تَأليفُ
الإمام القاضي بَدر الدِّين الدّماميني
أَبي عَبْدِ اللهِ محَّمدِ بْنِ أَبي بَكرِ بنِ عُمَرَ القُرشِيِّ المَخزُومِيِّ الإسكَندَرَاني المَالِكِيِّ
[ مقدمة / ٨٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثِقَتِي بِاللهِ
يقول العبد الفقير إلى المولى الغَنِيّ، محمدُ بنُ أبي بكرٍ المخزوميُّ الدمامينيُّ، عامله الله بلطفه الخَفِيِّ، وبرِّه الحَفِيِّ:
أمّا بعد:
فهذه رسالة سميتها بـ:
"الفتح الرباني في الرد على التبياني"
حملني على كتابتها: أني لما وفدت (١) الوفادة الثانية في العشر الأول من المحرم سنة ثنتين وعشرين وثمانمائة على حضرة السلطان أبي الفتح أحمد شاه -أعز الله أنصاره-، وجدت هنالك شخصًا يُعرف بمنهاج التبياني -أسأل الله أن يبصِّره بمواقع رشده- اعترض على تعليقي على البخاري -المسمى بـ: "مصابيح الجامع"- أربعة عشر اعتراضًا، فكتبت هذه الرسالة للرد عليه، فأقول:
* المكان الأول: قال شيخنا سراجُ الدين بنُ المُلَقِّن - ﵀ - في
_________________
(١) في الأصل: "وافدت"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٨٥ ]
شرحه للبخاري، -وهو مما رويته عنه- إيراده لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنيات" الذي ابتدأ به البخاري باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -؟ ما نصه: "سألني بعض الفضلاء عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا، ولم يذكره مطولًا كما فعل في غيره من الأبواب".
فأجبته في الحال: بأن عمر قاله على المنبر، وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاري ذكره مطولًا في: ترك الحيل، وفيه: أنه خطب به أيضًا.
إلى هذا كلامه.
قلت: فقد طاح جواب الشيخ، وبالله التوفيق (١).
قال مقلد خطباء الهند: جواب الشيخ غير طائح؛ فإن عمر ﵁ لما ذكره على المنبر مرة مختصرًا، وطورًا مطولًا، ومقصوده: التبرك، والاقتداء بعمر، دون البيان المشبع؛ إذ الباب لم يترجم له، اختار التأسِّيَ بما هو أخصَرُ، وهذا لا غبارَ عليه.
وأقول: هذا توجيه لفعل البخاري، لا تصحيح لجواب الشيخ، والكلام في الثاني، لا في الأول.
وبيانه: أن السائل سأل عن العلة المقتضية لاختصاصه المختصرَ بالذكر في هذا المحل الخاص، وإرادة التأسي لا تصح بمجردها (٢) جوابًا لذلك؛ إذ التأسي يحصل بكل من الطريقين، فلا بد من ذكر الراجح لاختصاص المختصَرِ بالذكر، والشيخ لم يتعرض لذلك في جوابه أصلًا، ونحن لا ننكر أن ثَمَّ مرجِّحًا في نفس الأمر لتخصيص المختصر بالذكر هنا،
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ١٩).
(٢) في الأصل: "مجردها"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٨٦ ]
لكن بإهماله في الجواب عن إبداء الباعث على التخصيص يصير الجواب طائحًا بلا شك.
وقد ذكرت في تعليقي المشار إليه: أن المرجِّحَ هو كونُ التخفيف في الخطبة مطلوبًا، والبخاري لم يورده على أنه كما ترجم الباب له، وإنما أورده مورد الخطبة -على ما قاله ابن بطال-، فاقتضت المناسبة ذكره بالطريق التي وقع فيها مختصرًا، ومن هذا أخذ المعترض كلامه، وأورده، لكنه لا يصح اعتراضًا على ما قلناه، والله الموفق.
* * *
* المكان الثاني: قول عائشة - ﵂ -: "ولقد رأيتُه ينزلُ عليه الوحيُ في اليوم الشديدِ البردِ، فيفصِمُ عنهُ وإنَّ جبينَه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا".
وقع في تعليقي: أن الواو حالية، والجملة المُنتَظِمة من هذا مع ما بعده حال، إمَّا من ضمير الرفع أو الجر في قولها: "فيفصم عنه" (١).
قال مقلد خطباء الهند: هذا بعيد؛ إذ يصير المعنى على الأول: فيفصم الوحي حالَ كونِ جبينِ الوحيِ متفصِّدًا، وهو -كما يرى- قليلُ الجدوى.
وأقول: ليس في جعل الحال من الضمير العائد إلى الوحي ما يقتضي أن يكون الضمير المضاف إليه الجبين عائدًا إلى الوحي حتى يعترض بهذا الكلام، وإنما يلزم ذلك أن لو كان كل جملة حالية لا بدَّ من اشتمالها على ضمير ذي الحال، وليس كذلك؛ بدليل الجملة المقترنة بالواو، اسمية كانت؛ نحو: جاء زيد والشمسُ طالعة، أو فعلية؛ نحو: خرج بكر وقد ركب الأمير، والحال هنا جملة اسمية مقرونة بالواو، فلا يحتاج أن يكون فيها ضمير
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٨).
[ مقدمة / ٨٧ ]
يعود على صاحب الحال، فسقط هذا الاعتراض.
ثم قال: ولو جعل الضمير للنبي - ﷺ -؛ أي: حالَ جبينِ النبيِّ متفصدًا، يَرِدُ ما يَرِدُ في الوجه الثاني.
وأقول: سنتبين أن ما يرد في الوجه الثاني نلتزمه، فلا عبرة إذن لهذا الاعتراض.
وقوله: وحال جبين النبي متفصدًا، كذا هو بخطه، وكأنه سقط منه لفظ: كون؛ أي: حالَ كونِ جبينِ النبي متفصدًا.
ثم قال: وعلى الثاني: يكون التفصد قيدًا لـ "يفصم"؛ إذ الحال قيد العامل.
وأقول: هذا مسَلَّم، ولا يضرنا -كما ستقف عليه-.
ثم قال: وهو أبعد من معنى الحديث.
وأقول: هذا ممنوع.
ثم قال: إذ ليس مقصود الراوي الإخبار عن الفصم في هذه الحالة.
وأقول: هذه دعوى لا دليل عليها، وما المانع من أن يكون مقصوده ذلك؟ وأي صادٍّ يصد عنه؟ والإخبار بوقوع الفصم مقيدًا (١) بهذه الحالة فيه إشارة إلى أن ما حدث من تفصُّد العرق مع شدَّة البرد عقيبَ نزول الوحي أمرٌ مخالف للعادة، وأن ذلك أثر ناشيء عن ثقل الوحي الطارئ، وهذا أمر صالح لأن يقصد في الإخبار عنه، فما الدليل على أن الراوي لم يقصده، مع صلاحية اللفظ به، بل ظهوره فيه؛ كما ستراه قريبًا؟
_________________
(١) في الأصل: "مقيد"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٨٨ ]
ثم قال: بل الإخبار عن حدوث هذه الحالة حين يوحَى إليه من ثقل؛ كما يومض إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
وأقول: لا يلزم ثقل الوحي حدوث هذه الحالة حين وروده على جهة التحتم، بل كما يجوز ذلك، يجوز أن تكون هذه الحالة عند انفصامه، فلم يتعين أن يكون ما قاله مقصود الراوي بالإخبار، بل هو أمر جائز، ويترجح ما قلناه بأنه أبعد بلفظ الراوي؛ وذلك لأنه لو كان مقصوده الأخبار عن حدوث تلك الحالة في حين نزول الوحي، لوقع قوله: "فيفصم عنه" غيرَ مفيدٍ كبيرَ فائدة؛ لأن الفصم حينئذ ليس مقيدًا بقيد، ووقوعه أمر قطعي؛ لأنه لا يخفى أن الوحي ليس بأمر دائم لا ينفصل، بل يكون في وقت دون وقت، فانفصاله بعد نزوله أمرٌ مقطوع به؛ فأي فائدة يُقَيَّد بها بعد ذلك في قول الراوي: "فيفصم عنه"؟
أما إذا قيد الفصم بهذه الحالة، فالفائدة في ذكره مقرونًا بها ظاهرة، مع ما في ذلك من الوفاء بالغرض من الإشارة إلى ثقل الوحي -كما قررناه-.
