فَإِن قيل فَإِذا لم يجز أَن يحمل على جمال الصُّورَة لإستحالة أَن يكون الله تَعَالَى جسما ذَا تركيب وهيئة فعلى مَاذَا تحملونه
قيل إِن أهل اللُّغَة قد يستعملون مثل هَذَا اللَّفْظ من فعيل على معنى مفعل كوصفنا الله جلّ ذكره بِأَنَّهُ حَكِيم وَالْمرَاد بِهِ مُحكم لما فعله وَكَذَلِكَ يجوز أَن يُقَال الله تَعَالَى جميل بِمَعْنى مُجمل وإجماله الْمُضَاف إِلَيْهِ على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون يحسن الصُّور والخلق أَي أَنه يحسن خلق مَا يَشَاء وَهُوَ هيأته وَصورته كَمَا يقبح خلق من يَشَاء بتشويه صورته وهيأته
الْوَجْه الثَّانِي من الأجمال الْمُضَاف إِلَى الله ﷿ وَهُوَ بِمَعْنى الْإِحْسَان وَالْفضل أَي وَهُوَ الْمظهر النِّعْمَة وَالْفضل والمبدي من يَشَاء من خلقه برحمته وكرامته وَذَلِكَ سَائِغ عِنْد أهل اللِّسَان ومتعارف فِيمَا بَينهم أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ
[ ٣٣٠ ]
أجمل فِي هَذَا الْأَمر إِذا وصاه بِأَن يَأْتِي فِيهِ بالجميل من الْفِعْل وَالْمذهب فِيهِ وَالله ﷿ أعلم مَوْصُوف بِأَنَّهُ مُجمل على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا من تَحْسِين الصُّور والإبتداء بِالْفَضْلِ وَالنعْمَة
فَأَما جمال الصُّورَة والهيئة على الْوَجْه الَّذِي يستجمله الناظرون على مَا يستجملون من هيآت الْخلق فَمَا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ
وَأما قَول بكر الْمُزنِيّ فراجع إِلَى مثل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵊ أَنه قَالَ
إِن الله يحب إِذا أنعم على عَبده نعْمَة أَن يرى أثر نعْمَته عَلَيْهِ // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
وَهُوَ معنى قَوْله ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾
والتحديث بهَا إظهارها ونشرها فَمَا سَبيله من نعم الله أَن لَا يظْهر للناظرين فإظهاره شكر الله عَلَيْهَا وَمَا يُمكن أَن يظْهر فإظهارها نشرها وعَلى ذَلِك يحمل قَول بكر الْمُزنِيّ وَهُوَ أحد الْمَعْنيين الَّذين حملنَا عَلَيْهِ خبر الرَّسُول ﵊
[ ٣٣١ ]