١٨ - (١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيس عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ -﵁-، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابهِ: "بَايِعُوني عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا باللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنوُا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكمْ، وَلَا تأتوا ببُهْتَانٍ تَفْتَرُونهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
(عائذُ الله): عَلَم، وعائذُ: اسم فاعل من عاذ -بالذال المعجمة-.
(وهو أحد النقباء ليلة العقبة): هي العقبة التي بمنى، تُنسب إليها جمرة العقبة، وهما عقبتان، والمذكورة هنا هي الثانية، لقي النبي - ﷺ - فيها سبعون من الأنصار، فيهم (١) النقباء، وهم اثنا عشر: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ،
_________________
(١) في "ن" و"ع": "منهم".
[ ١ / ١٠١ ]
وأَسعدُ بنُ زُرارةَ، والبَراءُ بنُ مَعْرورٍ (١)، ورافعُ بنُ مالكِ الزُّرَقِيُّ (٢)، وسعدُ ابنُ خَيْثَمَةَ، وسعدُ بنُ الربيعِ، وسعدُ بنُ عُبادةَ، وعُبادةُ بنُ الصامتِ، وعبدُ الله بنُ رواحةَ، وعبدُ الله بنُ عمرِو بنِ حَرام (٣)، وأبو الهيثمِ مالكُ ابنُ التَّيْهان، والمنذرُ بنُ عمرِو (٤)، وكان عُبادة بنُ الصامت راوي هذا الحديث نقيبَ بني عوفِ بنِ الخزرجِ، وهم القواقل (٥).
(وحوله عصابة): جماعة من الناس، ولا واحد لها من لفظها، وهؤلاء هم أهل العقبة الأولى، وكانوا اثني عشر رجلًا (٦): أسعد بن زرارة، وعوفٌ ومعاذٌ ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، وذكوان بن عبد قيس (٧)، ورافعُ بن مالك الزُّرَقيان، وعبادة بن الصامت، وعباس بنُ عبادةَ ابنِ نضلَةَ، ويزيد بن ثعلبة، وعقبةُ بن عامر، وقُطبةُ بن عامر، فهؤلاء من الخزرج عشرة، ومن الأوس اثنان: أبو الهيثم بن التيهان، وعُويم (٨) بنُ ساعدةَ.
(ببهتان): بكذب، وهو مصدر بهت صاحبه بَهْتًا وبُهْتانًا.
_________________
(١) في "ج": "بن المعرورة".
(٢) في "ع": "الزريقي".
(٣) في "ع": "وعبد الله بن عمر وابن حرام".
(٤) في "ع": "والمنذر بن عمر".
(٥) في "ن" و"ع": "القوافل".
(٦) في "ن": زيادة: "وهم".
(٧) في "ع": "عبد القيس".
(٨) في "ن" و"ع": "وعويمر".
[ ١ / ١٠٢ ]
قال الخطابي: ومعناه هنا: قذف المحصنات، وقد يدخل فيه الاغتياب لهن (١).
وقد يقال: فما معنى: "بين أيديكم وأرجلكم"، ولا صنع لها في البهت؟
فيجاب: أن (٢) المباشرة لمعظم الأفعال بالأيدي، والسعي بالأرجل، فأضيف (٣) الجنايات إليها، وإن شاركها غيرها، فكنى (٤) عن جملة الذات بذلك.
قال: ويحتمل أن المعنى لا تبهتوا الناس كفاحًا يشاهد بعضكم بعضًا، وهو أشد البهت؛ كما (٥) يقال: فعلت هذا بين يديه؛ أي: بحضرته، وفيه نظر (٦).
(ولا تعصوا في معروف): قال النووي: أي: لا تعصوني، ولا أحدًا ولِّي عليكم من تُبَّاعِي إذا أُمرتم بمعروف (٧).
فيكون المعروف عائدًا إلى التُّبَّاع (٨)، ولذا لم يقل: تعصوني،
_________________
(١) انظر: "أعلام الحديث" (١/ ١٥١).
(٢) في "ن" و"ع" و"ج": "بأن".
(٣) في "ن" و"ع": "فأضيفت".
(٤) في "ج": "يكنى".
(٥) في "ع": "لما".
(٦) وانظر: "فتح الباري" لابن حجر (٨٢ - ٨٣).
(٧) انظر: "التوضيح" لابن الملقن (٢/ ٥٤٩).
(٨) في "ع": "الأتباع".
[ ١ / ١٠٣ ]
ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، وقيد بالمعروف (١)، وإن كان لا يأمر إلا به، تطييبًا لنفوسهم (٢).
(وفَى): بالتخفيف، ويجوز التشديد.
(ومن أصاب من ذلك): أي: مما عدا الشرك؛ فإنه لا يسقطه (٣) العقوبة عليه في الدنيا.
(فعوقب (٤) في الدنيا، فهو كفارة له): فيه حجة للأكثرين القائلين بأن الحدود كفارات لأهلها، وثم من (٥) وقف بحديث (٦) أبي هريرة (٧): أنه -﵊- قال: "لا أَدْرِي الحدودُ كَفَّاراتٌ" (٨).
قال ابن الملقن: ويمكن أن يكون حديث (٩) أبي هريرة أولًا قبل أن يعلم، ثم أُعلم (١٠).
_________________
(١) في "ج": "المعروف".
(٢) انظر: "التوضيح" لابن الملقن (٢/ ٥٤٩).
(٣) في "ع": "لا تسقط".
(٤) في جميع النسخ زيادة: "عليه"، ولم ترد في شيء من نسخ البخاري، والله أعلم.
(٥) "من" ليست في "ع"، وفي "ج": "ومن ثم".
(٦) في "ع": "لحديث".
(٧) في "ن" زيادة: ﵁.
(٨) رواه الحاكم في "المستدرك" (١٠٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٣٢٩)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ٥٠) وقال: وحديث عبادة بن الصامت أثبت وأصح إسنادًا من حديث أبي هريرة هذا.
(٩) في "ع": "أن يكون في حديث".
(١٠) انظر: "التوضيح" (٢/ ٥٥١).
[ ١ / ١٠٤ ]
قلت: كيف يتأتى ذلك، وحديثُ عبادةَ المتضمنُ لجزمه بأن الحدود كفاراتٌ كان قبل الهجرة قطعًا، وأبو هريرة أسلمَ بعدَ الهجرة بسنين (١)، فكان (٢) إسلامه في سنة خيبر بالاتفاق، فكيف يكون حديثه أول؟!!
(ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه): فيه دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة، ومات ولم يتب منها، لم يتحتم دخوله النار، بل هو إلى مشيئة الله؛ كما ذكر في الحديث.
فإن قلت: ما الحكمةُ في عطف الجملةِ المتضمنةِ للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمنةِ للستر بثم (٣)؟
قلت: لعلها التنفير من مواقعة (٤) المعصية؛ فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية [غير متراخية عنها، وأن الستر متراخٍ، بعثه ذلك على اجتناب المعصية] (٥) وتَوَقِّيها (٦)، فتأمله.
* * *