وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل قَوْله - ﷺ َ -: " يَا مُقَلِّب الْقُلُوب قلب قلبِي على طَاعَتك ".
وَالْوَجْه الآخر: أَن الْعَرَب قد تشبه " إِن " الَّتِي للشّرط ب " إِذا "، كَمَا تشبه " إِذا " فِي بعض الْمَوَاضِع ب " إِن " لِأَن " إِذا " تضارع " إِن " فِي أَنَّهَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب. والشيئان إِذا تضارعا، فقد يحمل كل وَاحِد على صَاحبه. فمما شبهت فِيهِ " إِن " ب " إِذا " قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن شَاءَ الله آمين﴾ وَمِمَّا شبهت فِيهِ " إِذا " ب " إِن " قَول أَوْس بن حجر:
(إِذا أَنْت لم تعرض عَن الْجَهْل والخنا )
(أصبت حَلِيمًا أَو أَصَابَك جَاهِل )
وإعراضه عَن الْجَهْل مِمَّا يُمكن أَن يكون، وَيُمكن أَلا يكون. وَهَذَا من مَوَاضِع " إِن " لَا من مَوَاضِع " إِذا "، لِأَن " إِذا " إِنَّمَا بَابهَا أَن تسْتَعْمل فِي الْأُمُور الَّتِي وُقُوعهَا مَضْمُون كَقَوْلِه: إِذا احمر الْبُسْر فأتني، وَإِذا كَانَ اللَّيْل فألقني.
و" الفرط " والفارط الَّذِي يقدمهُ الْقَوْم أمامهم إِذا أَرَادوا ورد المَاء ليصلح لَهُم الأرشية، ويمد الْحَوْض، ويستقي المَاء، يضْرب مثلا لكل من تقدم، وَمِنْه فِي الدُّعَاء على الطِّفْل: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا فرطا " أَي: أجرا نرد عَلَيْهِ.
[ ٥٧ ]
و" الْغرَّة " بَيَاض فَوق الدِّرْهَم يكون فِي وَجه الْفرس، فَإِذا كَانَ أقل فَهِيَ قرحَة.
و" التحجيل " بَيَاض يبلغ نصف الوظيف أَو ثلثه أَو ثُلثَيْهِ بعد أَن يتَجَاوَز الأرساغ وَلَا يبلغ الرُّكْبَتَيْنِ والعرقوبين، وَلَا يكون التحجيل وَاقعا بيد أَو يدين حَتَّى يكون مَعَهُمَا أَو مَعهَا رجلَانِ [أَو رجل] .
و" البهم " الشَّديد الخضرة حَتَّى تشبه السوَاد، والبهم جمع بهيم وَهُوَ الَّذِي لَا شية بِهِ وَلَا وضح أَي لون كَانَ. وَالْأَصْل بهم فسكن لتتابع الضمتين، كعنق وعنق.
" فليذادن " فليدفعن، وَاللَّام لَام الْقسم فَإِنَّهُ قَالَ: " وَالله ليذادن " أَي أَن هَذَا سَيكون لَا محَالة. وَكَذَلِكَ كل فعل مضارع تدخل أَوله هَذِه اللَّام مَعَ النُّون الثَّقِيلَة، أَو الْخَفِيفَة فَإِنَّمَا هُوَ على نِيَّة الْقسم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا﴾ [و﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم﴾] ويروى: " فَلَا يذادن " على معنى النَّهْي، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب قد توقع النَّهْي عَن الْفِعْل ومرادها غَيره، إِذا كَانَ أحد الْفِعْلَيْنِ مُتَعَلقا بِالْآخرِ، يُوجد بِوُجُودِهِ ويرتفع بارتفاعه. فَتَقول للرجل: لَا يضربنك، وَلَا يأكلنك الْأسد، أَي: لَا
[ ٥٨ ]
تتعرض لذَلِك، بِأَن تفعل فعلا يؤديك إِلَيْهِ. وَمن هَذَا الْبَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فَلَيْسَ الْمَوْت بِفعل لَهُم فينتهوا عَنهُ، وَلكنه السَّبَب الَّذِي من أجل توقعه يجب على الْإِنْسَان أَن يثبت على الْإِسْلَام، وَيقدم الْأَعْمَال المرضية. وَالْمعْنَى: لَا يجدنكم الْمَوْت إِذا جَاءَ إِلَّا على هَذِه الْحَالة.
