وَقَوله: " رأى من فزعهم ". تَقْدِيره على مَذْهَب أبي الْحسن الْأَخْفَش: وَقد رأى فزعهم، وَمن زَائِدَة. وَقَوله: " فَلم يزل يهدئه كَمَا يهدأ الصَّبِي "
فقد رُوِيَ بتَشْديد الدَّال، وَقد يجوز: يهدئه كَمَا يهدأ الصَّبِي، بِسُكُون الْهَاء وَتَخْفِيف الدَّال وهما لُغَتَانِ. هدأت الصَّبِي وأهدأته، كَمَا يُقَال: " كرمت الرجل، وأكرمته " ٠٨) .
وَرَوَاهُ قوم " كَأَنِّي مهدا " بِفَتْح الْمِيم وَالنّصب على الظّرْف أَي: كَأَنِّي بعد هدإ من اللَّيْل نَحْو من ثلثه.
وَفِي حَدِيث خباب بن الْأَرَت ﵁: " شَكَوْت إِلَى رَسُول الله - ﷺ َ - حر الرمضاء فَلم يشكنا ".
هَذِه اللَّفْظَة من الأضداد. يُقَال: أشكيت الرجل إِذا أحوجته إِلَى أَن يشكو. وأشكيته إِذا اشْتَكَى إِلَيْك فأزلت عَنهُ مَا يشكوه. وَقد اخْتلف فِي معنى قَوْله: " اشتكت النَّار ". فَجعله قوم حَقِيقَة، وَقَالُوا: إِن الله تَعَالَى قَادر على أَن ينْطق كل شَيْء
[ ٤٧ ]
بِمَا شَاءَ. وحملوا جَمِيع مَا ورد من هَذَا وَنَحْوه فِي الْقُرْآن والْحَدِيث على ظَاهره. وَهُوَ الْحق وَالصَّوَاب إِن شَاءَ الله. وَذهب قوم إِلَى أَن هَذَا كُله مجَاز، وَمَا تقدم هُوَ الْحق.
و" الفيح " انتشار الْحر وسطوعه. وَمعنى " الْإِبْرَاد " تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى أَن يسكن الْحر. وَيُقَال: أبرد الْقَوْم إِذا برد عَلَيْهِم الْوَقْت وانكسرت عَنْهُم شدَّة الْحر. وَمعنى قَول الْفُقَهَاء: " تتاب من الْبعد ". أَي يقْصد. وَذكر قَوْله: " يؤذينا برِيح الثوم "
هَكَذَا الرِّوَايَة بِإِثْبَات الْيَاء وَهُوَ الصَّحِيح، وَلَا يجوز فِي مثل هَذَا الْجَزْم على جَوَاب النَّهْي فِي قَول سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه، وَمثله قَوْلهم: " لَا تدن من الْأسد يَأْكُلك " فَإِن الْكسَائي يجوز فِي هَذَا الْجَزْم، وَهُوَ غلط لِأَنَّهُ يصير تباعده عَن الْأسد سَببا لأكل الْأسد إِيَّاه. وَكَذَلِكَ يصير تباعدهم عَن الْمَسْجِد سَببا لإذايتهم لَهُ برِيح الثوم، وَلَيْسَ هَذَا موضعا للتطويل فِي التَّرْجِيح بَين الْقَوْلَيْنِ.
[ ٤٨ ]
وَقَوله: " جبذ " وجذب جذبا وجبذا بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: " عَن فِيهِ "
الْمَشْهُور فِي هَذِه اللَّفْظَة أَن تسْتَعْمل فِي حَال إفرادها بِالْمِيم فَيُقَال: فَم وَمن الْعَرَب من يضم الْفَاء وَمِنْهُم من يكسرها، فَإِذا أضيفت اسْتعْملت بحروف اللين فَيُقَال: فوه وفاه وَفِيه، وَرُبمَا استعملوهما فِي حَال الْإِضَافَة بِالْمِيم.
قَالَ الراجز:
(كالحوت لَا يرويهِ شَيْء يلقمه يصبح ظمآن وَفِي الْبَحْر فَمه)
وَذكر قَول الشَّافِعِي ﵁: إِن الْبَاء عِنْده للتَّبْعِيض، قَالَ: وَهَذَا خطأ، وَإِنَّمَا الْبَاء للإلصاق، وَمَا قَالَه الشَّافِعِي غير مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب.
وَمعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ألصقوا الْمسْح برؤوسكم، وَيجوز أَن تكون زَائِدَة للتَّأْكِيد كَالَّتِي فِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ .
[ ٤٩ ]
وَحكى قَول مَالك ﵁ فِي إِدْخَال الْمرْفقين فِي الْوضُوء، فَقَالَ: وحجته قَوْله تَعَالَى: ﴿من أنصارى إِلَى الله﴾ و﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ . فَمَا بعد إِلَى فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ دَاخل فِيمَا قبلهمَا، وَهِي بِمَنْزِلَة مَعَ.
وَحجَّة من قَالَ بِخِلَاف مَالك قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى الَّيْلِ﴾ وَاللَّيْل غير دَاخل فِي الصّيام.
وَالْقَوْل الأول أرجح لِأَن مَا بعد إِلَى إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يدْخل فِيمَا قبلهَا إِذا كَانَ من غير جنسه، وَأما إِذا كَانَ من جنسه فَإِنَّهُ إِن يكون دَاخِلا فِيمَا قبله حَتَّى يقوم دَلِيل على غَيره. [" الْوضُوء " بِضَم الْوَاو، وَبِفَتْحِهَا المَاء، وَهُوَ قَول مَشْهُور عَن الْكُوفِيّين. وَأما سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه فَقَالُوا بِالْفَتْح فِي الْمصدر وَالْمَاء جَمِيعًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْوضُوء بِالضَّمِّ لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاس قاسه النحويون.
و" الِاسْتِجْمَار " التمسح بالأحجار وَهِي الْجمار، وَبِه سميت أَحْجَار مَكَّة، وَيُقَال: جمر الرجل تجميرا، إِذا رمى بالجمار، وَوَاحِدَة الْجمار جَمْرَة.
و" الاستنثار "
[ ٥٠ ]
أَخذ المَاء بالأنف، وَهُوَ مُشْتَقّ من النثرة وَهِي الْأنف. كَأَنَّهُ أَخذ المَاء بالنثرة، فَهُوَ على هَذَا بِمَنْزِلَة الِاسْتِنْشَاق سَوَاء.
وَقيل: الاستنثار رمي المَاء من الْأنف بعد استنشاقه وَهُوَ استفعال من قَوْلهم نثرت الشَّيْء نثرا، إِذا رميته مُتَفَرقًا. وَهَذَا القَوْل أشبه بالاستنثار الْمَذْكُور فِي الْوضُوء، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي - ﷺ َ -: " إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليستنشق بمنخره من المَاء، ثمَّ لينثر " فَدلَّ هَذَا على أَن الاستنثار غير الِاسْتِنْشَاق.