أما بعد فقد وفقت أسعدكم الله بمطلوبكم ووفقنا الْإِتْمَام بِمَا ابتدأنا بِهِ على تحري النصح وَالصَّوَاب إِلَى إملاء كتاب نذْكر فِيهِ مَا اشْتهر من الْأَحَادِيث المروية عَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا يُوهم ظَاهره التَّشْبِيه مِمَّا يتسلق بِهِ الْمُلْحِدُونَ على الطعْن فِي الدّين وخصوا بتقبيح ذَلِك الطَّائِفَة الَّتِي هِيَ الظَّاهِرَة بِالْحَقِّ لِسَانا وبيانا وقهرا وعلوا وإمكانا الطاهرة عقائدها من شوائب الأباطيل وشوائب الْبدع والأهواء الْفَاسِدَة وَهِي الْمَعْرُوفَة بِأَنَّهَا أَصْحَاب الحَدِيث وهم فرقتان
١ - فرقة مِنْهَا هِيَ أهل النَّقْل وَالرِّوَايَة الَّذين تشتد عنايتهم بِنَقْل السّنَن وتتوفر دواعيهم على تَحْصِيل طرقها وَحصر أسانيدها والتمييز بَين صحيحها وسقيمها فيغلب عَلَيْهِم ذَلِك ويعرفون بِهِ وينسبون إِلَيْهِ
٢ - وَفرْقَة مِنْهُم يغلب عَلَيْهِم تَحْقِيق طرق النّظر والمقاييس والإبانة عَن تَرْتِيب الْفُرُوع على الْأُصُول وَنفي شبه الملبسين عَنْهَا وإيضاح وُجُوه الْحجَج والبراهين على حقائقها
[ ٣٧ ]
فالفرقة الأولى للدّين كالخزنة للْملك والفرقه الْأُخْرَى كالبطارقة الَّتِي تذب عَن خَزَائِن الْملك الْمُعْتَرض عَلَيْهَا والمتعرضين لَهَا وذكرتم أَن أهل الْبدع من أَصْحَاب الْأَهْوَاء الْفَاسِدَة العادلة لَهُ من مناهج الْكتاب وَالسّنة نَحْو
الْجَهْمِية والمعتزلة والخوارج والرافضة
[ ٣٨ ]
والجسمية وَمن ناصب هَذِه الْفرْقَة بالعدواة من سَائِر أهل الْأَهْوَاء الْبَاطِلَة تقصد دَائِما تهجين هَذِه الْعِصَابَة بِنَقْل أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار وتروم بذلك التلبيس على الضُّعَفَاء لتوهمهم أَنَّهَا تنقل مَالا يَلِيق بِالتَّوْحِيدِ وَلَا يَصح فِي الدّين وتظن أَن هَذِه الْفرْقَة احتملت ذَلِك لإعتقادها حقائق مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب الْمَعْهُود من أَحْوَال الْخلق الْمَعْرُوف من صفاتهم وجوارحهم وأدواتهم واشتغلت بذلك وَهِي ذَاهِبَة عَن مَعَانِيهَا غافلة عَن الْمَقَاصِد فِيهَا فرمتها بِكفْر التَّشْبِيه وبفعلة أهل الْإِلْحَاد والتعطيل جاهلة أَنَّهَا إِنَّمَا نقلت مَا وعت عَن رسولها وروت مَا سَمِعت عَن الْعُدُول عَن النَّبِي ﷺ وَقد اعتقدت أصُول الدّين وحقائق التَّوْحِيد بدلائل الْعُقُول والسمع فروت ذَلِك على مُوَافقَة أُصُولهَا ومعاضدة مَا شهِدت الْبَرَاهِين بِصِحَّتِهَا
وَإِنَّمَا حمل هَؤُلَاءِ المبتدعة على هَذَا التهجين وَالْإِنْكَار على هَذِه الطَّائِفَة بِنَقْل مَا نقل من ذَلِك مَا حمل الملحدة والمعطلة على إِنْكَار كتاب الله تَعَالَى اعتراضا مِنْهُم
[ ٣٩ ]
عَلَيْهِ بِذكر بعض مَا ذهبت عَن معرفه مَعَانِيهَا وخفائها من آيَاته المتشابهة
وَذَلِكَ أَن آي الْكتاب قِسْمَانِ
فقسم هُوَ مُحكم تَأْوِيله بتنزيله يفهم المُرَاد مِنْهُ بِظَاهِرِهِ وذاته
وَقسم لَا يُوقف على مَعْنَاهُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمُحكم وانتزاع وَجه تَأْوِيله مِنْهُ
[ ٤٠ ]
فَكَذَلِك أَخْبَار الرَّسُول ﷺ جَارِيَة هَذَا المجرى ومنزلة على هَذَا التَّنْزِيل فَمِنْهَا الْكَلَام الْبَين المستقل فِي بَيَانه بِذَاتِهِ
