وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بحَدِيثِ ضمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ لِلنَّبيِّ - ﷺ -: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -. أَخْبَرَ ضمَامٌ قَوْمَهُ بذَلِكَ فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرأَنِي فُلَانٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ، فَلَا بَأْسَ
[ ١ / ١٧٦ ]
أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِم وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
(ضمام (١»: بضاد معجمة مكسورة.
(بالصَّكِّ): -بفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف-: الكتاب، قال الجوهري: وهو فارسي معرب (٢).
(محمد بن سَلام): -بتخفيف اللام- على الصحيح المشهور.
* * *
٥٥ - (٦٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ -هُوَ الْمَقْبُرِيُّ-، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي نَمِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الْمَسْجدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبيُّ - ﷺ - مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب؟ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: "قَدْ أَجَبْتُكَ". فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبيِّ - ﷺ -: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: أَسْأَلُكَ برَبكَ وَرَب مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ
_________________
(١) في "ع": "ضرار" وهو خطأ.
(٢) انظر: "الصحاح" للجوهري (٤/ ١٥٩٦)، (مادة: ص ك ك).
[ ١ / ١٧٧ ]
السَّنَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أن تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بمَا جِئْتَ بهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
رَوَاهُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - بهَذَا.
(ابن أبي نَمِر): بنون مفتوحة وميم مكسورة.
(بين ظهرانَيْهم): يقال: أقام بين أَظْهُرِ القوم، وبينَ ظَهْرَيْهِم (١)، وبينَ ظَهْرانَيْهِم؛ أي: بينهم، وإقحامُ الأظهر، وهو جمعُ ظهر على معنى: أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ثم زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد (٢)، وكأَنَّ معنى التثنية: أن ظهرًا منهم قدامه، وآخر وراءه (٣)، فهو محفوف (٤) من جانبيه، ثم كثر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا.
قلت: ثبوت النون مع الإضافة مشكل.
(فقال له الرجل: ابنَ عبدِ المطلب): قال الزركشي: هو -بفتح الهمزة والنون- على النداء للمضاف، لا على الخبر، ولا على الاستفهام؛
_________________
(١) "وبين ظهريهم" ليست في "ع".
(٢) "للتأكيد" ليست في "ج".
(٣) في "ن": "وراء".
(٤) في جميع النسخ عدا "ع": "مكفوف".
[ ١ / ١٧٨ ]
بدليل قوله - ﵊ -: "قد أجبتك"، ورواية (١) أبي داود: "يا بنَ عبدِ المطلب! " (٢) (٣).
قلت: إن ثبتت الرواية -بفتح الهمزة-، فلا كلام، وإلا، فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في ابن سقطت للدرج، وحرف النداء محذوف، وهو في مثله قياس مطَّرِدٌ بلا خلاف، ولا دليل في شيء مما ذكره على تعيين فتح الهمزة.
(أَنشُدُك): -بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة-؛ أي: أسألك.
(آللهُ): بالمد (٤) مع الرفع.
(أن نصلي الصلوات (٥»: -بالنون- عند الأصيلي، و-بالتاء (٦) - عند غيره، قال القاضي: والأولُ أوجه (٧).
(فتَقسمها): -بفتح التاء-، ولم يسأله عن الحج، لأنه (٨) كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم (٩).
_________________
(١) في "ع": "وفي رواية".
(٢) رواه أبو داود (٤٨٦) عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) انظر: "التنقيح" (١/ ٥٢).
(٤) في "ج": "بالرفع بمد".
(٥) في "ن": "الصلوات الخمس".
(٦) في "ع": "والتاء".
(٧) انظر: "مشارق الأنوار" (٢/ ١٥).
(٨) في جميع النسخ عدا "ع": "كأنه".
(٩) في "ع": "إبراهيم - ﷺ -".
[ ١ / ١٧٩ ]
(آمنت بما جئتَ به): وليس مستندُه في الإيمان السؤالَ والجوابَ والقسمَ خاصة، بل مستندُه (١) المعجزات التي آمنَ عليها البشر، وإنما هذا السؤالُ والاستفهام على (٢) الوجه الذي (٣) وقع من بقايا جَفاءِ (٤) الأعراب الذين وَسِعَهُمْ حلمُه ﵊.
* * *