ثم قال: والأوجَهُ: أنه حال عن الضمير المنصوب في "رأيته"؛ أي: رأيته ينزل عليه الوحي حالَ كونِه متفصِّدًا عرقًا.
وأقول: يَرِد عليه: أن ذكر الفصم حينئذ يكون قليل الجدوى -كما قدمناه-، وكان الأليق بقوله: إن مقصود الراوي الإخبار عن حدوث هذه الحالة حين الوحي أن يجعل الجملة حالًا (١) من الوحي الذي هو فاعل "ينزل"، أما لفظًا؛ فلأنَّ الجملة الحالية أقربُ إليه من الضمير المنصوب، وأما معنى، فلأنه أقعدُ بغرضه؛ من حيث إنه يكون حينئذ نصًّا في تقيد نزول
_________________
(١) في الأصل: "حال"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٨٩ ]
الوحي بهذه الحالة؛ بخلاف جعله حالًا من الضمير المنصوب في "رأيته"؛ إذ ليس فيه تنصيص على ذلك، ولكن على كل منهما يلزم عدم الاعتناء بذكر الفصم؛ لأنه حينئذٍ ليس مقيدًا بشيء، وذكره كذلك لا كبيرَ فائدةٍ فيه -كما مر-، فثبت أن الوجه جعله حالًا عن فاعل "يفصم"، أو عن ضمير "عنه" -على ما ذكرناه في التعليق-.
* * *
* المكان الثالث: قوله في بعض طرق حديث السبعة الذين يظلهم الله: "ورجلٌ تَصَدَّقَ بيمينه، أَخْفَى حتى لا تعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُهُ".
قال الزركشي: "أخفى": أفعل تفضيل.
قلت: أحسنُ منه أن يكون فعلًا ماضيًا وقع حالًا (١).
قال مقلد خطباء الهند: جعلُه أفعلَ تفضيلٍ أولى لفظًا ومعنى، أما لفظًا، فلعدم توقف حاليته على إضمار "قد".
وأقول: لا نسلِّم أن حاليته على تقدير كونه فعلًا ماضيًا متوقفة على ما ذكره من إضمار "قد".
فإن قلت: حَسبُه التمسكُ في ذلك بالنقل؛ فقد صرح جماعة من الأئمة بأنه لا بد في الماضي المثبت من "قد" ظاهرة، أو مقدرة، وقد قدرتها أنت في الشرح.
قلت: ليس هذا بمتفق عليه (٢)، والخلاف في المسألة مأثور.
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (٢/ ٣٠١).
(٢) في الأصل: "ثر متفق"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٩٠ ]
ولما ذكر الإمام جمال الدين بن مالك في "شرحه للتسهيل" قولَ من شرط تقدير "قد" في ذلك إن لم تكن ظاهرة، قال: هذه دعوى لا تقوم عليها حجة؛ لأن الأصل عدم التقدير، ولأن وجود الفعل مع "قد" المشار إليها لا يزيد معنى على ما يفهم منه إذا لم توجد، وحق المحذوف المقدر ثبوته أن يدل على معنى لا يفهم بدونه.
فإن قيل: "قد" تدل على التقريب، قلنا: دلالتها على ذلك مستغنى عنها بدلالة سياق الكلام على الحالية. إلى هنا كلامه.
قال الشيخ بدر الدين بن قاسم في "شرحه للتسهيل": وممن ذهب إلى اشتراط "قد" ظاهرةً أو مقدرةً: الفَرَّاء، وأبو علي، والمبرِّد، وجماعةٌ من المتأخرين؛ كالجَزُولي، وابن عُصفور، والأُبَّدي، والمختار: أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لكثرة ما ورد من ذلك. هذا نص كلامه.
وإذا كان كذلك، فللباعث (١) أن يقول بهذا المذهب، ولا يتعين للخصم الترجيح من حيث اللفظ بما ذكره، وما قبله في الشرح في تقدير "قد" ليس على معنى الاختيار له والتزام صحته، وإنما هو مبني على رأي من ذهب إلى ذلك، فلا منافاة بين ما هنالك، وما هنا.
ثم قال: وأما معنًى، فلإفادته المبالغة.
وأقول: إنما يتم هذا أن لو كان الفعل المذكور غيرَ مقيد بما يفيد المبالغة في الإخفاء، والغرض خلافه؛ فإنه قد قيد بقوله: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، فالمبالغة في الإخفاء حاصلة بغير طريق التفضيل؛
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: "وللباحث".
[ مقدمة / ٩١ ]
فإذن لم يكن لجعل "أخفى" أفعلَ تفضيل مرجح معنوي من هذه الجهة يقتضي ترجيحَه على جعله فعلًا ماضيًا، بل نقول: ترجيحُ كونه ماضيًا على كونه اسمَ تفضيل ثابتٌ من جهة المعنى؛ إذ فرقٌ بين قولك: جاء زيد ضاحكًا، وقولك: جاء زيد وقد ضحك، أو: وهو ضاحك؛ من جهة أن الثاني مقيد لاستئناف إثبات الضحك، ولا كذلك الأول، فللجملة مزية على المفرد (١) من هذه الحيثيَّةِ، ذَكره الإمام عبد القادر، ونقله عنه مولانا سعد الدين التفتازاني في "حاشيته على الكشاف".
ثم قال المقلد لخطباء الهند: ولا يقال بأنه لو جُعل أفعلَ تفضيل إنما جُعل من غير الثلاثي، وهو قليل، والحمل على القليل خلاف الأصل؛ لأنا نقول: لا تتوقف صحة الحالية على ذلك، بل يمكن أن يأخذه من غير الثلاثي على أنه حال من الفاعل؛ أي: حالَ كونِ (٢) المتصدقِ مبالغًا في الإخفاء.
وأقول: هذا لا يدفع السؤال بوجه؛ لأنه متى جعل حالًا من الفاعل، لزم أن يكون اسمُ التفضيل مبنيًّا من غير الثلاثي، والسائل قد صرح في سؤاله بأن ذلك قليل، وأن الحمل على القليل خلاف الأصل، فكيف يدفع هذا بمجرد قوله: إنه يمكن أن يؤخذ من غير الثلاثي على أنه حال من الفاعل؟! فانظر هذا الكلام ما أعجبه!
ثم قال: وإن يأخذه من الثلاثي، ويجعله حالًا عن المفعول المحذوف؛ أي: تصدق بشيءٍ حال كونِ ذلك المنفَق أشدَّ خفاء.
_________________
(١) جاء على هامش الأصل: "للجملة مزية على المفرد".
