قَالَ: هَكَذَا وَردت الرِّوَايَة من طَرِيق عبيد الله وَجَمَاعَة من رُوَاة الْمُوَطَّأ. وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن بكير: " أَوْقَات الصَّلَاة ". وَكِلَاهُمَا صَحِيح، إِلَّا أَن أوقاتا جمع لأدنى الْعدَد، وَهُوَ مَا دون الْعشْرَة. فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن أدنى الْعدَد هَاهُنَا أشبه وأليق بِهَذَا الْموضع لِأَن أَوْقَات الصَّلَاة خمس، فرواية ابْن بكير أحسن من رِوَايَة عبيد الله وَمن تَابعه؟ فَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن:
[ ٣٣ ]
أَحدهمَا: أَن الْجمع الْكثير قد يسْتَعْمل مَكَان الْجمع الْقَلِيل، كَمَا يسْتَعْمل الْقَلِيل فِي بعض الْمَوَاضِع مَكَان الْكثير. فقد حكى الْخَلِيل وَغَيره أَنهم رُبمَا قَالُوا: ثَلَاثَة كلاب وَالْقِيَاس أكلب،، وكما قَالُوا فِي جمع يَوْم: أَيَّام. فأوقعوها للكثير والقليل. وَلَا جمع ليَوْم غَيرهَا. وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿وهم فِي الغرفات آمنون﴾ . فأوقع الغرفات للكثير لِأَن غرفات الْجنَّة لَا نِهَايَة لَهَا. وَلَا خلاف بَينهم فِي أَن الْجمع السَّالِم حكمه أَن يكون للقليل وعَلى هَذَا حملُوا قَول حسان: [بن ثَابت]:
(لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من بحره دَمًا)
فأوقع الجفنات والأسياف للعدد الْكثير، لِأَن هَذَا مَوضِع افتخار لَا يَلِيق بِهِ الْجمع الْقَلِيل، فَهَذَا أحد الجوابين.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: إِن أَوْقَات الصَّلَاة وَإِن كَانَت خَمْسَة، فَإِنَّهَا تَتَكَرَّر فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وتتوالى، فَصَارَت كَأَنَّهَا كَثِيرَة وَإِن كَانَت خَمْسَة. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: شموس وأقمار، وَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا شمس وَاحِدَة، وقمر وَاحِد. فجمعوهما لأجل ترددهما مرّة بعد مرّة.
وَيجوز أَن يُقَال: إِن هَذِه الصَّلَوَات الْخمس تعدل خمسين صَلَاة، لِأَنَّهَا فرضت فِي أول أمرهَا خمسين، ثمَّ ردَّتْ إِلَى خمس تَخْفِيفًا على
[ ٣٤ ]
الْعباد وَجعل أجرهَا وثوابها كثواب الْخمسين. " أَلَيْسَ قد علمت " كَذَا جَاءَت الرِّوَايَة وَهِي جَائِزَة إِلَّا أَن الْمَشْهُور فِي [الِاسْتِعْمَال الفصيح] أَلَسْت للمخاطب، وَإِنَّمَا يُقَال، أَلَيْسَ للْغَائِب. وَقَول جِبْرِيل ﵇: " بِهَذَا أمرت ".
روينَاهُ بِفَتْح التَّاء، أَي: بِهَذَا أَمرك رَبك، وَمن رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَهُوَ إِخْبَار عَن نَفسه، أَي: بِهَذَا أَمرنِي رَبِّي أَن أعلمك. " أَو إِن جِبْرِيل "
[الْوَجْه] كسر إِن هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَوضِع يصلح فِيهِ الِاسْم وَالْفِعْل أَلا ترى أَنه قد كَانَ يجوز لَهُ أَن يَقُول: " [أَو جِبْرِيل] هُوَ الَّذِي أَقَامَ " وَكَانَ يجوز [أَن يَقُول]: " أَو أَقَامَ جِبْرِيل " وكل مَوضِع يصلح فِيهِ اسْتِعْمَال الِاسْم تَارَة وَالْفِعْل تَارَة فَإِن فِيهِ مَكْسُورَة، فَإِذا انْفَرد الْموضع بِأَحَدِهِمَا فَأن فِيهِ مَفْتُوحَة كَقَوْلِك: بَلغنِي أَنَّك قَائِم. فَهَذَا مَوضِع لَا يصلح فِيهِ إِلَّا الِاسْم كَأَنَّهُ قَالَ: بَلغنِي قيامك. وقولك:
[ ٣٥ ]
لَو أَن زيدا جَاءَنِي لأكرمته، فَهَذَا مَوضِع لَا يصلح فِيهِ إِلَّا الْفِعْل. وَالشَّمْس فِي حُجْرَتهَا، قبل أَن تظهر ".
يُقَال: ظهر الرجل فَوق السَّطْح، وظهره إِذا علاهُ، وَإِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا علا فَوْقه ظهر شخصه لمن يتأمله. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه﴾ . وَيُقَال: ظَهرت من الْمَكَان إِذا خرجت مِنْهُ، وَيُقَال: ظهر مِنْك الشَّيْء إِذا زَالَ وَذهب، وَهُوَ رَاجع إِلَى مَا ذكر. فَمَعْنَى قَوْله: " وَالشَّمْس فِي حُجْرَتهَا قبل أَن تظهر " أَي تخرج عَنْهَا وترتفع وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ: مَعْنَاهُ [قبل] أَن يظْهر الظل على الْجِدَار وَهُوَ نَحْو مِمَّا ذكر. وَالْقَوْل الْمُتَقَدّم أليق بِلَفْظ الحَدِيث لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: " تظهر " يرجع إِلَى الشَّمْس وَلم يتَقَدَّم للظل فِي الحَدِيث ذكر.
إِن كل بِنَاء أحَاط بِهِ حَائِط فَهُوَ حجرَة وَهُوَ مُشْتَقّ من قَوْلهم: حجرت الشَّيْء إِذا منعته، وَحجر الْقَمَر إِذا صَارَت حوله دارة سميت بذلك لِأَنَّهَا تمنع من دَخلهَا من أَن يُوصل إِلَيْهِ وَمن أَن يرى. وَيُقَال لحائط الْحُجْرَة الحجارية.
[ ٣٦ ]