روى أَبُو رَافع عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
يَقُول الله ﵎ يَوْم الْقِيَامَة
يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني
فَيَقُول أَي رب وَكَيف أعودك وَأَنت رب الْعَالمين
فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلم تعده
أما علمت أَنه لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده
يَا ابْن آدم استطعمتك فَلم تطعمني
قَالَ يَا رب وَكَيف أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين
قَالَ أما علمت أَنه استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه
أما علمت أَنَّك لَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي
يَا ابْن آدم استسقيتك فَلم تَسْقِنِي
قَالَ يَا رب كَيفَ أسقيك وَأَنت رب الْعَالمين
قَالَ استسقاك عَبدِي فلَان فَلم تسقه
أما إِنَّك لَو سقيته لوجدت ذَلِك عِنْدِي // أخرجه الإِمَام مُسلم //
[ ١٥٠ ]
وَاعْلَم أَن الَّذِي يجب أَن يبين من هَذَا الْخَبَر قَوْله
أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده
وَأما قَوْله مَرضت فقد فسره النَّبِي ﷺ وَبَين معنى ذَلِك إِشَارَة إِلَى مرض وليه فأضاف إِلَى نَفسه إِكْرَاما لوَلِيِّه ورفعا لقدره
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة فِي الْخطاب عَرَبِيَّة وعجمية وَذَلِكَ أَن يخبر السَّيِّد عَن نَفسه وَيُرِيد عَبده إِكْرَاما لَهُ وتعظيما حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ توهم من جلالته وَعظم مَنْزِلَته مساواته لَهُ فِي الْمنزلَة وَالْجَلالَة
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يحمل قَوْله تَعَالَى
﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم﴾
[ ١٥١ ]
وَمَا جرى هَذَا المجرى من الْآي وَالْأَخْبَار الَّتِي ذكر فِيهَا نَفسه وَأَرَادَ وأولياءه وأنبياءه وعَلى مثله يحمل قَوْله ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ أَي آسفوا أولياءنا وأغضبوا أنبياءنا والناصرين لديننا
وَلمن كَانَ عَلَيْهِ مُقيما لإستحالة أَن يغْضب الله تَعَالَى وَأَن يُؤْذِي ويحارب
وَأما قَوْله أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده مَعْنَاهُ أَي وجدت رَحْمَتي وفضلي وثوابي وكرامتي فِي عيادتك لَهُ وَهَذَا أَيْضا كَالْأولِ فِي بَاب أَنه ذكر الشَّيْء بأسمه وأيد غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة غير مستنكرة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْأولى أَن يحمل الْخَبَر عَلَيْهِ وعَلى مثله يتَأَوَّل قَوْله ﷿ ﴿وَوجد الله عِنْده﴾
على معنى أَنه وجد عِقَابه وحسابه فَذكر الله تَعَالَى وأضيف الْفِعْل إِلَيْهِ وَالْمرَاد فعله على النَّحْو الَّذِي بَيناهُ ونظائره فِي كَلَام الْعَرَب ومثاله أَيْضا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة
[ ١٥٢ ]
وَالسَّلَام فِي أحد
هَذَا جبل يحبنا ونحبه // أخرجه البُخَارِيّ //
وَمعنى ذَلِك أَهله أَي يحب الساكنون بفنائه والمقيمون فِي ساحته ونحبهم وَإِذا احْتمل الْخَبَر مَا ذَكرْنَاهُ وَلَا يجوز على الله تَعَالَى الْحُلُول فِي الْأَمَاكِن لإستحالة كَونه محدودا ومتناهيا وَذَلِكَ لإستحالة كَونه مُحدثا وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا قُلْنَاهُ
[ ١٥٣ ]