رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
لَا تسبوا الدَّهْر // أخرجه مُسلم // فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
أعلم أَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُوصف بِأَنَّهُ دهر وَأَنه الدَّهْر على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هَذَا مثل وَأَصله أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت تَقول أصابني الدَّهْر فِي مَالِي بِكَذَا ونالتني قوارع الده ومصائبه فيضيفون كل حَادث يحدث مِمَّا هُوَ جَار بِقَضَاء الله وَقدره وخلقه وَتَقْدِيره من مرض أَو صِحَة أَو غنى أَو فقر أَن حَيَاة أَو موت إِلَى الدَّهْر وَيَقُولُونَ لعن الله هَذَا الدَّهْر وَالزَّمَان وَكَذَا قَالَ قَائِلهمْ
(أَمن الْمنون وريبها يتوجع والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
وَقد يُسمى الدَّهْر الْمنون وَالزَّمَان أَيْضا لِأَنَّهُ جالب الْمنون عِنْدهم والمنون الْمنية
وروى بَعضهم هَذَا الْبَيْت
(أَمن الْمنون وريبه تتوجع والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
كَأَنَّهُ قَالَ أَمن الدَّهْر وريبه تتوجع
وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ
[ ٢٧٥ ]
﴿نتربص بِهِ ريب الْمنون﴾ أَي ريب الدَّهْر وحوادثه
وَكَانَت الْعَرَب تَقول لَا أَلْقَاك آخر الْمنون أَي آخر الدَّهْر
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن أهل الْجَاهِلِيَّة بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من نِسْبَة أقدار الله وأفعاله إِلَى الدَّهْر فَقَالَ
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر
فَقَالَ ﷺ لَا تسبوا الدَّهْر
أَي إِذا أَصَابَتْكُم المصائب لَا تنسبوها إِلَيْهِ فَإِن الله هُوَ الَّذِي أَصَابَكُم بهَا لَا الدَّهْر وَإِنَّكُمْ إِذا سببتم الدَّهْر وفاعل ذَلِك لَيْسَ هُوَ الدَّهْر وَقع السب على فَاعل ذَلِك وَهُوَ الله تَعَالَى أَلا ترى أَن الرجل مِنْهُم إِذا أَصَابَته جَائِحَة من مَال أَو ولد أَو بدن سبّ فَاعل ذَلِك وتوهمه الدَّهْر فَكَانَ المسبوب هُوَ الله جلّ ذكره
ومثاله فِي الْكَلَام أَن يكون رجلا يُسمى زيدا وَله عبد يُسمى بكر فَأمر بكرا أَن يقتل رجلا فَقتله فسب النَّاس بكرا فَقَالَ لَهُم قَائِل لَا تسبوا بكرا فَإِن زيدا هُوَ بكر يُرِيد أَن زيدا هُوَ الْقَائِل لِأَن الَّذِي أمره كَأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِل كَذَلِك
[ ٢٧٦ ]
الدَّهْر تكون المصائب فِيهِ والنوازل وَهِي بأقدار الله تَعَالَى فيسبه النَّاس لكَون المصائب فِيهِ وَلَيْسَ للدهر صنع فَيَقُول الْقَائِل لاتسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
وَزعم بعض رَوَاهُ أهل الْعلم أَن هَذِه الحَدِيث قد اخْتَصَرَهُ بعض الروَاة وغيروا مَعْنَاهُ عَن جِهَته لِأَن فِي الحَدِيث كلَاما إِذا ذكر بِأَن تَأْوِيله
وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب ﵁ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
قَالَ الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن آدم يسب الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي الْأَمر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنا الدَّهْر
[ ٢٧٧ ]
وَإِذا روى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الشَّرْح بَان أَن التَّأْوِيل على مَا ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ قَوْله وَأَنا الدَّهْر على وَجْهَيْن
أَحدهمَا بِفَتْح الرَّاء من الدَّهْر وَيكون مَعْنَاهُ أَنه جعل ذَلِك وقتا للْفِعْل الْمَذْكُور وَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى أَنا الْبَاقِي أبدا المقلب للأحوال الَّتِي يتَغَيَّر بهَا الدَّهْر
وَقد رُوِيَ أَيْضا بِضَم الرَّاء وَإِذا رُوِيَ على هَذَا الْوَجْه يكون مَعْنَاهُ مَا تقدم ذكره أَي أَنا المغير للدهر والمحدث للحوادث فِيهِ لَا الدَّهْر كَمَا يتوهمون
وَيكون فَائِدَته تَكْذِيب من اقْتصر على الدَّهْر وَالْأَيَّام والليالي فِي حُدُوث الْحَوَادِث وتغييرها من الْمُلْحِدِينَ والزنادقة وتحقيقا لإثباته جلّ ذكره أَنه الْفَاعِل لجَمِيع الْحَوَادِث المريد لَهَا لَا مُرُور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَأَن الْأَيَّام والليالي ظرف للحوادث لَا أَنَّهَا يحدث بهَا أَو مِنْهَا شَيْء
[ ٢٧٨ ]