(باب أداء الخُمس من الإيمان): قال الزركشي: روي: -بضم الخاء وفتحها-، وفي الحديث شاهد للأمرين (٣)، فإن فيه ذكر الغنيمة، وذكر قواعد الإسلام (٤).
* * *
_________________
(١) في "ع": "ثبت"، وفي "ج": "تكتب".
(٢) انظر: "فتح الباري" (١/ ١٥٦).
(٣) في "ج": "لأمرين".
(٤) انظر: "التنقيح" (١/ ٤٨).
[ ١ / ١٥٥ ]
٤٦ - (٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبيَّ - ﷺ -، قَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟ " قَالُوا: رَبيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بالْقَوْمِ، أَوْ بالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبرْ بهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بالإِيمَانِ باللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإيمَانُ باللَّهِ وَحْدَهُ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ". وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبرُوا بهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ".
(أبو جَمْرَة): بجيم مفتوحة وراء.
(الوفد (١»: اسم جمع، لا جمعٌ لوافد على الصحيح.
قال القاضي: وهم القوم يأتون ركبانًا (٢)، ويؤيده تفسير ابن عباس له بذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] (٣).
_________________
(١) في "ج": "الوافد".
(٢) انظر: "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٩٢).
(٣) انظر: "التوضيح" لابن الملقن (٣/ ٢٠٩).
[ ١ / ١٥٦ ]
(غير): -بالنصب- على الحال، قال النووي: وهو المعروف -وبالجر (١) - على الصفة (٢).
(خزايا): جمع خَزْيان، قال القاضي (٣): أي: غير مذلين ولا مهانين ولا مفضوحين (٤) بوطء البلاد وقتل الأنفس (٥) وسبي (٦) النساء.
(ولا ندامى): قال (٧) الزركشي: هو من باب الإتباع؛ كالغدايا والعشايا؛ لأن ندامى (٨) جمع ندمان من المنادمة (٩)، لا من الندم (١٠).
قلت: في "الصحاح (١١) ": ورجل ندمان؛ أي: نادم (١٢).
وكذا في "جامع القزاز" على ما حكاه السفاقسي (١٣)، وحينئذٍ فيكون جاريًا على الأصل.
(الشهر الحرام): بتعريفهما، ويروى: بتعريف الحرام، وإضافةِ
_________________
(١) في "ج": "بالجر".
(٢) انظر: "شرح مسلم" (١/ ١٨٧).
(٣) انظر: "مشارق الأنوار" (١/ ٢٣٤).
(٤) ما بين معكوفتين ليس في "ن".
(٥) "الأنفس" غير واضحة في "م"، وليست في "ج"، وأثبتها من "ن" و"ع".
(٦) في "ج": "سبي".
(٧) "قال" ليست في "ن".
(٨) في "ن": "الندامى".
(٩) في "ع": "هو من المنادمة"، وفي "ج": "من الندامة المنادمة".
(١٠) انظر: "التنقيح" (١/ ٤٨).
(١١) في "ج": "الصحيح".
(١٢) انظر: "الصحاح" للجوهري (٥/ ٢٠٤٠)، (مادة: ندم).
(١٣) وحكاه عياض في "إكمال المعلم" (١/ ٢٣٠).
[ ١ / ١٥٧ ]
الشهر إليه (١)؛ كمسجد الجامع؛ أي: شهر الوقت الحرام، و(٢) يعنون به: رجبًا؛ لتفرده بالتحريم [بين شهور الحل؛ بخلاف سائر الأشهر الحُرُم] (٣)؛ لتواليها، ويروى: شهر حرام، بتنكيرهما، وهو يصلح لرجب، ولغيره من الأشهر.
(الحي): أصله: منزلُ القبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله القاضي (٤).
(فصل): ينفصل به المراد، ولا يشكل.
