وَذكر خفض الأرجل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فَقَالَ فِي ذَلِك قَولَانِ: زعم قوم أَنه خفض على الْجوَار، وَقيل: إِن الأرجل معطوفة على الرؤوس على مَا يَنْبَغِي من الْعَطف. فَإِن قيل: كَيفَ يَصح عطفها على الرؤوس، والرؤوس ممسوحة والأرجل مغسولة؟ فَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن كِلَاهُمَا مقنع.
[أَحدهمَا]: أَن الْعَرَب قد تعطف الشَّيْء على الشَّيْء وَإِن اخْتلف
[ ٥١ ]
مَعْنَاهُمَا. إِذا كَانَ لَهما وَجه يَجْتَمِعَانِ فِيهِ كَقَوْل الراجز:
(شراب ألبان وتمر وأقط )
وَالتَّمْر والأقط يؤكلان وَلَا يشربان، ولكنهما قد اجْتمعَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا غذَاء يتغذى بِهِ. وَكَذَلِكَ قَول الآخر:
(يَا لَيْت زَوجك قد غَدا مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَالرمْح لَا يتقلد، لَكِن الرمْح قد يُشَارك السَّيْف فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَحْمُول. فَكَذَلِك الأرجل والرؤوس، وَإِن اخْتلفت فِي أَن بَعْضهَا مغسول، فقد اتّفقت فِي أَن الْغسْل وَالْمسح كِلَاهُمَا طَهَارَة.
وَالْآخر: أَن وَاو الْعَطف إِنَّمَا تشرك الثَّانِي مَعَ الأول فِي نوع الْفِعْل وجنسه، لَا فِي كيفيته وَلَا فِي كميته، فَلَمَّا كَانَت الْوَاو توجب الشّركَة فِي نوع الْفِعْل وجنسه، وَا فِي كميته، وَكَانَ الْغسْل والنضح كِلَاهُمَا يُسمى مسحا، عطفت الأرجل على الرؤوس، وَإِن اخْتلفت الكيفيتان والكميتان.
وَإِنَّمَا غلط من غلط فِي هَذَا لما سمعُوا النَّحْوِيين يَقُولُونَ: الْوَاو تشرك الأول مَعَ الثَّانِي لفظا وَمعنى، ظنُّوا أَنه يلْزم من ذَلِك تساويهما فِي الكمية والكيفية. وَذكر: " إِذا نَام أحدكُم مُضْطَجعا "
[ ٥٢ ]
ويروى " مضجعا " وهما لُغَتَانِ، وحكيت لُغَة أُخْرَى " مطجع " بطاء. ولغة رَابِعَة شَاذَّة " ملطجع " بِاللَّامِ والطاء غير الْمُعْجَمَة.
و" الكعبان " عِنْد الْعَرَب العقدتان اللَّتَان فِي أَسْفَل السَّاق عَن يَمِين الْقدَم وشمالها. وكعوب الفتاة نهدها، وَمن ذهب إِلَى أَن الْكَعْبَة فِي ظُهُور الْقدَم فقد أَخطَأ.
و" الطّهُور " مَفْتُوح الطَّاء سَوَاء أردْت بِهِ الْمصدر أَو المَاء. وَيُقَال للإناء الَّذِي يتَطَهَّر مِنْهُ: مطهرة بِكَسْر الْمِيم لِأَنَّهُ آلَة للْمَاء، وَالْغَالِب على الْآلَات كسر الْأَوَائِل نَحْو: المحلب: للقدح الَّذِي يحلب فِيهِ، والمكتل: للقفة والمفتح.
وَيُقَال: مطهرة بِفَتْح الْمِيم و[ضمهَا] [لِأَنَّهَا مَكَان للْمَاء قد تضمنه فَهِيَ جَارِيَة مجْرى الْأَمْكِنَة، وَالْمَكَان إِذا جَاءَ على صِيغَة مفعل من الثلاثي، كالمقعد، وَالْمذهب.
وَيُقَال: طهرت الْمَرْأَة وطهرت بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا] إِذا انْقَطع عَنْهَا الدَّم فَهِيَ طَاهِر بِغَيْر هَاء، فَإِذا أردْت الطَّهَارَة من الْعُيُوب قلت: طَاهِرَة بِالتَّاءِ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّمَا ذَلِك لِأَنَّهَا مُنْفَرِدَة بِالطُّهْرِ من الْحيض لَا يشركها فِيهِ الذّكر فَلم يحْتَج إِلَى فرق بَينهَا وَبَين الذّكر. وتشترك مَعَه فِي الطَّهَارَة من الْعُيُوب. وَهَذَا خطأ عِنْد الْبَصرِيين لأَنا قد وجدنَا صِفَات كَثِيرَة يشْتَرك فِيهَا الْمُذكر والمؤنث، فَلم يفرقُوا بَينهمَا كامرأة عاشق، وجمل ضامر، وناقة ضامر. وَالْقَوْل عِنْد الْبَصرِيين فِي هَذَا أَن مَا جَاءَ من صِفَات الْمُؤَنَّث بِالْهَاءِ
[ ٥٣ ]
فَهُوَ مبْنى على الْفِعْل، وَمَا جَاءَ مِنْهُ بغَيْرهَا فَإِنَّهُ على معنى النّسَب. وَقَوله [﵇]: " الْحل ميتَته "
يُقَال: حل وحلال كَمَا يُقَال فِي ضِدّه: حرم وَحرَام، وَيُقَال فِي الْحَيَوَان: ميتَة، وَفِي الأَرْض: ميت بِغَيْر هَاء. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن يكون ميتَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَى بلد ميت﴾ .
