فَإِن قَالَ قَائِل من الْقَدَرِيَّة
[ ٣٠٩ ]
أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى مخبرا عَن نوح ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ
﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغْفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾
وَقَالَ ﷿ فِي آيَة أُخْرَى ﴿ثمَّ قضى أََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾
قيل أما معنى قَول نوح ﵇ أَنه يؤخرهم إِلَى أجل مُسَمّى يَعْنِي إِن آمنُوا واتبعوه وَتَكون آجالهم وَلم يثبت الله لَهُم أََجَلًا لم يبلغوه وَلَا قَالَ إِلَى أجل فِيكُم مُسَمّى بل لم يضف إِلَيْهِم ذَلِك الْأَجَل وينكره
فَبَان أَن المُرَاد أجل من الْآجَال لَو آمنُوا واتبعوه كَانَ لَهُم أََجَلًا
وَأما قَوْله ﴿ثمَّ قضى أََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ فَهُوَ أجل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلذَلِك قَالَ ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾
أَي تشكون فِي الْبَعْث وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى للثَّواب وَالْعِقَاب وَأجل الدُّنْيَا هُوَ الْمُسَمّى للفناء وللتكليف فِيهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك شَيْء يُؤَيّد قَول الْقَدَرِيَّة الْقَائِلين بِقطع الْأَجَل
وَأما قَول من قَالَ مِنْهُم بِقطع الْأَجَل وأبى جَوَاز الزِّيَادَة فِيهِ فَيُقَال لَهُ هلا
[ ٣١٠ ]
زعمت أَنه يزِيد فِي الْأَجَل الْمُؤَجل إِذا وصل رَحمَه أَو تجنب الْآفَات وتعاهد من المطعومات مَا يَسْتَعِين بِهِ على إستجلاب الزِّيَادَة فِي عمره وَصرف الآفة عَنهُ
فَإِن جمعُوا بَين الْأَمريْنِ وَقَالُوا جَائِز أَن يزِيد أَحَدنَا فِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله بِنَحْوِ مَا ذَكرْنَاهُ جَازَ أَن ينقص مِنْهُ فقد فارقوا قَوْلهم وَخَرجُوا عَن ظَاهر الْكتاب وَالسّنة والعقول لِأَنَّهُ كَمَا نفي الإستقدام فِي الْأَجَل فَكَذَلِك نفى الإستيخار وَجمع بَينهمَا فِي الحكم
وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الْمَعْنى فِي قَول نوح ﵇ مَا ذَكرْنَاهُ عقيب ذَلِك ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر لَو كُنْتُم تعلمُونَ﴾
يُرِيد بذلك مِمَّا هُوَ لَهُم أجل فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ
[ ٣١١ ]