(٢) في الأصل: "كونه"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٩٢ ]
وأقول: هذا منتقَد من وجهين:
الأول: أنه ليس الغرض الإخبار بوقوع التصدق من الفاعل باعتبار تعلقه بما يقع به، وإنما الغرض إثباته لفاعله مطلقًا، من غير اعتبار تعلقه بالمتصدَّق به، فينزل منزلة اللازم، ولا يقدر له مفعول أصلًا، والمعنى: ورجل يفعل التصدق؛ كما تقول: زيد يعطي؛ أي: يفعل الإعطاء، ولا تقدِّر له مفعولًا إذا كان الغرض منه بيانَ كونِ زيدٍ معطيًا؛ من غير نظر إلى ما يعطيه، كذلك هنا، على ما هو مقرر في علم المعاني.
والثاني: أنه قدر الحال نكرة، وجعل الحال مؤخرة عنه، وهو ممتنع على ما عرف في علم النحو.
فإن قلت: إنما قدر الحال مؤخرة؛ لأن صاحبها مجرور، والحال لا تتقدم عليه على الأصح.
قلت: فيلزم أن يكون قولهم: يجب تقديم الحال على صاحبها المنكَّر، مقيدًا بما إذا لم يكن مجرورًا، وأن المجرور النكرة تقع حاله مؤخرة عنه، وهذا يحتاج إلى نقل خاص، ولم أقف عليه (١).
والحاصل: أنه ثبت لنا عنهم نصان:
أحدهما: أن ذا الحال إذا كان نكرة، وجب تقديم حاله عليه.
_________________
(١) جاء على هامش الأصل: "قوله: يحتاج إلى نقل خاص، لا يخفى سقوطه، وإن التصحيح نقل خاص؛ لأن القاعدة: تقدم الحال على صاحبها النكرة، فلما صححوا عدم تقدمها على المجرور منه، فقد علم وتحقق تقيد القاعدة بغير المجرور، فلا معنى لطلب التنصيص عليه، إلا أن يكون المراد بلفظ التقييد، ولا طائل تحته إلا لتصحيح قوله: ولا يحضرني الآن فيه نقل، فينبغي أن يحرر".
[ مقدمة / ٩٣ ]
والآخر: أن ذا الحال المجرور لا يتقدم عليه الحال في الأصح، ولا يمكن العمل بهما معًا إذا كان صاحب الحال نكرة مجرورًا؛ لإفضائه إلى وجوب تقديم الحال، ووجوب تأخيرها في الصورة المذكورة، وهو باطل، والتعارض يمكن دفعه بالتقييد، فهل يتقيد الأول، فيقال: إذا كان ذو الحال نكرة، تقدمت الحال، إلا أن يكون صاحبها مجرورًا، فلا يتقدم، أو يقيد الثاني، فيقال: لا تتقدم الحال على صاحبها المجرور إلا أن يكون نكرة، فتقدم؟
هذا محل نظر، ولا يحضرني الآن فيه نقل، فينبغي أن يحرر.
ثم قال: فلا مرجح في اللفظ.
وأقول: هذا ليس بصحيح، بل المرجِّحُ اللفظي ثابت، وذلك أن كونه فعلًا ماضيًا سالمٌ مما يلزم على كونه اسمَ تفضيل من ارتكاب المنهج القليل، وهو بناؤه من غير ثلاثي، وجعله مصوغًا من الثلاثي مبنيٌّ على كونه حالًا من المفعول المحذوف، وقد بينا أن لا مفعول محذوف أصلًا، فسقط ما قاله.
ثم قال: وبقي الترجيح المعنوي.
وأقول: قد سبق أن الترجيح من الوجه الذي ادعاه بحسب المعنى ساقط؛ لأن المبالغة مستفادة بتقدير كونه أفعلَ تفضيل، وبتقدير كونه فعلًا ماضيًا؛ لوقوعه مقيدًا بالغاية المفيدة للمبالغة في الإخفاء، فلا ترجيح من هذه الجهة، وقد أسلفنا كونه ماضيًا من جهة المعنى؛ بإفادته لاستئناف إثباته الإخفاء؛ بخلاف ما إذا جُعل اسمَ تفضيل، فثبت ترجيح كون "أخفى" فعلًا ماضيًا على كونه أفعلَ تفضيل من جهة اللفظ والمعنى جميعًا، وبالله التوفيق.
* * *
[ مقدمة / ٩٤ ]
* المكان الرابع: قيل لوهب: "أليس لا إله إلا الله: مفتاحَ الجنة؟ "، قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا، لم يفتح لك.
ووقع في تعليقي على هذا المحل: يحتمل أن يكون هذا من قبيل المشاكلة، وإطباق الجواب على السؤال؛ حيث عبر عن الأعمال المنجية بالأسنان؛ كما عبر عن كلمة التوحيد بالمفتاح (١).
قال المقلد لخطباء الهند: هذا (٢) صنعة المشاكلة بمراحل؛ فإن حَدَّها -وهو: ذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته تحقيقًا، أو تقديرًا- لا يصدق عليه.
وأقول: الضمير في "صحبته" عائد إلى "غير" من قولهم: "بلفظ غيره"، فلا بد حينئذ من تحقق مصاحبة ذلك الشيء لغيره الذي عبر بلفظه عن ذلك الشيء، واعتبار ذلك يقتضي كون هذا الحد مدخولًا؛ فإن المشاكلة قد تكون تعبيرًا عن الشيء بلفظ غيره لا لوقوعه في صحبة ذلك الغير، بل في صحبة شيء آخر؛ كما يحكى أنه شهد رجل عند شريح، فقال: إنك لسبط (٣) الشهادة، فقال الرجل: إنها لم تُجَعَّدْ عني، فقال شريح: لله بلادك! وقبل شهادته. فهذا؛ كما صرح العلامة جار الله في "الكشاف" بأنه من المشاكلة.
قال مولانا سعد الدين التفتازاني في "حاشيته على الكشاف": وهذا
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (٣/ ٢٠٢).
(٢) جاء في الهامش: "لعل هنا سقط تقديره: بعيد عن".
(٣) في الأصل: "مسقط"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٩٥ ]
النوع من المشاكلة أبدع وأعجب؛ إذ ليس تعبيره (١) عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير، بل في صحبة ضده. إلى هذا كلامه.
وفيه يقتضي أن الحد الذي ذكره صاحب "التلخيص" وغيره للمشاكلة، وهو معتمَد المعترِض، وعُدَّتُه التي (٢) يعتضد بها، ليس بجامع؛ لخروج هذا النوع من المشاكلة عنه؛ ضرورة أن المعبر عنه بلفظ: "غيره": ما يقع في صحبة ذلك الغير، لا تحقيقًا، ولا تقديرًا.
وقوله: لا يخفى على من له أدنى بصيره بعلم البلاغة: أن في حكاية شريح مصاحبة تقديرية، ليس بصحيح؛ فإن المصاحبة فيها تحقيقية، لا تقديرية، وذلك أنه شبه انقباض الشهادة عن الحفظ، وتأبيها على الذاكرة بتجعد الشعر، فعبر عن الشيء بلفظ غيره، أو المشاكلة فيه باعتبار وقوع التجعد في صحبة السبوط تحقيقًا، مع أن السبوطة ليست نفس التجعد، بل هي ضده؛ إذ المراد بها: استرسال الشعر، وعدم انقباضه، وهو ضد التجعد.
وقول المعترض: "أن معنى سبوطة الشهادة، ومعنى قوله: إنها لم تجعَّد، غير واحد" أمر عجيب، وذلك أن هذا من قبيل المشاكلة كما سلَّمه هو، والمشاكلة لا بد فيها من تغاير معنى اللفظين المتصاحبين، وإلا، فلو اتفقا معنًى، لم يكن ثَمّ تعبير عن الشيء بلفظ غيره، والمشاكلة هنا إنما وقعت باعتبار تجعد الشهادة المصاحب لسبوطها، لا باعتبار عدم تجعد مع السبوطة، وقول الزمخشري: "ولولا سبوطة الشهادة، لامتنع تجعيدها" صريح في ذلك.
