رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
تكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا // أخرجه البُخَارِيّ //
أعلم أَن وصف الله تَعَالَى بالجلالة على معنى السَّآمَة والإستثقال للشَّيْء على معنى نفور نَفسه عَنهُ محَال لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي تغيره وحلول الْحَوَادِث فِيهِ وَذَلِكَ غير جَائِز فِي وَصفه وَلِهَذَا الْخَبَر طَرِيقَانِ من التَّأْوِيل
أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يغْضب عَلَيْكُم وَلَا يقطع عَنْكُم ثَوَابه حَتَّى تتركوا الْعَمَل وتزهدوا فِي سُؤَاله وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَسمى الفعلان مللا تَشْبِيها بالملل وليسا بملل على الْحَقِيقَة
[ ٢٧٢ ]
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل إِذا مللتم وَمثل هَذَا قَوْلك فِي الْكَلَام أَن هَذَا الْفرس لَا يفتر حَتَّى تفتر الْخَيل وَلَيْسَ المُرَاد بذلك أَنه يفتر إِذا فترت الْخَيل وَلَو كَانَ المُرَاد هَذَا مَا كَانَ لَهُ فضل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يفتر مَعهَا وَأي فَضِيلَة لَهُ وَإِنَّمَا المُرَاد بِهَذَا الْمثل أَنه لَا يفتر وَإِن فتر الْخَيل وَكَذَلِكَ يَقُول الْقَائِل للرجل فِي كَلَامه الألد فِي خصومته
فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى يَنْقَطِع خصومه
يُرِيد بذلك أَنه لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطع خصومه وَلَو أَرَادَ بِهِ أَن يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعُوا لم يكن لَهُ فِي ذَلِك القَوْل فضل على غَيره وَلَا وَجب لَهُ مدحه وَقد جَاءَ مثل ذَلِك فِي كَلَامهم وَفِي الشّعْر أَيْضا كَمَا قَالَ قَائِلهمْ
(صليت مني هُذَيْل بحرق لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا)
لم يرد بِأَنَّهُم يملون الشَّرّ إِذا ملوه وَلَو أَرَادَ ذَلِك مَا كَانَ لَهُم فِيهِ مدح لأَنهم حِينَئِذٍ يكونُونَ فِيهِ مثلهم بل أَرَادَ أَنهم لَا يملون الشَّرّ وَإِن مله خصومهم فعلى هَذَا يكون الْخَبَر
إِن الله ﷿ لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة وَإِن تركُوا هم طَاعَته وَقصرُوا فِيهَا لِأَن الله ﷿ لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة
[ ٢٧٣ ]