فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا حملتم مَا رُوِيَ من النُّزُول فِي الْخَبَر على مَا ذكرْتُمْ فعلام تحملون
قَوْله ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾
وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾
وَقَوله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ قيل هَذَا تَأْوِيل أهل الْعلم هَذِه الْآي فِي وُجُوه كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَنهم تأولوا قَوْله ﷿ ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف﴾
أَن مَعْنَاهُ الإستئصال فِي الْهَلَاك والدمار بإرسال الْعَذَاب كَمَا يَقُول النَّاس أَي السُّلْطَان بلد كَذَا فقلبه ظهرا لبطن أَي استأصله وَلَيْسَ يُرِيدُونَ حُضُوره الْبَلَد بِنَفسِهِ وَلَا شُهُوده بل يُرِيدُونَ الْهَلَاك والتدمير
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا أَرَادَ بذلك ظُهُور فعل من جِهَته فِي الْبُنيان سَمَّاهُ إتيانا وَللَّه أَن يُسَمِّي أَفعاله بِمَا شَاءَ وَأَن يصف نَفسه من ذَلِك بِمَا أَرَادَ
[ ٢٠٧ ]
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ فَمنهمْ من قَالَ
إِن مَعْنَاهُ جَاءَ رَبك بِالْملكِ صفا وَزعم أَن الْوَاو هُنَا بِمَعْنى الْبَاء
وَمِنْهُم من قَالَ جَاءَ رَبك وَالْملك أَمر رَبك وَحكمه يُرِيد أَمر الْقِيَامَة وَمَا يخْتَص بِهِ ذَلِك الْوَقْت من أمره الْمَخْصُوص وَحكمه الَّذِي لَا يَقع الشّركَة فِيهِ بِالدُّعَاءِ والنداء
وَقد بَينا فِيمَا قبل أَنه لَا تدافع بَين أهل اللُّغَة فِي قَوْلهم ضرب الْأَمِير اللص ونادى الْأَمِير فِي الْبَلَد بِكَذَا وَإِنَّمَا يُرَاد بذلك أَن ذَلِك الْفِعْل وَقع بأَمْره وَعَن حكمه فيضاف الْفِعْل إِلَيْهِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُضَاف إِلَى من فعله وتولاه وَنَظِير ذَلِك قَوْله ﷿ فِي قصَّة قوم لوط ﴿فطمسنا أَعينهم﴾ وَكَانَ الطمس للأعين من الْمَلَائِكَة بِأَمْر الله ﷿
وَإِذا كَانَ مثله مُتَعَارَف فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا ورد الْخطاب فِي الْقُرْآن على الْمُتَعَارف فِي اللُّغَة والمعهود فِيمَا بَين أَهلهَا لم يُنكر أَن يحمل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك﴾
[ ٢٠٨ ]
وَأما قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾
فقد قَالَ بعض أهل التَّفْسِير
إِن مَعْنَاهُ هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله بِالْعَذَابِ فِي ظلل من الْغَمَام وَهَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة أَن يعبر عَن الشَّيْء بِفِعْلِهِ إِذا وَقع عَن أمره وتدبيره كَقَوْلِهِم أَتَى الْأَمِير بلد فلَان إِذا وصل إِلَيْهِ جَيْشه وَدخل السُّلْطَان بلد كَذَا إِذا نفذ فِيهِ أمره وَحكمه
وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْله ﴿فِي ظلل من الْغَمَام﴾ يُرَاد بِهِ بظلل من الْغَمَام وَأَن فِي بِمَعْنى الْبَاء وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي التَّفْسِير عَن ابْن عَبَّاس
[ ٢٠٩ ]
وَقَالَ بعض أهل الْعلم فِي الإستشهاد بإبدال الْبَاء من فِي أَن أَعْرَابِيًا كَانَ يقْرَأ ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ فصير الْبَاء فِي مَكَان فِي لما كَانَ عِنْده أَن ذَلِك سَوَاء مِمَّا يُبدل أَحدهمَا صَاحبه من غير إختلاف الْمَعْنى
ويحكى أَيْضا أَنه سمع من بعض الْأَعْرَاب وَهُوَ يَقُول لصَاحبه
ارْفَعْ بالسماء يُرِيد ارْفَعْ فِي السَّمَاء
وَقَالَ بَعضهم من أهل التَّأْوِيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ أَن مَعْنَاهُ عَن عَذَاب وَاقع وحروف الصِّفَات تدخل بَعْضهَا فِي بعض ويبدل بَعْضهَا من بعض إِذا تقاربت مَعَانِيهَا وَلم تخْتَلف
وروى ابْن أبي نجيح عِنْد مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
قَالَ يَأْتِيهم بوعده ووعيده وَأَن الله ﷿ يكْشف لَهُم يَوْم الْقِيَامَة عَن أُمُور كَانَت مستورة عَنْهُم
[ ٢١٠ ]
وَقد رُوِيَ مثل قَول ابْن عَبَّاس عَن الْحسن
وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ مَا حملناه عَلَيْهِ تَأْوِيل الْخَبَر وَالْآيَة مَنْقُولًا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانَ ذَلِك مِمَّا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ وَيُؤْنس المستعلم التَّأْوِيل مَا ذكرنَا
ويكشف للنَّاظِر أَن الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الْأَخْبَار كتأويل الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَأَن طَرِيق التَّخْرِيج فِيهَا وَاحِد إِذا وَجب أَن يحمل مَا ورد فِي الْكتاب من أَلْفَاظ الْمَجِيء والإتيان على غير معنى النُّزُول والإنتقال الَّذِي هُوَ صفة الْجِسْم الْمَحْدُود والمتحرك المتنقل المتمكن فِي مَكَان بعد مَكَان
بل هُوَ على معنى مَا ورد بِهِ الْكتاب من الْإِتْيَان والمجيء
وَلَا فرق بَين أَن يرد ذَلِك من طَرِيق صَحِيح من جِهَة الْأَثر وَالسّنة وَبَين أَن يرد ذَلِك فِي الْكتاب فِي بَاب مَا يحمل عَلَيْهِ من التَّأْوِيل على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بِاللَّه تَعَالَى فعلى هَذَا تَرْتِيب الْبَاب فَاعْلَم
[ ٢١١ ]