_________________
(١) في الأصل: "تعبير"، والصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل: "الذي"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٩٦ ]
وقد استبان لك من هذا كله أن ما بنى عليه المعترِض ردَّه من حدِّ المشاكلة الذي ساقه ساقط.
إذا تقرر ذلك، فنقول: عبَّر وهب عما عدا كلمة الشهادة من الأعمال المنجية بالأسنان على جهة الاستعارة، كما عبّر السائل عن كلمة التوحيد بالمفتاح على جهة الاستعارة؛ طلبًا للمشاكلة والمناسبة، ولولا وجود التعبير بالمفتاح، لما كان لتعبير وهب بالأسنان موقع من المناسبة. كما أن شريحًا (١) لما عبر عن استرسال الشهادة بالسبوطة على طريق الاستعارة أيضًا، وما للمشاكلة (٢)، وهذا ليس فيه إلا أنه غيرُ داخل تحت التعريف المذكور في "التلخيص" وبعض الكتب للمشاكلة، وذلك لا يقدح بعد ما أريناك من أن ثَمَّ من علماء البيان من أطلق المشاكلة على ما لا ينطبق عليه ذلك التعريف.
لا يقال: ما ذكرته من أن هذا مشاكلة مخالفٌ لما ذكره صاحب "التلخيص" والزمخشري جميعًا من أن الأعمال المعبر عنها بلفظ غيرها، وهو الأسنان لم يقع في صحبة ذلك (٣) كما يقول صاحب "التلخيص"، ولا في صحبة الضد كما يراه الزمخشري في مثال شريح؛ لأنا نقول: ليس بمخالف لرأي الزمخشري في التحقيق؛ لأن للوقوع في صحبة المناسب مسوِّغًا لها بطريق الأولى، ومسألتنا من هذا القبيل؛ لما كان المناسبة بين الأسنان والمفتاح. والوقوف عند خصوصية الضد لا يصدر من ذي ذوق سليم ولا نظن
_________________
(١) في الأصل: "شريح"، والصواب ما أثبت.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) كلمة غير واضحة في الأصل.
[ مقدمة / ٩٧ ]
بالزمخشري أنه أراده، وبالله التوفيق.
* * *
* المكان الخامس: قال الزركشي: أراد بالأسنان: القواعد التي بني الإسلام عليها.
ووقع في تعليقي: أن من جملة القواعد: كلمة الشهادة التي عبر عنها بالمفتاح، فكيف يجعل بعد ذلك من أسنان؟ (١)
قال مقلد خطباء الهند: أراد بالقواعد: ما عدا كلمة الشهادة، فلا تناقض.
وأقول: إذا أريد ذلك، فلا إشكال، لكن الأولى التصريح باستثناء ما يوهم طرحه وجود التناقض، والأمر في ذلك قريب.
* * *
* المكان السادس: قوله: "أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ " جوزت فيه نصبَ المفتاح على أنه خبر "ليس"، ورفعَه على أنه اسمها (٢).
قال مقلد خطباء الهند: في مثل هذا المحل أيهما قدمت، فهو الاسم، فالوجهان لا يتأتيان.
وأقول: ليس ذلك بصحيح؛ فقد تحرر في محله: أن الاسم والخبر لهما ثلاث حالات:
إحداها: أن يكونا معرفتين.
والثانية: أن يكونا نكرتين.
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (٣/ ٢٠٢).
(٢) انظر: "مصابيح الجامع" (٣/ ٢٠١).
[ مقدمة / ٩٨ ]
والثالثة: أن يكونا مختلفين.
وهذان القسمان الأخيران لسنا بصددهما؛ فإن الاسم والخبر في مسألتنا معرفتان، وهي الحالة الأولى، والحكمُ فيها: أنه إن كان المخاطب يعلم أحدهما دون الآخر، فالمعلوم الاسم، والمجهول الخبر، فيقال: كان زيد أخا عمرو؛ لمن علم زيدًا، وجهل أخوَّته لعمرو، ويقال: كان أخو عمرو زيدًا؛ لمن يعلم أخا عمرو، ويجهل أن اسمه زيد، وإن كان يعلمهما، ويجهل انتساب أحدهما إلى الآخر، فإن كان أحدُهما أعرفَ، فالمختار جعلُه الاسم، فيقول: كان زيدٌ القائمَ؛ لمن كان سمع بزيد، وسمع برجل قائم، فعرف كلًّا منهما بقلبه، ولم يعلم أن أحدهما هو الآخر، ويجوز قليلًا: كان العالم زيدًا، وإن كان لم يكن أحدهما أعرفَ، فأنت مخيَّر؛ نحو: كان زيد أخا عمرو، وكان أخو عمرٍو زيدًا.
إذا عرفت ذلك، فقد ظهر (١) لك تأتي الوجهين في قوله: "أليس لا إله إلا الله" علم لهذا اللفظ الخاص، و"مفتاح" مضاف إلى "الجنة"، وهي علم لدار النعيم السرمدي -جعلنا الله من أهلها بلا محنة-.
والمضاف بحسب المضاف إليه، فلا يكون أحدهما أعرفَ من الآخر، فهو -ممّا أنت فيه- بالخيار، فلك أن تجعل المقدَّمَ الاسمَ، والمؤخَّرَ الخبرَ، ولك أن تعكس، وتجعل المؤخرَ الاسمَ، والمقدَّمَ الخبرَ، فالوجهان متأتيان بلا إشكال.
وكأن المعترِض نظر إلى قول من قال في باب: المبتدأ والخبر: "إذا كانا معرفتين، وجب الحكم بابتدائية المقدم، وتجعل أن الحكم كذلك مع
_________________
(١) في الأصل: "ظهرت"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ٩٩ ]
وجود الناسخ"، فقال ما قال، وهو وهم؛ فإن الحكم بابتدائية المقدم في باب المبتدأ إنما كان لدفع الإلباس، وهو منتفٍ مع وجود الناسخ، وظهور الإعراب فيهما، أو في أحدهما.
على أن الزجاجي جعل الحكم كذلك مع خفاء الإعراب، فيجوز في قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] أن يكون "تلك" الاسم، و"دعواهم" الخبر، والعكس، وصرح بأن النحويين يجيزون ذلك، وممن (١) ذكر الجواز فيهما: الزمخشري، والتوفيق بيد الله.
ثم مما لا أقضي فيه العجب: أن هذه المسألة مصرَّح بها في المختصر المعروف بـ "الوافي"، قال فيه في: خبر كان وأخواتها: وهو كخبر المبتدأ، لكنه يتقدم في المتساويين في الأمن. هذا نصه، وأمن الإلباس موجود في المسألتين؛ لظهور الإعراب كما عرفت، وهذا المختصر يتداوله طلبة الهند كثيرًا، ويشتغلون به، ولهذا المعترِض به خصوصية؛ فإن والده كتب عليه شرحًا فيما بلغني، فكيف غاب عنه مثلُ هذا، وهو نصب عينيه؟! ولكن زينت له نفسه الاعتراض حبًّا في الظهور، فمال مع الغرض، وحبك الشيء يعمي ويصم.
* * *
* المكان السابع: قول بعض أزواج النبي - ﷺ -: "أينا أسرع بك لحوقًا؟ "، قال: "أطولكن يدًا"، فاختاروا قبضة يذرعونها، فكانت سَوْدَةُ أطولَهن يدًا، فعلمنا -بعدُ- أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا
_________________
(١) في الأصل: "ومما".
