفرج بهَا الكرب وَمن نفس الرّيح أَنَّهَا إِذا ذهبت فِي الْبَلَد الْحَار والهواجر أذهبت الوباء وأطالت للْمُسَافِر السّير وَإِذا هبت فِي بعض الْأَوْقَات أنشأت السَّحَاب وَإِذا هبت فِي بَعْضهَا ألقحت الْأَشْجَار بِإِذن الله ﷿ وَذَلِكَ قَوْله عز ذكره ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾
وَكَانَت الْعَرَب تَقول
إِذا كثرت الرِّيَاح كثر الخصب وَالْخَيْر وَإِذا تنسم الرّيح عليل أَو محزون وجد لنسيمها خفَّة وفرجا مِمَّا يجد وينشدون فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر
(فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت على نَفسِي محزون تجلت همومها)
وَقَالَ بعض الْعَرَب
هجمت على بطن وَاد بَين جبلين فَمَا رَأَيْت وَاديا اخصب مِنْهُ وَإِذا وُجُوه أَهله بهيجة وألوانهم مصفرة فَقلت لَهُم
واديكم اخصب وَاد وَأَنْتُم لَا تشبهون أهل الخصب
فَقَالَ لي شيخ مِنْهُم لَيْسَ لنا ريح
وَهَذَا مِمَّا يبين أَن الله ﷿ جعل فِي مهب الرّيح نفسا على معنى التَّنْفِيس والتفريج عَن المكروب والهعوم الْمُشْتَملَة على الْقُلُوب وَقرن بمهب بَعْضهَا الْخَيْر
[ ١٩٧ ]
وَالصَّلَاح للأجساد والأبدان
فعلى هَذَا يتَأَوَّل قَوْله إِن الرّيح من نفس الرَّحْمَن
أَي هِيَ مِمَّا خلق الله فِيهَا التَّفْرِيج والتنفيس والترويح وَالْإِضَافَة من طرق الْفِعْل
وَالْمعْنَى أَن الله ﷿ جعلهَا كَذَلِك وَقرن التَّنْفِيس بهَا
وَأما قَوْله إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن
فَمَعْنَاه إِنِّي لأجد تفريج الله عني وتنفيسه عَن كربتي بنصرته إيَّايَ من قبل أهل الْيمن وَذَلِكَ لما نَصره الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار نفس الله عَن نبيه ﵊ مَا كَانَ فِيهِ من أَذَى الْمُشْركين وقتلهم الله على أَيدي الْمُهَاجِرين من أهل الْيمن وَالْأَنْصَار وَكَانَ ﷺ كثيرا مَا كَانَ يمدح أهل الْيمن وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ
الْإِيمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
وَأما قَوْله ﷺ
هَذَا نفس رَبِّي أَجِدهُ بَين كَتِفي أَتَاكُم السَّاعَة
فَمَعْنَاه أَن هَذَا هُوَ الَّذِي فرج الله رَبِّي عني بِمَا يوحيه إِلَيّ السَّاعَة فصرف بِهِ همومي وغمومي وكشف عَن قلبِي وستري عَن فُؤَادِي وَذَلِكَ مَا كَانَ يجده ﷺ فِي مُسْتَقْبل أوقاته من زَوَائِد روح الْيَقِين وفوائد التَّعْرِيف والألطاف الَّتِي يجدد الله لَهُ ﷺ فَسُمي ذَلِك نفس الرب لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي نفس عَنهُ وَالْإِضَافَة من طَرِيق الْملك وَالتَّدْبِير
[ ١٩٨ ]
وَإِذا احْتمل لفظ النَّفس والتنفيس والتنفس وَكَانَ التنفس من صِفَات الأجوف والأجوف لَا يكون إِلَّا أجساما متلاصقة وأجزاء ملتمة على وَجه مَخْصُوص وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَجب أَن يحمل على معنى التَّنْفِيس الَّذِي هُوَ التَّفْرِيج عَن الكروب والهموم فاعلمه إِن شَاءَ الله