وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بهَا إِلَى الآفَاقِ.
وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بحَدِيثِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بأَمْرِ النَّبيِّ - ﷺ -.
(نسخ عثمانُ المصاحفَ، فبعث بها (٥) إلى الآفاق): سُئل ابن المنير عن وجه إدخال هذا في المناولة والإجازة مع أن القرآن إنما يثبت بالتواتر؟
وأجاب (٦): بأنَّ المستفاد من بعث المصاحف والمناولة فيها إنما هو
_________________
(١) في "ن" زيادة: "في الإيمان".
(٢) في "ع": "عن".
(٣) "الذي" ليست في "ج".
(٤) في "ع": "جفايا".
(٥) "بها" ليست في "ن".
(٦) "وأجاب" ليست في "ع".
[ ١ / ١٨٠ ]
الإسناد إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن، فإذا رأينا في الإمام (١) حرفًا مما اختلف السبعة فيه، جاز أن يسند إلى عثمان أنه قرأ بذلك، وإن كنا لم نسمع قراءته، وهذا كما يروي التلميذ عن المقرئين السبع (٢)، ويسند إليهم (٣)، وإن كانت السبع (٤) متواترة عنده من غير الشيخ.
قال: وهذا تحقيق يرتفع به الإشكال عن عنعنة (٥) القرآن، وإسنادِها إلى الآحاد، [فلا يظن أنّا أثبتنا القرآن بالآحاد، بل بالتواتر، وأولئك الآحاد] (٦) من جملة عدد التواتر، ومزيتهم (٧) الشهرةُ بالحذقِ والتجويد في الأداء.
قلت: وبهذا يجاب عما حكاه شيخنا أبو عبد الله بن عرفة عن شيخه ابن عبد السلام، وابنِ إدريسَ من أن السبعَ غيرُ متواترة، مستدِلَّيْنِ بأن شرط التواتر استواءُ الطرفين فيه والوسطِ، والسبعُ تنتهي إلى أبي عمرٍو الداني.
قال شيخنا - ﵀ -: وكان جوابي للشيخين (٨): منعُ حصرِ وقفِها على الداني، بل شاركه في ذلك عدد كثير، والخاصُّ به شهرتُها فقط، وهذا قريب مما سبق.
_________________
(١) في "ن" و"ع": "في مصحف الإمام".
(٢) في "ن" و"ع": "المقرئ للسبع".
(٣) في "ن و"ع": "إليه".
(٤) في "ع": "السبعة".
(٥) في "ن" و"ع": زيادة: "القراء".
(٦) ما بين معكوفتين سقط من "ج".
(٧) في "ع": "ومن مزيتهم".
(٨) في "ع" و"ج": "جوابي الشيخين".
[ ١ / ١٨١ ]
(حيث كتب لأمير السرية كتابًا): أمير السرية عبدُ الله بن جحش - ﵁ -، وهي ثمانيةُ رَهْطٍ من المهاجرين: سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، وعُكَّاشَة، وعُتْبَةُ بنُ غَزوانَ، وأبو حذيفةَ بنُ عتبةَ بنِ ربيعةَ، وسُهَيل بنُ بيضاءَ، وعامرُ بنُ ربيعةَ، وواقدُ بنُ عبد الله، وخالدُ بنُ البُكَير.
ونص الكتاب:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
أمّا بعد:
"فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ بمَنْ مَعَكَ (١) مِنْ أَصْحَابكَ حَتَّى تَنْزِلَ ببَطْنِ (٢) نَخْلَةَ (٣)، فَتَرَصَّدْ بهَا عِيرَ قُرَيْشٍ؛ لَعَلَّكَ أَنْ تَأْتِيَنَا بخَبَرٍ مِنْهُ (٤) " (٥).
* * *
٥٦ - (٦٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ بكِتَابهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ، مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّب قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
_________________
(١) في "ع": "تبعك".
(٢) في "ن": "بطن".
(٣) في "ع" و"ج": "ببطن نخل".
(٤) في "ن": "منه بخبر"، وفي "ع": "منها بخبر"، وفي "ج": "تأتينا عنه بخبر".
(٥) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٣/ ١٤٧).
[ ١ / ١٨٢ ]
(بعث بكتابه رجلًا): هو عبدُ اللهِ بنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ، وقيل: خُنَيْسٌ أخوه، ذكره ابن بَشْكَوالَ عن عُمَرَ بنِ شَبَّةَ (١)، وتُعقِّب بأن خُنيسًا مات في أُحد، وهي في (٢) الثالثة، والرسلُ إلى الملوك إنما كانوا في السابعة.
وحكى ابنُ بَشْكوال في رواية: أن هذا الرجل كان شُجاعَ بنَ وَهْبٍ (٣)، وتُعُقِّبَ بأن شجاعًا كان الرسولَ إلى الحارثِ بنِ أبي شَمِرٍ الغَسَّاني.
(فدفعه (٤) عظيم البحرين):
قلت (٥): لعله المنذِرُ بنُ ساوَى العَبْدِيُّ.
(إلى كَسرى): -بفتح الكاف وكسرها-: هو ابنُ هُرْمُزَ، وهو أَبْرَويز (٦)، ومعناه بالعربية: المظفَّر.
قال ابن المنير: ووجهُ (٧) دخولِ كسرى في المناولة: أنه - ﵊ - لم يقرأ كتابه على رسوله، ولكنْ ناولَه إياه، وأجازَ له أن يُسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتابُ رسولِ الله - ﷺ -، ويلزم المبعوثَ إليه العملُ بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة من (٨) الأحاديث.
_________________
(١) في "ع" و"ج": "شيبة" وهو خطأ.
(٢) "في" ليست في "ع".
(٣) انظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (١/ ١١٣).
(٤) في "ع" زيادة: "إلى".
(٥) في "ن" و"ع": "قيل".
(٦) في "ن": "وهو ابن أبرويز".
(٧) في "ع" و"ج": "وجه".
(٨) في "ن" و"ع": "في".
[ ١ / ١٨٣ ]
(فحسبت أن ابن المسيَّب): -بكسر الياء وفتحها-، قال السفاقسي: -وبالفتح- رويناه (١).
* * *