[ مقدمة / ١٠٠ ]
لحوقًا به - ﷺ -، فعلمنا أن طول يدها الصدقة.
في تعليقي على هذا المحل: أن المراد باليد: النعمة، وأن بعضهم جوز أن يكون طول اليد كناية.
وحكيت عن بعضهم: أنه استشكل ذلك بأن طول اليد -التي هي الجارحة- لا مناسبة فيه لكثرة الصدقة كالمناسبة في طول النِّجاد لطول القامة (١).
قال مقلد خطباء الهند: جعلُه مجازًا مرسلًا لا يطابق لفظ البخاري: إنما كان طول يدها الصدقة.
وأقول: ليس في عدم مطابقته له ما يقتضي بطلان كونه مجازًا مرسلًا، وغايته: أن الراوي حمل اليد على الجارحة، وجعل طولها كناية عن الصدقة، ولا يتحتم، بل يجوز أن يكون المراد باليد من قوله: "أطولكن يدًا": النعمة، فيكون مجازًا مرسلًا.
والمراد بطول النعمة: كثرتها، وامتدادها؛ كما يقال: فلان طويل الإحسان، وقد جوزت في التعليق أن يكون المراد باليد: الجارحة، وأن "أطولكن يدًا" من الطَّول -بفتح الطاء-، لا من الطُّول -بضمها-؛ أي: أجودكنَّ يدًا، ونسب الجود إلى اليد؛ لأن الإعطاء كثيرًا ما يقع بها.
والحاصل: أن اللفظ يحتمل الأمور الثلاثة، والراوي حمله على واحدٍ منها، وهو كون اليد كناية عن الصدقة، ولا يقدح حمله على ذلك في تجويز الوجهين الأخيرين، وهذا ظاهر، فسقط الاعتراض بأن جعله مجازًا
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (٣/ ٣٦٤).
[ مقدمة / ١٠١ ]
مرسلًا لا يناسب قول الراوي.
ثم قال المعترض: والأظهر: أن طول اليد كناية عن الجُود؛ لأن من تصدق، أطال يده، ومدها للإعطاء.
وظن (١) الشيخ: أن المراد: طولُ اليد من حيث المسافة، لا من حيث المد، هذا هو مدار الغلط، وهذا كما يقال: فلان قصير اليد، ويراد: أنه بخيل؛ على طريق الكناية.
وأقول: هذا كلام لا بأس به، غير أن استشكال كونِ اللفظ المذكور كنايةً من حيث إن طول اليد التي هي الجارحة غير مناسب لكثرة الصدقة ليس مقولًا لي، وإنما حكيته في الشرح عن غيري، فقلت: قال بعضهم: وفيه نظر، وهذا من مقولات الشيخ بهاء الدين السبكي، ذكره في "شرحه لتلخيص المفتاح"، فإن كان هذا الكلام وقع في النسخة التي وقف عليها المعترض من تعليقي على البخاري غيرَ معزوٍّ إلى أحد، فهو من غلط الناسخ، وإلا، فالذي في مسوَّدتي (٢): هكذا قال بعضهم، وفيه نظر. فليصلحه إن لم يكن كذلك في النسخة التي وقف عليها.
* * *
* المكان الثامن: قوله - ﷺ - في قضية الصائم في السفر الذي ظُلِّل عليه لمشقة الحَرِّ: "ليس من البر الصيامُ في السفر".
قال الزركشي: "من" زائدة لتأكيد النفي، وقيل: للتبعيض، وليس بشيء.
_________________
(١) في الأصل: "وظن أن"، والصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل: "مستودتي"، والصواب المثبت.
[ مقدمة / ١٠٢ ]
قلت: هذا عجيب منه؛ أجازَ ما المانعُ منه قائمٌ، ومنعَ ما لا مانعَ منه! وذلك أن من شروط زيادة "من" أن يكون مجرورها نكرة، وهو في الحديث معرفة، هذا المذهب هو المعول عليه، وهو مذهب البصريين؛ خلافًا للأخفش والكوفيين، وأما كونها للتبعيض، فلا يظهر لمنعه وجه؛ إذ المعنى: أن الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البر (١).
قال مقلد خطباء الهند. تقدير "معدودًا" ليس فيه توجيهُ كونها للتبعيض، ولا يتعلق به غرض، فلو قلت: أخذت من المال، قدَّرت: أخذت بعضَ المال، وما احتجت إلى تقدير شيء.
وأقول: وقع في "شرح الحاجبية" لنجم الأئمة الرضي الإستراباذي ما نصه: ومثال التبعيض: أخذت من الدراهم، والمفعول الصريح محذوف؛ أي: أخذت من الدراهم شيئًا. انتهى.
وهذا منافٍ لقول المعترض: "وما احتجت إلى تقدير شيء"، وكيف لا يحتاج، والفعل المذكور متعدٍّ بنفسه إلى مفعول، فحيث لا يذكر ذلك المفعول، يقدر؛ وفاءً لحق التعدية.
نعم، إن ترك ذلك المتعدي منزلة اللازم كما في: يدٍ تعطي، لم يقدر له مفعول؛ إذ المقدر كالمذكور، فتقديره ينافي الغرض، وقولك: "من الدراهم" حينئذٍ متعلق بأخذت، فلذلك يستغنى به، ولا يقدَّر شيء.
وأما في: "ليس من البِرِّ الصومُ في السَّفَر"، فلا بد أن يكون "من البر" متعلقًا بشيءٍ محذوفٍ؛ ضرورةَ أن الكلام لا يستقل بدون تقديره؛ على ما عُرف في شأن الظرف المستقر، فذكر المتعلق، وهو قولنا:
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (٤/ ٣٦٨).
[ مقدمة / ١٠٣ ]
معدودًا؛ لغرض الإبانة عما يتعلق به الجار والمجرور، فقوله: "ولا يتعلق به غرض" ليس بصحيح، ولم يقدر "معدودًا" على أنه متعين للتقدير، بل لأنه مما يجوز أن يقدر، ولك أن تقدر: كائنًا، وحاصلًا، وثابتًا، ونحو ذلك، على أن ما ذكرناه مسوق لبيان المعنى، لا لتفسير الإعراب، فالمنازعة مع ذلك في ذكر "معدودًا"، أو غيره من أيِّ متعلقات الجار والمجرور مما لا طائل تحته (١).
ثم قال المعترض: هذا، والظاهر أن المقام ينافي التبعيض؛ إذ معنى الحديث: أن الصوم في السفر -ممن هو في معنى المظلَّل عليه ممن يشقُّ عليه الصوم، ويفضي إلى ترك ما فوقها من القربات-، لا يعدّ بِرًّا أصلًا، لا أن فيه بعضَ البر.
وأقول: ليس في قولنا: ليس في السفر، معدودًا من أنواع البر ما يقتضي أن يكون فيه بعض البر، وكيف والبعضية منفية، وإذا انتفى كونه بعض أنواع البر، لزم أن لا تقدير أصلًا، فما هذا الاعتراض البارد؟!
قال المعترض: ثم الحمل على زيادتها ممكن، أما على رأي الكوفيين، فظاهر.
وأقول: ليس التفريع على هذا المذهب؛ لأنه غير المذهب المنصوص، وقد ذكرنا في صدر المناقشة مع الزركشي: أن الزيادة متأتية على مذهب الكوفيين، والأخفش، فهذا الكلام الذي ذكره لا يحسن وقعه بعد ذلك.
