روى أنس وَعَائِشَة وَأم سَلمَة ﵃ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن قُلُوب بني آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الله يقلبها كَيفَ يَشَاء // أخرجه ابْن مَاجَه //
أعلم أَن أهل الْعلم قد تأولوا ذَلِك على وُجُوه
وَإِنَّمَا مثل رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه قدرَة الْقَدِيم بأوضح مَا يَفْعَلُونَ من أنفسهم لِأَن الرجل مِنْهُم لَا يكون على شَيْء أقدر مِنْهُ إِذا كَانَ بَين أصبعيه وَلذَلِك يضْرب الْمثل بِهِ فَيَقُولُونَ
مَا فلَان إِلَّا فِي يَدي وخنصري
يُرِيدُونَ بذلك أَنه عَلَيْهِ مسلط وَأَنه لَا يعْتَذر عَلَيْهِ أَن يكون على مَا يُريدهُ
وَقَالَ بعض أهل الْعلم الأصبعين هَهُنَا بِمَعْنى النعمتين
وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَن الْعَرَب يَقُولُونَ لفُلَان على أصْبع حسن إِذا أنعم عَلَيْهِ نعْمَة حَسَنَة
[ ٢٣٨ ]
وَذكرنَا قَول الرَّاعِي فِي ذَلِك
(ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ عَلَيْهَا إِذا مَا اجدب النَّاس أصبعا)
أَي إِذا وَقع النَّاس فِي الجدب والقحط ترى لَهُ علينا أثرا حسنا
فَإِن قيل وَمَا تَفْصِيل مَا بَين النعمتين اللَّتَيْنِ يتَصَرَّف الْقلب بَينهمَا د
قيل يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى النَّفْع وَالرَّفْع وَذَلِكَ يشْتَمل جَمِيع النعم لِأَن النعم على ضَرْبَيْنِ ظَاهِرَة وباطنة فالظاهرة مِنْهَا مَا نفع المنتفعين بهَا والباطنة مَا دفع من وُجُوه الشَّرّ وَصرف عوارض المحن
فَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يكون معنى الْخَبَر أَفَادَ بِهِ إفادتنا إِظْهَار نعْمَة الله علينا وَأَنَّهَا قد سبقت وشملت بَاطِنا وظاهرا
وَخص الْقُلُوب بِالذكر لِأَنَّهَا مُعظم مَا فِي الْأَبدَان وبفسادها يفْسد الْجمل
وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ مُبين أثرين من إِرَادَة الله ﷿ وفعلين من أَفعاله فِي الْفضل وَالْعدْل وَقد رُوِيَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر مَا يدل على ذَلِك وَهُوَ أَن بَعضهم قَالَ
إِذا شَاءَ أزاغه وَإِذا شَاءَ أَقَامَهُ فَأخْبر أَن الْقُلُوب فِي زيغها وإستقامتها جَارِيَة
[ ٢٣٩ ]
تَحت قدرَة الله وقبضته وَفِي ملكه وسطانه وَتَحْقِيق ذَلِك أَنه قد روى فِيهِ أَنه قَالَ ﷺ بعده
يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي
فَدلَّ على صِحَة تأويلنا على أَن مَعْنَاهُ التَّوْفِيق والخذلان وَفِيه دَلِيل على صِحَة مَذْهَبنَا لِأَنَّهُ عرفنَا أَن الإزاغة وَالْإِقَامَة مِمَّا يجريان على حسب الْقُدْرَة ونفاذ الْمَشِيئَة
وَأعلم أَن لفظ الْأصْبع مُشْتَرك الْمَعْنى فِي اللُّغَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا والمعاني الَّتِي بَينا وَقد يُقَال للجارحة اصبع أَيْضا وَلَيْسَ مُخَصّصا بِهِ بل يجوز أَن يُقَال لَهُ وَلغيره على الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد قَامَت الدّلَالَة وأوضحنا الْحجَّة فِيمَا قيل على إستحالة وصف الله ﷿ بالجوارح والأدوات والأبعاض والآلات فَلم يجز أَن يحمل ذَلِك على معنى الْجَارِحَة لإستحالته فِي صفته تَعَالَى فَوَجَبَ أَن يحمل على أحد مَا ذكرنَا من الْمعَانِي لِأَنَّهَا تفِيد الْمَعْنى الصَّحِيح وَلَا تفِيد الكيف والتشبيه الَّذِي يتعالى الله عَن ذكره عَنهُ
وَإِنَّمَا ثني لفظ الإصبعين وَالْقُدْرَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ جرى على طَرِيق الْمثل والمثل الْجَارِي فِيمَا بَين النَّاس فِي مثل هَذَا الْمَعْنى على هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ مَا فلَان إِلَّا بَين أُصْبُعِي إِذا أَرَادَ وَاضْرِبْ الْمثل بِأَنَّهُ مسلط عَلَيْهِ قَادر على مَا يُرِيد مِنْهُ فحكي على لفظ الْمثل على اللَّفْظ الْجَارِي الْمَعْهُود
وَذَلِكَ لفظ التَّثْنِيَة فَلذَلِك سَاغَ أَن يُقَال أَنه بِمَعْنى الْقُدْرَة وَهِي وَاحِدَة وَإِن كَانَ اللَّفْظ مثنى إِذْ لَيست حَقِيقَة معنى الْأصْبع معنى الْقُدْرَة فيوهم القدرتين
[ ٢٤٠ ]
وَإِنَّمَا يتَمَثَّل ذَلِك وَالْمرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان
ذكر خبر الإصبع أَيْضا على غير هَذَا الْوَجْه مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه
روى إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁
أَن رجلا من أهل الْكتاب جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله ﵎ يمسك السَّمَوَات على إِصْبَع وَالْأَرْض على إِصْبَع وَالْجِبَال وَالشَّجر على إِصْبَع وَالْمَاء وَالثَّرَى على إِصْبَع ثمَّ يَقُول أَنا الْجَبَّار
قَالَ فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَرَأَ قَوْله ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ // أخرجه سعيد بن مَنْصُور //