اعْلَم أَنا قدمنَا معنى الْقدَم وَذكرنَا مَا فِيهِ من الإشتراك فِي استعمالهم لَهُ فِي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة وَلَيْسَ كل ذَلِك هُوَ الْجَارِحَة وَالْبَعْض والعضو فَقَط
وَبينا أَن مَا سمي قدما من الْجَارِحَة فلمعنى وَهُوَ تقدمه على الْبدن وَأَن أصل مَعْنَاهُ مَأْخُوذ من التَّقَدُّم من غير أَن مثل هَذَا اللَّفْظ قد اُعْتِيدَ اسْتِعْمَاله فِي اللُّغَة فِي الْأَمر الَّذِي لَا تنَاقض فِيهِ وَلَا تطالب بِهِ يُبطلهُ ولايجعل لَهُ حكما وَكَذَلِكَ يُقَال فِي مثل هَذَا الْأَمر الَّذِي صفته مَا ذكرنَا قد جعلته تَحت قدمي على تِلْكَ المنافسة عَلَيْهِ والمطالبة لَهُ
فَكَأَنَّهُ ﵊ أَرَادَ أَن يعرفنا مَرَاتِب الْأَعْمَال وإمتداد الْجَزَاء عَلَيْهَا وَأَن مِنْهَا مَا يكون إِلَى الْعَفو عَنهُ أقرب من غَيره
فَخص بعض الْأَعْمَال بِالذكر تنويها بهَا أَنه عز ذكره لَا يبطل أمره وَلَا يدع الْمُطَالبَة بهَا زجرا عَن فعلهَا وتأكيدا للحث على تَركهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ بذلك إِثْبَات
[ ٢٣٢ ]
عُضْو وجارحة لمن يَسْتَحِيل ذَلِك فِي وَصفه وَإِنَّمَا يخاطبهم على الْمَعْهُود من لغتهم والمتعارف فِيمَا بَينهم وَذَلِكَ من المتعالم الْمَشْهُود فِي خطاب الْعَرَب والعجم أَنهم يعبرون بِمثلِهِ عَن مثل هَذَا المُرَاد فَيَقُولُونَ جعلت هَذَا الْأَمر تَحت قدمي أَي أعرض عَنهُ وَلم يَطْلُبهُ وَلَا يُطَالب بِهِ
وَقد رُوِيَ مثله عَن النَّبِي ﷺ أَنه لما فتح مَكَّة قَامَ على بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ
كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة قد جعلته تَحت قدمي // أخرجه مُسلم //
على معنى أَنِّي أَعرَضت عَن المنافسة فِيهِ والمطالبة بِهِ
وَإِذا كَانَ ذَلِك مُسْتَعْملا فِي اللُّغَة على الْوَجْه الَّذِي بَينا كَانَ معنى قَوْله
إِن الله يَجْعَل الْمَظَالِم تَحت قدمه يَوْم الْقِيَامَة مَحْمُولا عَلَيْهِ
[ ٢٣٣ ]
وَلَيْسَ هَذَا الْخَبَر مِمَّا يشكل مَعْنَاهُ على من يعرف عَادَة الْعَرَب فِي الْخطاب حَتَّى يسْبق وهمه إِلَى خلاف هَذَا المُرَاد الَّذِي يتَوَهَّم أَنه قدم جارحة وطئ بهَا وَطْء الْجَارِحَة
فَإِذا كَانَ كَذَلِك بَان لَك وَجه هَذَا الْخَبَر فِي إِضَافَة الْقدَم إِلَيْهِ تَعَالَى
وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا تمثيلا بِالْأَمر الَّذِي يُوطأ بالقدم لِأَنَّهُ إِذا أُرِيد ستره والإعراض عَنهُ وَترك كشفه والتوقيف عَلَيْهِ عمل ذَلِك
ثمَّ يُقَال للَّذي شبه بِهِ على هَذَا الْمَعْنى اجْعَلْهُ تَحت قدمك وَجَعَلته تَحت قدمي توسعا وتمثيلا بِمَا ذكرنَا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٢٣٤ ]