[وَمعنى " سكبت " صبَّتْ] .
و" أصغى " أمال، وكل شَيْء أملته، فقد أصغيته.
و" الركب " جمع رَاكب، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْإِبِل.
" القلس " بِسُكُون اللَّام مصدر قلس يقلس إِذا خرج من فِيهِ وَخَلفه شَيْء مِمَّا فِي جَوْفه، طَعَاما كَانَ أَو مَاء، فَإِذا أردْت اسْم الشَّيْء الْخَارِج [قلت] قلس، مثل الْهدم يُرِيد الْمصدر وَالْهدم اسْم الشَّيْء الْمُتَهَدِّم.
[ ٥٤ ]
وَأما " الْقَيْء " فَيكون الْمصدر من قاء يقيء، وَيكون الشَّيْء الَّذِي يتقيىء بِلَا فرق بَينهمَا فِي اللَّفْظ. وَهَذَا مِمَّا سمي بِهِ الشَّيْء بِفِعْلِهِ الَّذِي يَفْعَله كَقَوْلِهِم للعين: طرف ولحظ، وللأذن: سمع، وَإِنَّمَا تَعْنِي فِي الْحَقِيقَة مصَادر من قَوْله: طرف، ولحظ، وَسمع.
" الصَّهْبَاء " أَرض بِجِهَة خَيْبَر، والصهباء: بِئْر لبني سعد، والصهباء: بِئْر أَيْضا لسعد بن أبي وَقاص.
، و" السويق " طَعَام يتَّخذ من قَمح أَو شعير ثمَّ يدق [فَيكون] شبه الدَّقِيق، فَإِذا احْتِيجَ إِلَى أكله ثرد، أَي بل بِمَاء وَلبن أَو رب وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ قوم: هُوَ الكعك.
" أبنت " الرجل تأبينا، إِذا مدحته بعد مَوته، وأبنته: إِذا اتهمته [بِسوء] [من الْأَفْعَال] .
" الاستطابة " الِاسْتِنْجَاء. يُقَال: استطاب الرجل استطابة وأطاب إطابة. وَقَوله ﵇: " أَو لَا يجد أحدكُم ثَلَاثَة أَحْجَار؟ ". هَذِه الْوَاو عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَأَصْحَابه وَاو الْعَطف دخلت عَلَيْهَا ألف
[ ٥٥ ]
الِاسْتِفْهَام، فأحدثت فِي الْكَلَام ضربا من التَّقْرِير، وَقد يكون الِاسْتِفْهَام الَّذِي لَا تَقْرِير فِيهِ، وَقد يحدث فِي الْكَلَام معنى التوبيخ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم﴾ فَهِيَ تسْتَعْمل على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: تَقْرِير الْمخبر على بعض مَا أخبر بِهِ.
وَالثَّانِي: عطف كَلَام الْمُخَاطب على كَلَام الْمُحدث.
وَأما التَّقْرِير فَمثل أَن تَقول: جَاءَ زيد وَقَالَ لي كَذَا. فَيَقُول [لَهُ] الْمُخَاطب: أَو قَالَ لَك هَذَا؟ فيستفهمه عَن بعض كَلَامه وَيتْرك بعضه.
وَأما الْعَطف فكقول الْقَائِل: جَاءَنِي زيد. فَيَقُول الْمُخَاطب: أَو قَامَ كَأَنَّهُ زَاد عطف الْقيام على الْمَجِيء الَّذِي نطق بِهِ الْمخبر فَلم يكن مِنْهُ على ثِقَة فاستفهمه عَنهُ، وَقد يكون على ثِقَة فاستفهمه على جِهَة التَّقْرِير والتوبيخ وَنَحْو ذَلِك من الْمعَانِي.
وَقَوله [﵇] " وَإِنَّا إِن شَاءَ الله ". فِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن يكون أَرَادَ لاحقون فِي الْإِيمَان لَا فِي الْمَوْت توقيا من الْفِتْنَة فِي الدّين كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز حاكيا عَن نبيه وخليله إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿واجنبنى وَبنى أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ وَكَذَلِكَ عَن يُوسُف الصّديق [صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ]: ﴿توفنى مُسلما وألحقنى بالصالحين﴾ .
[ ٥٦ ]