وَقَوله: " هَلُمَّ " هَذِه الفصيحة القرشية، لَا يلحقون ضمير الِاثْنَيْنِ وَلَا الْجَمَاعَة وَلَا الْمُؤَنَّث ويدعونها مُفْردَة فِي كل حَال لِأَنَّهَا مركبة من " هَاء " الَّتِي هِيَ للتّنْبِيه و" لم " الَّتِي بِمَعْنى الْأَمر. وعَلى هَذِه اللُّغَة جَاءَ الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ . وَبَنُو تَمِيم يجرونها مجْرى الْفِعْل، فَيَقُولُونَ: " هَلُمَّ " للمفرد الْمُذكر و" هلما يَا رجلَانِ " و" هلموا يَا رجال " و" هَلُمِّي يَا امْرَأَة " و" هلمين يَا نسَاء ".
و" السحق " الْبعيد مضموم الْحَاء وبإسكانها لُغَتَانِ.
و" المقاعد " مصاطب كَانَت حول الْمَسْجِد يقْعد عَلَيْهَا. وَقيل: كَانَت حِجَارَة بِقرب دَار عُثْمَان يقْعد عَلَيْهَا، وَاحِدهَا مقْعد، والمقعد اسْم لكل
[ ٥٩ ]
مَكَان يقْعد فِيهِ، فَإِذا كَانَ مَكَانا يُقَام فِيهِ على الْأَقْدَام قيل لَهُ مقَام وَقد يُسمى مقْعدا. قَالَ الله جلّ ذكره: ﴿مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ . وَقيل: معنى المقاعد هَاهُنَا أَعنِي فِي الْآيَة من قَوْلك: قعد فلَان لفُلَان، إِذا أعد لَهُ مَا يقْعد عَلَيْهِ. وَقد يجوز أَن تكون المقاعد فِي الْآيَة من قَوْلهم: قعد على الْفرس والناقة واقتعدهما إِذا ركبهما. وَيُقَال للْفرس الَّذِي يتَّخذ للرُّكُوب قعدة. " فآذنه بِصَلَاة الْعَصْر وأعلمه بِحُضُور وَقتهَا ". آذنته بِالْأَمر، إِيذَانًا أَي أعلمته.
و" الزلف " السَّاعَات وَاحِدهَا زلفة، وَسميت بذلك من الازدلاف، وَهُوَ الْقرب والساعات يقرب بَعْضهَا من بعض ويتصل بِهِ، والزلفى إِلَى الله تَعَالَى: القربي إِلَيْهِ وَمِنْه الْمزْدَلِفَة.
و" الأشفار " حُرُوف الأجفان [وأطرافها الَّتِي بنيت عَلَيْهَا الشفر واحدتها شُفْرٌ وشَفْر وشَفْرُ كل شَيْء حرفه] وَكَذَلِكَ شفيره.
وَمِنْه شفر الرَّحِم، وشفير الْوَادي، وَقد يُسمى الشّعْر النَّابِت على الشفر شفرًا [سمي] بمنبته من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم الشَّيْء إِذا كَانَ مِنْهُ بِسَبَب. كَقَوْلِهِم للْمَرْأَة ظَعِينَة وَإِنَّمَا الظعينة: الهودج الَّذِي يظعن بهَا فِيهِ وَقيل: بل الظعينة الْمَرْأَة وَسمي الهودج بهَا. وَالظَّاهِر من حَدِيث الصنابجي أَنه أَرَادَ
[ ٦٠ ]