(نخبرُ): -بالرفع على الصفة لأمر- كذا ضبطه القرطبي، قال: وأما "ندخلُ به الجنة": فقيدناه بالرفع أيضًا على الصفة، وبالجزم على جواب الأمر (٥).
قلت: يريد على رواية حذف الواو (٦) من ندخل، وأما على رواية البخاري هنا بإثباتها، فلا يتأتى الجزم في الثاني مع رفع الأول.
(فأمرهم بأربع): وعد خمسة، فإما أن زاد (٧) أداءَ الخمس بعد عد الأربع، وإما أن تكون الشهادة غير معدودة؛ لعلمهم بها.
_________________
(١) انظر: "التوضيح" لابن الملقن (٣/ ٢١٤).
(٢) في "ج": "أو".
(٣) ما بين معكوفتين سقط من "ج".
(٤) قلت: هذا قول صاحب "المطالع"، كما نقله عنه ابن الملقن في "التوضيح" (٣/ ٢١٤). وعبارة القاضي في "مشارق الأنوار" (١/ ٢١٩): وسمعت الحي يتحدثون، وثار الحيان: هو منازل قبائلها، وتسمى القبيلة به.
(٥) انظر: "المفهم" (١/ ١٧٤).
(٦) "حذف الواو" ليست في "ج".
(٧) في "ن" و"ع": "فإما أن يكون زاد".
[ ١ / ١٥٨ ]
(الحَنْتَم): -بفتح الحاء المهملة وسكون (١) النون وفتح المثناة من فوق-: جِرارٌ خضرٌ (٢) مطلية بما يسدُّ مسامَّ الخزف، ولها تأثير في النبيذ كالمزفت، الواحد حنتمة.
(الدُّبَّاء): -بالمد وضم الدال (٣) وتشديد الباء الموحدة-: القرع.
(النَّقير): -بنون مفتوحة وقاف:- أصل (٤) النخلة يُنقر فيُتخذ منها وعاءٌ يُنبذ فيه.
(المزَفَّت): -بزاي وفاء (٥) مشددة-: وعاء مطلي (٦) بالزفت.
وإنما نهى (٧) عن الانتباذ في هذه؛ لأنها تُسرع الشدة من (٨) الشراب، وتحريمُ الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام، ثم نسخ.
ففي "صحيح مسلم": "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الاِنْتِبَاذِ إِلَّا فِي الأَسْقِيَةِ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" (٩).
قال الزركشي: هذا مذهبنا، وذهب (١٠) مالكٌ وأحمدُ إلى بقاء التحريم (١١).
_________________
(١) في "ع": "وإسكان".
(٢) في "ج": "خضرًا".
(٣) في "ن" و"ع": زيادة: "المهملة".
(٤) في "ن": "أصله".
(٥) "وفاء" ليست في "ع".
(٦) في "ن" و"ع": "يطلى".
(٧) في "ج": "هي".
(٨) في "ن" و"ع": "في".
(٩) رواه مسلم (٩٧٧) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵄.
(١٠) في "ع": "ومذهب".
(١١) انظر: "التنقيح" (١/ ٤٩).
[ ١ / ١٥٩ ]
قلت: إنما مذهبُ مالك كراهةُ ذلك، لا تحريمه، هذا الذي عليه الفتوى عند علمائنا.
(مَن وراءكم): -بفتح مَنْ- في البخاري، وبكسرها عند ابن أبي شيبة (١).
قال ابن المنير: وفيه حجة للعمل بخبر الواحد، وقول المعترض في الاحتجاج ببعث رسله - ﵇ - إلى الآفاق، وهم آحاد: أنهم كانوا حكامًا ونوابًا عنه، وحكمُ الواحد مقبول، والشأن في خبره ساقط هنا؛ لأن الوفد جاؤوا متعلمين لأنفسهم، ومتطوعين بالنقل إلى قومهم، فخبرهم حينئذ خبر (٢) واحد حقيقة.
* * *