وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ - ﷺ -، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
(أن يحبَطَ): -بفتح الباء والطاء-، والإحباط قسمان:
إحباط إسقاط (١): وهو إحباط الكفر لجميع (٢) الأعمال الصالحة.
وإحباط موازنة: وهو وزن العمل الصالح بالسيء، فإن رجح السيء، فأمه هاوية، أو الصالح، فهو في عيشة راضية، والمراد هنا: الثاني، لا الأول.
قال ابن المنير: انتقل البخاري من الرد على القدرية إلى الرد على المرجئة، وهما ضدان: القدرية تكفِّر بالذنب، والمرجئة تُهدر الذنبَ بالكلية، وما ساقه في الترجمة صريح في الرد عليهم (٣).
(إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا): المختار في ضبطه -كسر الذال المشددة-؛ لأنه خاف التقصير في العمل، وضبط -بفتحها-؛ أي: خشيت
_________________
(١) "إسقاط" ليست في "ج".
(٢) في "م" و"ج": "بجميع".
(٣) انظر: "فتح الباري" (١/ ١٣٥).
[ ١ / ١٤٨ ]
أن يكذبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي (١)
(مُليكة): -بضم الميم- مصغرًا.
* * *
٤٢ - (٤٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".
(عَرْعَرة): بعينين مفتوحتين وراءين أولاهما (٢) ساكنة، وكلاهما (٣) مهملة (٤).
(زُبيد): -بزاي مضمومة وباء موحدة ومثناة (٥) من تحت-، وليس هو في "الصحيحين" إلا كذلك.
(سِباب المسلم): -بكسر السين-: مصدرُ سَبَّ؛ أي: شتمَ، وفسره الراغب بالشتم الوجيع (٦).
(وقتاله): يحتمل ما يؤدي إلى إزهاق نفسه، أو تناوله باليد (٧) من غير
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ١٣٦).
(٢) في "ج": "أولهما".
(٣) في "م" و"ن": "وكليهما".
(٤) في "ع": "كلاهما مهمل".
(٥) في "ن" و"ع": "وياء مثناة".
(٦) انظر: "مفردات القرآن" (ص: ٣٩١).
(٧) في "ع": "باليدين".
[ ١ / ١٤٩ ]
قتل (١)، كما ورد في المار بين يدي المصلي "فَلْيُقَاتِلْهُ" (٢).
(كفر): أي: كفر لحقه (٣)، وليس المراد به ما يُخرج عن الإسلام، وقيل: المراد: قتاله بغير حق، مع استحلال ذلك، فالكفر على بابه (٤)، وصُحح (٥) الأولُ؛ إذ به يحصل الزجر عن انتهاك حرمة المسلم، فهو أكثر فائدة.
* * *
٤٣ - (٤٩) - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبرُ بلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ".
(فتلاحى رجلان): قال ابن دحية في "العَلَم": المشهور هما كعبُ ابنُ مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد (٦)، ولم يأت على ذلك بشاهد.
قال الإسماعيلي: إنما ذكر البخاري في هذا الباب هذا الحديث؛ للتنبيه (٧)
_________________
(١) في "ن": "قتال"، وفي "ع": "من غير قتل له".
(٢) رواه البخاري (٥٠٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) في "ع": "أي بحقه".
(٤) في "م" و"ج": "فالكفر بابه".
(٥) في "ج": "فالكفر بأنه صح".
(٦) انظر: "التوضيح" لابن الملقن (٣/ ١٦٢).
(٧) في "م": "لتنبيه"، وفي "ج": "لينبه"، والمثبت من "ن" و"ع".
[ ١ / ١٥٠ ]
على أن التلاحي، وهو المماراة والمجادلة، غيرُ السباب الذي هو فسق.
(في السبع والتسع (١»: في أكثر النسخ هكذا بتقديم الأدنى، وفي بعضها بالعكس (٢).
* * *