ثم قال: وأما رأي البصرية، فيجعل الاسم مثله في:
ولقد أَمُرُّ على اللئيم
_________________
(١) في الأصل: "من طائل محبة"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ١٠٤ ]
وأقول: لا يلزم من تجويزهم وصفَ ذي اللام الجنسية بالجملة جواز إدخال "من" الزائدة عليه؛ إذ المانع قائم، وهو: فقدُ شرطِ الزيادة، وذلك أنهم صرحوا بأنه يشترط كون مدخولها نكرة، والمحلى باللام المذكورة معرفة قريبة من النكرة، لا نكرة، وأما الجملة، فصرحوا بأنها يوصف بها النكرة، وهو قريب منها؛ بخلاف مجرور "من" الزائدة؛ فإنهم شرطوا كونه نكرة، ولم يتعرضوا إلى أن ما هو قريب من النكرة بمثابتها في ذلك، فعملنا بالنص في الموضعين، ولو عمل بما تخيله هذا المعترض، لم يصح وقوع ما دخلت عليه هذه اللام مبتدأ، ولا ذا حال، ولا موصوفًا بالمعرفة، واللازم باطل إجماعًا.
* * *
* المكان التاسع: قوله - ﵇ -: "وأحيانًا يتمثل لي المَلَكُ رجلًا"، قال جماعة من الشارحين: "رجلًا" تمييز.
قلت: والظاهر أنهم أرادوا: تمييز النسبة، لا تمييز المفرد؛ إذ المَلَك لا إبهام فيه، ثم أوردت سؤالًا، وهو: أن تمييز النسبة لا بد أن يكون محوَّلًا عن الفاعل؛ كتصبَّبَ زيدٌ عرقًا؛ أي: عَرَقُ زيد، والمفعول؛ نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]؛ أي: عيونَ الأرض، وذلك غير متأتٍّ هنا.
وأجبت: بأن هذا أمر غالب لا دائم؛ بدليل: امتلأ الإناءُ ماءً (١).
قال مقلد خطباء الهند: ذلك عند شرذمة قليلين، فأما عند الحذاق، فلا.
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٣).
[ مقدمة / ١٠٥ ]
قال جار الله العلامة في "المفصل": وباب التمييز إلى آخره من أل؛ أي: من أوله إلى آخره.
وأقول: هذا -فيما يظهر- عجزٌ عن إبداءٍ لوجه في كون التمييز المذكور محوَّلًا، وتسلق على الاعتراض بالتشدق، وإخلاد إلى قعقعة لا طائل (١) تحتها، هَبْكَ أن التحويل عند الحذاق لازم في باب التمييز في أوله إلى آخره كما زعمت، والسائل ادعى أن ذلك غير متأتٍّ في هذا المحل، وهو ظاهر فيما يلوح للناظر، فجوابه إنما هو بإبداء وجه الثاني، لا بأن الحذاق ذكروا أنه متأتٍّ.
وذكر الإمام عبد القاهر المسألة، فقال: هو أكثر، كذلك قال.
وأما قولهم: امتلأ الإناءُ ماء، فليس من جملة إخوانه؛ إذ الماءُ لا يمتلئ؛ كما أن العرق يتصبب، نقله عنه الفخر الإسفندري في "شرح المفصل"، فهذا الإمام عبد القادر الجرجاني من أكبر المحققين، وعظماء الحذاق غير مدافع يصرِّحُ بأن التحويل في هذا النوع أكثريٌّ، لا كليٌّ، وحسبك به، ولعل المعترض لا يراه من الحذاق!
وهذا الإمام جمال الدين بن مالك ينادي بذلك في "متن التسهيل"، وفي "شرحه"، ولعله أيضًا ليس من الحذاق عند هذا الفاضل! وكأنه ظفر بهذا الكلام في "المفصل"، فاغتنم به الفرصة في الاعتراض؛ ظَنًّا منه أن الحذاق كلها يخفى [عليها] ذلك، وهذا ليس من الإنصاف في شيء.
* * *
_________________
(١) في الأصل: "إلا طائل" والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ١٠٦ ]
* المكان العاشر: حكى (١) الزركشي عن ابن السِّيد: أنه قال في "رجلًا" الواقع في الحديث المتقدم: إنه حال موطئة؛ على تأويل الجامد بمشتق؛ أي: مرئيًّا محسوسًا.
قلت: آخر الكلام يدفع أوله (٢).
قال مقلد خطباء الهند: لا يدفع؛ إذ بعد التأويل صار تقدير الكلام: جسمًا مرئيًّا محسوسًا.
وأقول: هذا كلام [من] لم يفهم وجه الدفع، وأنا أبينه، فأقول: الحال الموطئة هي الجامد الموصوفة، تقول: جاءني زيد رجلًا، حال موطئة أن يكون جمود الرجل سابقًا، فمقتضى قول ابن السِّيْد: أن رجلًا حال موطئة: أن يكون جمود الرجل باقيًا على حاله، غير مقصود بالتأويل. وقوله: على تأويله بمشتق، لا يكون حالًا موطئة، فآلَ الكلامُ إلى أن "رجلًا" حال موطئة على أن يكون حالًا موطئة، والتدافع فيه ظاهر مكشوف ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
وأقول: هذا ضِيقُ عَطَنٍ، أيُّ حاجةٍ به إلى ذلك المثال من ديباجة "الكشاف"، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ويقول: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، ومثله في كلام العرب كثير، لكنه لا يفيد المعترض شيئًا فيما هو بصدده من رفع التدافع الواقع في كلام ابن السِّيد، وبالله التوفيق.
* * *
_________________
(١) في الأصل: "حكي أن"، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٣).
[ مقدمة / ١٠٧ ]
* المكان الحادي عشر: وقع في تعليقي المشار إليه ما نصه: ولو قيل بأن "يتمثل" هنا أُجري مجرى يصير لدلالته، فيكون "رجلًا" خبرَه؛ كما ذهب إليه ابن مالك، تحوّل، وأخواته، لكان وجهًا، لكن قد يقال: معنى يتمثل: يصير مثالًا، ومع التصريح بذلك يمتنع أن يكون "رجلًا" خبرًا له (١).
قال مقلد خطباء الهند: يصح المعنى بحذف المضاف، فمعنى "يتمثل الملَك رجلًا": يصير الملَك مثال رجل، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وأقول: ليس معنى "يتمثل الملك"، حتى إذا جعلنا "رجلًا" خبر "يصير" على حذف المضاف مثالَ رجل، صح التركيب، وإنما معناه: يصير الملَك مثالًا، فلا يصح مع التصريح بهذا أن تجعل "رجلًا" خبرًا بطريق الأصالة، لا على حذف المضاف، ولا بدونه؛ لأن "مثالًا" هو خبر "يصير".
نعم، يمكن أن يدلَّا على حذف المضاف، وبدونه، فالكلام في جعله خبرًا؛ بحيث يكون نصبُه بالأصالة، لا بالتبعية، والله ولي التوفيق.
* * *
* المكان الثاني عشر: ذكر السهيلي أن وجوه الوحي سبعة، وعدَّدها.
قال ابن المُنَيِّر - ﵀ -: وزدنا عليه - بفضل الله - ثلاثة أوجه، ثالثها: نزول جبريل في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه من الصحابة أحد، وهذه صورة
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٣).
[ مقدمة / ١٠٨ ]
دحية، لا دحية؛ [لأن دحية] (١) كان معروفًا، واستشكلتُه أنا بأن ظاهر القصة التي ذكر فيها مجيء جبريل - ﵇ - على تلك الصورة يقتضي أنه لم يبلِّغ وحيًا عن الله إلى رسوله في هذه المرة، وإنما جاء سائلًا (٢) له عن شرائع الإسلام؛ ليعلم الناس دينهم، فكيف يعد هذا من وجوه الوحي إلى الرسول ﵊؟! (٣).