[ ٤٢ ]
وَمِنْهَا المفتقر فِي بَيَانه إِلَى غَيره وَذَلِكَ على حسب عَادَة الْعَرَب فِي خطابها وَعرف أهل اللُّغَة فِي بَيَانهَا إِذْ لم يكن كل خطابهم جليا بَينا مستغنيا عَن بَيَان وَتَفْسِير وَلَا كُله خفِيا مستحيلا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَتَفْسِير من غَيره
فَإِذا كَانَت دَلَائِل الْعقل الله تَعَالَى على مَا فطر عَلَيْهَا الْعُقُول منقسمة فَكَذَلِك دَلَائِل السّمع منقسمة
وكما لم يعْتَرض مَا خَفِي من دَلَائِل على مَا تجلى مِنْهَا حَتَّى يسْقط دَلَائِل الْعُقُول راسا فَكَذَلِك مَا خَفِي من دَلَائِل السّمع لَا يعْتَرض على مَا تجلى مِنْهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الله ﷿ أَن يرفع الَّذين أُوتُوا الْعلم بخصائص رَفعه ودرجات فِيهَا يبين حَالهم بهَا عَمَّن لم ينعم عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا فَإِذا كَانَت دَلَائِل الْعُقُول صَحِيحَة مَعَ تفاوتها فِي الْجَلِيّ والخفي عِنْد أَكثر الملحدة فَكَذَلِك دَلَائِل الله ﷿ فِيمَا دلّت عَلَيْهِ من الْأَحْكَام والأوصاف ونعوت الْخَالِق والخلق وَكَذَلِكَ كَون تنويع دَلَائِل السّمع الَّذِي هُوَ السّنَن متنوعة لَا يُبْطِلهَا جهل الْجَاهِل بمعانيها
وَهَذِه الْمُقدمَة تكشف لَك عَن جَهَالَة المبتدعة فِي إعتراضهم أهل النَّقْل عَن أَصْحَابنَا فِي نقل هَذِه الْأَخْبَار فتوضح لَك أَن قَود هَذِه الْمقَالة يجر الْقَائِل بِهِ وَالْقَائِل لَهُ إِلَى أبطال الْكتاب بِمثل مَا أبطل بِهِ السّنة
[ ٤٣ ]
وَإنَّهُ مَتى زعم أَن للآي المتشابهة الَّتِي وَردت فِي الْكتاب معنى وطرقا من جِهَة اللُّغَة تنزل عَلَيْهَا وتصحح بهَا من حَيْثُ لَا يُؤَدِّي إِلَى شُبْهَة وَلَا إِلَى تَعْطِيل فَكَذَلِك سَبِيل هَذِه الْأَخْبَار والتطرق إِلَى تَنْزِيل مَعَانِيهَا وَتَصْحِيح وجوهها على الْوَجْه الَّذِي يخرج عَن التَّشْبِيه والتعطيل كَذَلِك لم يبْق إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ المبتدعة إِنَّمَا تقصد بِهَذَا التهجين الْكَشْف مِمَّا تستره من العقائد الردية فِي هَذِه الطَّائِفَة الطاهرة الَّتِي هِيَ بِالْحَقِّ ظَاهِرَة سَبِيل اعْتِرَاض الملحدة أجاوبني
وَأما مَا كَانَ من نوع الْآحَاد مِمَّا صحت الْحجَّة بِهِ من طَرِيق وثَاقه النقلَة وعدالة الروَاة وإتصال نقلهم فَإِن ذَلِك وَإِن لم يُوجب الْعلم وَالْقطع فَإِنَّهُ يَقْتَضِي غَالب ظن وتجويز حكم حَتَّى يَصح أَن يحكم أَنه من بَاب الْجَائِز الْمُمكن دون المستحيل الْمُمْتَنع
وَإِذا كَانَت ثَمَرَة مَا جرى هَذَا المجرى من الْأَخْبَار مَا ذَكرْنَاهُ فقد حصلت بِهِ فَائِدَة عَظِيمَة لَا يُمكن التَّوَصُّل إِلَيْهَا إِلَّا بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الإشتغال بتأويله وأيضاح وَجهه مُرَتبا على مَا يَصح وَيجوز فِي أَوْصَافه جلّ ذكره مَحْمُولا على الْوَجْه الَّذِي نبينه من غير اقْتِضَاء تَشْبِيه أَو إِضَافَة إِلَى مَا لَا يَلِيق بِاللَّه جلّ ذكره إِلَيْهِ فعلى ذَلِك تجْرِي مَرَاتِب هَذِه الْأَخْبَار وطرق تَأْوِيلهَا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٤٤ ]