" بعد أَن أَسْفر " الصُّبْح إِذا أنار،، وأسفر الْقَوْم: إِذا أَصْبحُوا. وَقَول عَائِشَة ﵂: " إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليُصَلِّي الصُّبْح "
إِن فِي هَذَا الْموضع وَنَحْوه عِنْد سِيبَوَيْهٍ مُخَفّفَة من إِن الْمُشَدّدَة، وَاللَّام لَازِمَة لخبرها ليفرق بَينهَا وَبَين إِن الَّتِي بِمَعْنى مَا. فَإِذا قلت: إِن زيدا لقائم، فَهِيَ تَأْكِيد. وَإِذا قلت: إِن زيد قَائِم، وأسقطت اللَّام فَهِيَ نفي بِمَعْنى مَا زسد قَائِم. والكوفيون يجيزون أَن تكون نفيا وَإِن كَانَت اللَّام فِي جوابها، ويجعلون اللَّام بِمَعْنى إِلَّا الْمُوجبَة كَأَنَّهَا قَالَت: مَا كَانَ رَسُول الله - ﷺ َ -[إِلَّا] يُصَلِّي.
وَتَقْدِير الْكَلَام على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: إِن رَسُول الله - ﷺ َ - كَانَ يُصَلِّي] .
وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال﴾ فِي قِرَاءَة من رفع الْفِعْل وَفتح اللَّام. " متلففات بمروطهن "
[ ٣٧ ]
وَقع فِي رِوَايَة يحيى بفائين، وَرَوَاهُ أَكثر الروَاة بِالْفَاءِ وَالْعين غير مُعْجمَة وَالْمعْنَى وَاحِد يُقَال: تلفع الرجل بِثَوْبِهِ إِذا اشْتَمَل بِهِ.
وَفِي رِوَايَة ابْن بكير: " فينصرفن " على لفظ الْجمع، وَهِي لُغَة لبَعض الْعَرَب وَالْأَكْثَر الْأَفْصَح الْإِفْرَاد.
والمروط: أكيسه تتَّخذ من الصُّوف والخز، وَجَاء فِي تَفْسِيرهَا فِي هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا أكيسة من صوف مربعة شداها شعر. وَأما قَول امْرُؤ الْقَيْس:
(على أثرينا ذيل مرط مرحل )
فالمرط هَاهُنَا من خَز. " والغلس " ظلمَة آخر اللَّيْل.
[ ٣٨ ]
" من حفظهَا وحافظ عَلَيْهَا "
فَإِن الْحِفْظ رِعَايَة الشَّيْء لِئَلَّا يذهب ويضيع. وَمِنْه حفظ الْقُرْآن، وَحفظ العَبْد. وَأما الْمُحَافظَة فملازمة الشَّيْء. " فَهُوَ لما سواهَا أضيع "
هَكَذَا رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَانَ الْوَجْه [أَن يُقَال]: فَهُوَ لما سواهَا أَشد إِضَاعَة، لِأَن الْفِعْل الزَّائِد على ثَلَاثَة أحرف لَا يبْنى مِنْهُ أفعل، وَقد أجَاز سِيبَوَيْهٍ فِيمَا كَانَ أَوله الْهمزَة خَاصَّة. " إِذا زاغت الشَّمْس "
مَعْنَاهُ: مَالَتْ، وكل شَيْء مَال وانحاز عَن الِاعْتِدَال فقد زاغ. قَالَ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ .
و" الْفَيْء " الظل إِذا رَجَعَ من جَانب الْمغرب إِلَى جَانب الْمشرق، وَلَا يُقَال لَهُ قبل الزَّوَال فَيْء حَتَّى يَنْقَلِب وَيرجع، لِأَن معنى الْفَيْء فِي اللُّغَة، إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوع، قَالَ الله ﷿: ﴿حَتَّى تفىء إِلَى أَمر الله﴾ أَي: ترجع.
وَيُقَال: " غربت " الشَّمْس بِفَتْح الرَّاء، وَقد أولعت الْعَامَّة بضَمهَا وَهُوَ خطأ، قَالَ الله ﷿: ﴿وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال﴾ .
[ ٣٩ ]
" بغبش "
الْمَشْهُور من رِوَايَة يحيى بالشين الْمُعْجَمَة، وَالْمَشْهُور من رِوَايَة ابْن بكير بِالسِّين غير الْمُعْجَمَة، وهما لُغَتَانِ جيدتان حَكَاهُمَا اللغويون، غبس وأغبس، وغبش وأغبش، وَهُوَ اخْتِلَاط الضَّوْء والظلام. " ثمَّ يذهب الذَّاهِب إِلَى قبَاء "
يجوز فِي قبَاء الصّرْف على الْموضع وَالْمَكَان، وَترك الصّرْف على معنى الْبقْعَة وَالْأَرْض.
قَول عمر ﵁: (فَلَا نَامَتْ عينه ثَلَاثًا) إِنَّمَا ذَلِك على جِهَة التَّأْكِيد والإغلاظ فِي الدُّعَاء. وَخص الثَّلَاث لِأَن أَبَا عُبَيْدَة حكى أَن الْعَرَب كَانُوا يستحسنون الثَّلَاث إِذا أَرَادوا مدحا أَو ذما وَنَحْوهمَا، وَيَقُولُونَ: أَجود الْعَرَب ثَلَاثَة، وشجعانهم ثَلَاثَة، وَنَحْو ذَلِك. وَمَعْلُوم أَنه كَانَ فيهم من الأجواد والشجعان أَكثر من هَذَا الْعدَد، فَيمكن أَن يكون عمر جرى على قَول الْعَرَب فِي هَذَا.
اشتقاق " الصُّبْح " من الصباحة، وَهِي الْجمال وَالْحسن، سمي بذلك لأشراقه، وَيجوز أَن يكون من قَوْلهم: شَيْء أصبح إِذا كَانَ فِيهِ بَيَاض وَحُمرَة، فَيكون قد سمي بذلك للبياض الَّذِي تخالطه الْحمرَة فِي أول النَّهَار.
[ ٤٠ ]