قال مقلد خطباء الهند: ما ذكره الشيخ ابن المنيِّر صواب؛ فإن تصديق جبريل إياه - ﵊ - بقوله: "صدقت"، الظاهر: أنه بأمر، وإلا، كان يعلم الشريعة من عند نفسه، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، و﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] مما يقوي ما ذكره.
وأقول: لا يلزم من كون جبريل - ﵇ - فعل بأمر الله ما فعله من تنزله على النبي - ﷺ -، وسؤاله عن شرائع (٤) الإسلام، وتصديقه إياه في جوابه، وتعليم الناس دينهم؛ أن يكون ذلك وحيًا بلَّغه جبريل عن الله إلى رسول الله - ﷺ -[لأنه] لم يعرف أن السائل جبريل - ﵇ - إلا في آخر الأمر، وقد جاء مبينًا في الدارقطني في آخر الحديث المذكور: "هذا جبريلُ قد أتاكم يعلِّمُكُم دينَكم، فخُذوا منه، فوالذي نفسي بيدِه! ما شُبِّهَ عَلَيَّ منذُ أتاني قبلَ مَرَّتي هذه، وما عرفْتُهُ حتى ولَّى" (٥)، انتهى.
_________________
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٢) في الأصل: "سائل"، والصواب ما أثبت.
(٣) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٦).
(٤) في الأصل: "الشرائع"، والصواب ما أثبت.
(٥) رواه الدارقطني (٢/ ٢٨٢) عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ مقدمة / ١٠٩ ]
فهذا مما يدل قطعًا على أنه لم يوح (١) إليه في ذلك المجلس شيئًا، إذ لو أوحى إليه، لم يجز أن يشتبه عليه، ولوجب أن يعرفه يقينًا، فسقط هذا الاعتراض، وأنا كنت أولى بالذب عن ابن المنيِّر من هذا الذي ذبَّ عنه؛ لأن المشار إليه هو جدُّ جدي من قبل الأم، [فأنا] من ذريته، ولكن الحق أَحَقُّ أن يُتبع، ولا بأس بالإلمام بطرف من ترجمته على طريق الاختصار.
فأقول: هو قاضي قضاة الإسكندرية، وخطيبها، الإمام العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد الجذامي الجروي المالكي، الشهير بابن المنيِّر -بتشديد الياء وكسرها-، أحد تلامذة ابن الحاجب، بل أعظمهم مقدارًا، وأرفعهم رتبة، له اليد الطولى في التفسير، وأصول الفقه، وعظيم اللسان، إمام في فقه مذهب الإمام مالك، إلى غير ذلك، ومن تصانيفه: "البحر الكبير" في بحث التفسير فيما يزيد على عشرين مجلدًا ضخمة، وله "الانتصاف من الكشاف"، وهو أول من صنف على "الكشاف" فيما أعلمه، وتبعه الطيبي، وغيره، وكثيرًا (٢) ما يعلقون عنه في حواشيهم، وشرحَ "البرهان" في أصول الفقه لإمام الحرمين شرحًا لا نظير له، وكتب تصانيف جمَّة يطول ذكرها.
كنت جالسًا يومًا عند شيخنا علامةِ عصره، وفريدِ زمانه، شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني (٣) الإمام المشهور - ﵀ -، فسألني عن كيفية انتسابي إلى القاضي ناصر الدين بن المنير - ﵀ -،
_________________
(١) في الأصل: "يوحي"، والصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل: "وكثير"، والصواب ما أثبت.
(٣) في الأصل: "البلبقيني"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ١١٠ ]
فذكرت ذلك له، فقال لي: هو إمام لم تخرج الإسكندرية مثله، [تو] في سنة ثلاث (١) وثمانين وستمائة، وتوفي شيخنا سراج الدين البلقيني بالقاهرة في يوم الجمعة عاشر ذي القعدة الحرام سنة خمس وثمان مئة، ودفن من الغد بمدرسته التي أنشأها بالقاهرة في الخان المعروفة بخان بهاء الدين، رحم الله الجميع، وأسكنهم في بحبوحة الجنة بمنه وكرمه، آمين.
* * *
* المكان الثالث عشر: قول أبي هريرة ﵁: "ما من أصحاب النبي - ﷺ - أكثرُ حديثًا مني، إلا مما كان من عبد الله بن عمرو".
وقع في تعليقي على هذا الموضع ما نصه: في إعرابه إشكال، وذلك [لأنَّ] "ما" عبارة عن المستثنى، وسواء جعلتها موصولة، أو موصوفة، لا يتأتى؛ إذ يصير المعنى: إلا الحديث الذي كان من ابن عمرو، إلا حديثًا كان منه؛ فإنه أكثر حديثًا مني، ولا يتصور إلا بتكلف (٢).
قال مقلد خطباء الهند: قول الشارح: "فإنه أكثر حديثًا" متصور من غير تكلف؛ إذ المعنى: فإن حديثه أكثر حديثًا مني، ومجاز عقلي، نسب الأكثر رواية إلى ضمير الحديث.
ثم أخذ يتشدق بإيراد ما هو مقرر في مختصرات هذا الفن من الكلام على الإسناد العقلي تصحيحًا وإبطالًا مما ليس داعي إلى ذكره.
_________________
(١) في الأصل: "ثلاثة"، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢٤٨).
[ مقدمة / ١١١ ]
وأقول: هذا مبني على فهمه أن قولي: "ولا يتصور إلا بتكلف" راجعٌ إلى قوله: "فإنه أكثر حديثًا مني"، وليس كذلك، وإنما هو راجع إلى قولنا: "إذًا يصير المعنى: إلا الحديث الذي كان من ابن عمرو، إلا حديثًا كان منه"؛ فإن القصد: جعل الاستثناء متصلًا، وهو لا يتصور بحسب الظاهر إذا لم يتقدم ما يستثنى منه إلا أحد، وهو لا يَصدُق على الحديث، فلا يصح استثناؤه منه، وجعلُه منقطعًا يوقع في خلاف المقصود.
نعم، يمكن أن يكون تقدير الكلام المذكور: ما من حديث أصحاب النبي - ﷺ - حديث أكثر حديثًا من حديثي، إلا الحديث الذي كان من [ابن] عمر [و]، أو: إلا حديث كان من ابن عمر [و]، فعلى هذا يتصور أن يكون الاستثناء متصلًا.
وفيه حذف مضافات من ثلاثة أمكنة:
أحدها: قوله: "ما من أصحاب النبي".
والثاني: قوله: "أحد".
والثالث: قوله: "مني".
وفيه مع حذف هذه الأشياء الثلاثة: الخروج عن الحقيقة في إسناد أكثرية الحديث إلى الحديث، وهذا -وإن كان جائزًا على جهة المجاز-، لكن في ارتكاب هذه الأمور الأربعة بأسرها في تركيب واحد تكلف لا يخفى إلا على من تكلف الخروج عن سَنَنِ الإنصاف.
وها هنا بينة، وهو أن الحافظ صلاح الدين العلائي - ﵀ - حكى
[ مقدمة / ١١٢ ]
في كتابه المسمى بـ "كشف النقاب": أن أبا هريرة ﵁ روي له خمسة آلاف حديث وثلاث مئة حديث، وأربعة وسبعون حديثًا، واتفق الشيخان منها على ثلاثمئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، وانفرد مسلم بمئة وتسعة وثمانين. وابن عمرو - ﵄ - روي له سبعمائة حديث، اتفق الشيخان منها (١) على سبعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة منها، وتفرد مسلم بعشرين.
