روى عقبَة بن عَامر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
لَو جعل الْقُرْآن فِي إهَاب ثمَّ ألقِي فِي النَّار مَا احْتَرَقَ // أخرجه أَبُو حميد //
أعلم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر على وُجُوه
فَقَالَ بَعضهم إِن من من الله عَلَيْهِ بِحِفْظ الْقُرْآن وَقَاه عَذَاب النَّار وَاحْتج لذَلِك بِحَدِيث أبي أُمَامَة أَن الله لَا يعذب قلبا وعى الْقُرْآن وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن الْأَصْمَعِي // اخرجه مُسلم //
[ ٢٨٣ ]
وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ أَن الْقُرْآن لَو كتب فِي جلد ثمَّ طرح الْجلد فِي النَّار مَا أحرقته النَّار وَذَلِكَ فِي عهد رَسُول الله ﷺ لنبوته
وَقَالَ قوم تَأْوِيله أَن الْقُرْآن لَو كتب فِي جلد ثمَّ طرح الْجلد فِي النَّار مَا احْتَرَقَ أَي مَا أحترق الْقُرْآن
بِمَعْنى أَنه لم يبطل وَلم يندرس وَإِنَّمَا يندرس المداد ويحترق الْجلد دون الْقُرْآن وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ حاكيا عَن الله سُبْحَانَهُ ﴿إِنِّي منزل عَلَيْك كتابا لَا يغسلهُ المَاء﴾
وَلم يرد أَنه لَو كتب الْقُرْآن فِي شَيْء وَغسل بِالْمَاءِ لم يغْتَسل إِنَّمَا أَرَادَ أَن المَاء لَا يُبطلهُ وَلَا يفنيه فَكَذَلِك قَوْله مَا احْتَرَقَ أَي فِي حَقِيقَة الْأَمر لَا يبطل وَلَا يندرس وَمثل هَذَا كثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ وهم قد كتموا الله لما قَالُوا ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾
وَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَا يكتمون الله فِي حَقِيقَة الْأَمر لأَنهم فِيمَا كتموه لم يغب مَا كتموه عَن الله وَإِنَّمَا توهموا أَنهم كتموه
وَذهب ذاهبون من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يَصح أَن يكون مَعْنَاهُ إِن من حفظ الْقُرْآن لم يعذب بالنَّار لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ
[ ٢٨٤ ]
يكون فِيكُم قوم تحقرون صَلَاتكُمْ فِي صلَاتهم وَأَعْمَالكُمْ فِي أَعْمَالهم يقرؤون الْقُرْآن لايجاوز حناجرحم يَمْرُقُونَ من الدّين كمروق السهْم من الرَّمية // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // // أخرجه البُخَارِيّ //
فَبَان أَنه أَرَادَ بقوله لَا يعذب قلبا وعى الْقُرْآن إِذا حفظ حُدُوده وَعمل بِمُوجبِه
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر دَلِيل على صِحَة مَا نقُول إِن الْقُرْآن مَكْتُوب فِي اللَّوْح وَالْجَلد غير حَال وَأَنه لَا يجب حُلُول الْكَلَام فِي مَحل الْكِتَابَة كَمَا أَنه ﷺ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَلم يكن حَالا فِيهَا وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ مَا احْتَرَقَ أَي إِن احْتَرَقَ الْجلد وبطلانه لَا يُؤَدِّي إِلَى بطلَان الْكَلَام لأجل أَنه لَيْسَ فِي مَحل كِتَابَته
وَمثل هَذَا الحَدِيث مَا روى عبد الله بن عمر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
لاينبغي لحامل الْقُرْآن أَن يجهل مَعَ من جهل وَفِي جَوْفه كَلَام الله سُبْحَانَهُ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَذَلِكَ أَن معنى قَوْله يحمل الْقُرْآن لمن حفظه ووعاه وفهمه
وَمعنى قَوْله وَفِي جَوْفه كَلَام الله أَي حفظ كَلَام الله وَذَلِكَ أَن كَلَام الله تَعَالَى مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب متلو بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف كَمَا أَن الله جلّ ذكره مَذْكُور بالألسنة معبود بالجوارح وَلَا يجوز أَن يكون فِي شَيْء من ذَلِك حَالا وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى
[ ٢٨٥ ]
﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ وَالْمرَاد حب الْعجل لِأَن الْعجل لم يحل فِي قُلُوبهم
وَأعلم أَنا لَا نأبى أَن كَلَام الله تَعَالَى مَحْفُوظ على الْحَقِيقَة يحفظ فِي الْقُلُوب مَكْتُوب على الْحَقِيقَة فِي الْمُصحف كِتَابَة حَالَة فِيهَا متلو بالألسنة بِتِلَاوَة فِيهَا مسموع فِي الأسماع غير حَال فِي شَيْء من هَذِه الْمَخْلُوقَات وَلَا يُجَاوز