وَقد ذكر بعض المتأولين لهَذِهِ الْأَخْبَار فِي تَأْوِيل مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ فِي قَوْله
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة أَن ذَلِك كَانَ رُؤْيا مَنَام وَقد ذكر فِي حَدِيث أم الطُّفَيْل حَدِيث الْمَنَام نصا وَفِي بعض أَحَادِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك مَنْصُوصا فقد زَالَ الشَّك فِيهِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فَإِن الْأَمر فِيهِ مَحْمُول على ذَلِك وَهُوَ أَن الْجَمِيع من مثبتي الرُّؤْيَة ونفاتها قد قَالُوا بِجَوَاز رُؤْيَة الله ﷿ فِي الْمَنَام وَقَالُوا
إِن رُؤْيا النّوم وهم قد جعله الله تَعَالَى دلَالَة للرائي على أَمر يكون أَو كَانَ من طَرِيق التَّعْبِير والأوهام قد يتَعَلَّق بالموهوم على خلاف مَا عَلَيْهِ الموهوم فَلَا يُنكر أَن يُقَال مثله فِيهِ من طَرِيق الرُّؤْيَا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ بِبَعْض تِلْكَ الْأَوْصَاف الَّتِي تعلّقت بهَا الرُّؤْيَا مُتَحَقق وَذَلِكَ مَعْهُود مثله فِي أَحْوَال الرُّؤْيَا
إِن الرَّائِي قد يرى فِي الْمَنَام مَا لَا يكون على مَا يرَاهُ
[ ٧٢ ]
كمن يرى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ يطير أَو كَأَنَّهُ انْقَلب حمارا وَهُوَ فِي مَوضِع آخر غير الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَيكون ذَلِك توهما مِنْهُ لَا رُؤْيَة حَقِيقَة وَقد يَصح مثله على الْأَنْبِيَاء والأولياء إِذْ قد وَردت الْأَخْبَار برؤيا الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ أَنهم رَأَوْا فِي منامهم أَشْيَاء كَانَت أَحْكَامهَا بِخِلَاف مَا رَآهَا وَصَحَّ ذَلِك لِأَنَّهَا أَوْهَام تجْرِي مجْرى الدلالات بإختلاف طَرِيق التأويلات
وَقد ذكر بعض أَصْحَاب التَّعْبِير ذَلِك فِي كتبهمْ الْمَوْضُوعَة لذَلِك وعبروا ذَلِك بتأويله كَمَا عبروا أَيْضا من يرى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام أَو يرى الْقِيَامَة أَو الْجنَّة وَالنَّار فِي سَائِر مَا يرى فِي الْمَنَام مِمَّا لَهُ تَعْبِير قَالَ
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا وَقد ذكره نصا بعض الروَاة وَجب أَن يكون التَّأْوِيل مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة كَون الْبَارِي مصورا بالصورة والهيئة والتركيب وَالْحَد وَالنِّهَايَة
[ ٧٣ ]
وَقد تهور بعض الْمُتَكَلِّمين فِي ذَلِك أَيْضا فَغير اللَّفْظ المسموع إِلَى مَا لم يضْبط وَلم ينْقل تعسفا فِي التَّأْوِيل فَقَالَ
إِنَّمَا هُوَ رَبِّي بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ اسْم عبد كَانَ لعُثْمَان ﵁ رَآهُ ﷺ فِي النّوم على تِلْكَ الصِّفَات وَهَذَا غلط
لِأَن التَّأْوِيل والتخريج إِنَّمَا يكون لمسموع مضبوط مَنْقُول وَلم يثبت سَماع ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وَلَا حَاجَة إِلَى مثل هَذَا التعسف مَعَ إتساع طرق التَّأْوِيل فِي بعض الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
وَذكر بَعضهم أَيْضا أَنه أَرَادَ بذلك رئي فَنقل رَبِّي على التَّصْحِيف والرائي هُوَ التَّابِع من الْجِنّ
قَالَ فَلَا يُنكر أَن يكون الْجِنّ متصورا بِبَعْض هَذِه الصُّور وَهَذَا أَيْضا تعسف لأجل أَن القَوْل بالتصحيف إِنَّمَا يكون الْمُعْتَمد عَلَيْهِ إِذا روى بعض الْإِثْبَات ذَلِك على هَذَا الْحَد مسموعا مضبوطا وَلم يُمكن أَن يحمل على ضَرْبَيْنِ وعَلى حَالين مُخْتَلفين
كَيفَ وَلم ينْقل على هَذَا الْوَجْه وَلم يثبت أَنه كَانَ الأَصْل على هَذَا الْحَد وَإِنَّمَا وَقع التَّصْحِيف من جِهَة التَّأْوِيل وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى دَعْوَى تَصْحِيف على
[ ٧٤ ]
من ضبط مَا سمع فَنقل لأجل مَا توهم أَو تعذر فِي تَخْرِيج مَعْنَاهُ على الْوَجْه الصَّحِيح فَبَطل ذَلِك أَيْضا وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من تِلْكَ الْوُجُوه أقرب إِلَى الصَّوَاب وأليق لحكم الْبَاب مِمَّا ذكرهَا هَؤُلَاءِ المتعسفون
[ ٧٥ ]