وهذا مناف في الظاهر لقول أبي هريرة ﵁: "إلا ما كان من ابن عمر [و] "، ففيه إشكال، وقد يجاب عنه، فتأمل.
ووقع في خط هذا المعترض مكانه: ابن عمر -بغير واوٍ- اقتضى ذلك: أنه فهم أنه عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأخطأ، وإنما هو عبد الله بن عمرو بن العاص.
* * *
* المكان الرابع عشر: قوله: "قد علمنا إن كنت لموقنًا".
قال الزركشي: وحكى السفاقسي فتح "إن" على جعلها مصدرية؛ أي: علمنا كونَك موقنًا، ورده بدخول اللام.
قلت: إنما تكون اللام مانعة إذا جُعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأما على رأي الفارسي، وابن جني، وجماعة: أنها لام غير لازم الابتداء إذا اجتُلبت للفرق، فيُسَوِّغ الفتح حينئذ، لوجود المقتضي،
_________________
(١) في الأصل: "منهما"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ١١٣ ]
وانتفاء المانع (١).
قال مقلد خطباء الهند: انتفاء المانع ممنوع؛ فإن المصدرية لا تجامع العلم؛ لكونها للرجاء والطمع الدالَّين على ما بعدهما غير معلوم التحقق، وكون العلم دالًّا على ما بعده معلوم التحقق، ولعل ما ذكر الشارح حكاية اللام مع غير العلم.
وأقول: يا عجبًا لمن تسمو نفسه إلى أن يُعَدَّ من فضلاء الهند المتصدين (٢) للمناقشة والمناظرة كيف يصدر منه هذا الكلام، خيل به وهمه الفاسد: أن "أن" لا تكون مصدرية في موطن من المواطن التي تقع فيها بعد العلم، فقال ما قال، فماذا تريد تصنع في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠]، أتراه يقول: "أن" فيه ليست مصدرية؟ وحقيقة الأمر: أن [أن] (٣) قد تكون ثنائية الوضع، فَتَرِدُ تارة اسمًا، وهي ضمير المتكلم في قول بعضهم: أَنْ فعلتُ -بإسكان النون-، وتَرِد تارة حرفًا، وهذا أكثر فيه، على أوجه:
منها: أن تكون ناصبة للمضارع، وهذه مصدرية، ولا تقع بعد فعل العلم، وإنما تقع في الابتداء؛ نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أو بعد فعل دال على معنى غير اليقين؛ نحو: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢].
وقد تكون "أن" ثلاثية الوضع في الأصل، ولكنها خففت، فصارت
_________________
(١) انظر: "مصابيح الجامع" (١/ ٢١٨).
(٢) في الأصل: "المتصديين"، والصواب ما أثبت.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
[ مقدمة / ١١٤ ]
كالثنائية الوضع لفظًا، وهي مصدرية أيضًا، وهذه تقع بعد فعل اليقين، أو ما نزل منزلته؛ نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، و﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾ [المائدة: ٧١] فيمن رفع.
والواقع في قوله: "قد علمنا أن كنت لمؤمنًا" على مَنْ فتح همزة "أن" من هذا القبيل، ولا إشكال ألبتة.
ولما تكلم ابن هشام في "مغني اللبيب" على الخلاف في اللام الفارقة بدليل "أن" النافية، والمخففة من الثقيلة، هل هي لام الابتداء؛ كما يقول أبو علي، وأبو الفتح، وجماعة؟
قال: وزعم الكوفيون أن اللام المذكورة بمعنى إِلَّا (١)، وأن "إن" قبلها نافية، واستدلوا على مجيء اللام للاستثناء بقوله:
أَمْسَى أَبانُ ذَلِيلًا بَعْدَ عِزَّتهِ وَمَا أبَانُ لَمِنْ أَعْلاجِ سُودَانِ
وعلى قولهم: "قد علمنا إن كنتَ لموقنًا" -بكسر الهمزة-؛ لأن النافية مكسورة دائمًا، وكذا على قول سيبويه؛ لأن لام الابتداء تعلق العامل عن العمل، وأما على قول أبي الفتح، فتفتح. هذا كلامه بحروفه.
وإنما أتي (٢) هذا المعترض من قبيل تخيله أن المخففة عن الثقيلة ليست مصدرية.
وإِنَّ لِسَانَ المَرْءِ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ
ثم غرب من قوله ولعل ما ذكره الشارح حكاية اللام مع غير المقام.
_________________
(١) في الأصل: "اللام"، والصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل: "أوتي على"، والصواب ما أثبت.
[ مقدمة / ١١٥ ]
وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وهذا آخر اعتراضاته على تعليقي [على] البخاري، وهو كما رأيت، والله الموفق، لا رب غيره.
* * *
_________________
(١) (*) جاء في آخر الرسالة: "تَمَّ ذلك، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على من لا نبيَّ بعده. وكان الفراغ من هذه الرسالة يوم الجمعة خامس عشر من ذي القعدة على يد الحقير الفقير إلى ربه الغني مبارك تابع المرحوم الشيخ إبراهيم أبي سلمة سنة (١١٨٠) مئة وثمانين وألف. اللَّهمَّ انفع بها مالكيها ومطالعيها، آمين".
[ مقدمة / ١١٦ ]
صورة لوحة الغلاف من المجلد الأول -وفيه الجزء الأول والثاني- من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ (م)
[ مقدمة / ١١٩ ]
صورة اللوحة الأولى من المجلد الأول من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ "م"
[ مقدمة / ١٢٠ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الأول -وفيه الجزء الأول والثاني- من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ "م"
[ مقدمة / ١٢١ ]
صورة لوحة الغلاف من المجلد الثاني -وفيه الجزء الثالث- من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ "م"
[ مقدمة / ١٢٢ ]
صورة اللوحة الأولى من المجلد الثاني من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ "م"
[ مقدمة / ١٢٣ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من النسخة الخطية للمكتبة الأحمدية بحلب، المرموز لها بـ "م"
[ مقدمة / ١٢٤ ]
صورة لوحة الغلاف من النسخة الخطية لمكتبة نور عثمانية، المرموز لها بـ "ج"
[ مقدمة / ١٢٥ ]
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة نور عثمانية، المرموز لها بـ "ج"
[ مقدمة / ١٢٦ ]
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية، لمكتبة نور عثمانية، المرموز لها بـ "ج"
[ مقدمة / ١٢٧ ]
صورة لوحة الغلاف من المجلد الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٢٨ ]
صورة اللوحة الأولى من المجلد الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٢٩ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٣٠ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٣١ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٣٢ ]
صورة اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، المرموز لها بـ "ع"
[ مقدمة / ١٣٣ ]
صورة لوحة الغلاف من النسخة من النسخة الخطية لدار الكتب القومية بمصر، المرموز لها بـ "ن"
[ مقدمة / ١٣٤ ]
صورة اللوحة الأولى من النسخة من النسخة الخطية لدار الكتب القومية بمصر، المرموز لها بـ "ن"
[ مقدمة / ١٣٥ ]
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لدار الكتب المصرية بمصر، المرموز لها بـ "ن"
[ مقدمة / ١٣٦ ]
صورة لوحة الغلاف من النسخة الخطية لرسالة "الفتح الرباني في الرد على التبياني"
[ مقدمة / ١٣٧ ]
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية "الفتح الرباني في الرد على التبياني"
[ مقدمة / ١٣٨ ]
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لرسالة "الفتح الرباني في الرد على التبياني"
[ مقدمة / ١٣٩ ]
وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه
تأليف
الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي
المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
[المجلد الأول]
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
[ ١ / ١٣٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ١ / ٢ ]
[ ١ / ٣ ]
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب
سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
[ ١ / ٤ ]