" الْبِتْعُ" (١) البتع بكسر الباء بلا خلاف وإسكان التاء في المشهور، وذكر بعض أهل اللغة فتحها، وهو شراب العسل كذا جاء مفسرًا في الحديث.
وفي باب تحريم الحُمُر (٢): "أَوْ نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ" (٣) أي: قطعًا وفصلًا من غير علة، يقال منه: بتَّه وأبتَّه؛ لأنهم تأولوا أنه حرمها؛ لأنها لم تُخمَّس، أو لأنها قسمت بغير إذنه، أو لئلا يفنى الظهر، أو لأنها جَوَّال القرية فجاء في هذا الحديث تحريمُها من غير علة، وذلك معنى قولهم: في الطلاق: البتَّة، أي: القطع للعصمة، وأبتُّوا نكاح هؤلاء النساء، أي: أقطعوا العمل به، يعني: المتعة أو عصمة ما بينكم وبينهن.
و"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يبِتَّهُ مِنَ اللَّيْلِ" (٤) أي: يبيته ويقطع نيته عليه.
قوله - ﷺ -: "اقْتُلُوا الأَبْتَرَ" (٥) أصله: القصير الذنب، وفسر هاهنا بأنه الأفعى. وقال النضر: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلاَّ أسقطت.
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٨٤٥، البخاري (٥٥٨٥، ٥٥٨٦)، مسلم (٢٠٠١) عن عائشة، والبخاري (٤٣٤، ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ٦١٤٢)، مسلم (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري.
(٢) تصحفت في (س) إلى: (الخمر) بالخاء المعجمة!
(٣) البخاري (٤٢٢٠)، مسلم (١٩٣٧) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) روى النسائي ٤/ ١٩٧، وفي "الكبرى" ٢/ ١١٧ (٢٦٤٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٢ من حديث حفصة مرفوعا: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الْصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ".
(٥) البخاري (٣٢٩٩)، مسلم (٢٢٣٣) عن ابن عمر.
[ ١ / ٤٤١ ]
في باب الدعوة قبل القتال: "قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ - جُوَيْرِيَةَ - أَوِ: الْبَتَّةَ" كذا في جميع نسخ مسلم (١)، وصحّفه محمَّد بن أبي نصر الحميدي الحزمي (٢) فضبطه: "أَوِ الْيَتَّة" (٣) كأنه توهم أنه اسم شك فيه وفي جويرية، ولم يُسمع: "ألِيْتَة".
وإنما أراد يحيى القطع بعد ما اعترضه من الشك في نسبها، فقال: "أَحْسِبُهُ قَالَ جُوَيْرِيَةَ"، فقطع ولم يذكر: ابنة الحارث، ثم ارتفع شكه أو غلب على
_________________
(١) مسلم (١٧٣٠).
(٢) تنبيه: لم أجد أحدًا ممن ترجم للحميدي ذكر في نسبته: (الحزمي)، وولعل المصنف أراد بها نسبته لابن حزم الظاهري؛ لكثرة ملازمته له، قال ابن خلكان في ترجمته من "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٢: روى عن أبي محمَّد ابن حزم الظاهري، واختص به، وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته. وقال الحافظ الذهبي في "تاريخ الإِسلام" ٣٣/ ٢٨١: كان من كبار أصحاب أبي محمَّد ابن حزم الفقيه، سمع ابن حزم وأخذ عنه أكثر كتبه. قلت: والمشهور في النسبة لابن حزم ومذهبه أن يقال: الظاهري، وإليها نسب الحميدي، فقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ١٢٠: الامام القدوة، المتقن الحافظ، شيخ المحدثين، أبو عبد الله محمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد، الأزدي، الحميدي، الأندلسي، الميورقي، الفقيه، الظاهري، صاحب ابن حزم وتلميذه. وإن كان كان يصح أيضًا أن ينسب فيقال: (الحزمي)، وفي "الأنساب" للسمعاني ٤/ ١٤٩ لم يذكر هذِه النسبة لابن حزم، فاستدرك عليه ابن الأثير في مختصر الإنساب المسمى "اللباب في تهذيب الإنساب" ١/ ٣٦٣ فقال: فاته - أي: السمعاني - النسبة إلى الفقيه أبي محمَّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، كان يقول بمذهب الظاهرية في الفقه، وله خلق كثير ينتسبون إليه بالأندلس، يقال لهم: الحزمية، ويقال: إن أبا عبد الله الحميدي كان يميل إلى مذهبه.
(٣) في المطبوع من "الجمع بين الصحيحين" ٢/ ٢٥٤ (١٣٨٢) على الصواب: "الْبَتَّةَ".
[ ١ / ٤٤٢ ]
ظنه أنه قال له: ابنة الحارث، أي: أقطع أنه قاله، ويدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: "وَقَالَ: جُويرِيَةَ" ولم يشك، وكان يحيى لورعه كثير التوقف، وربما ذكر المشكوك فيه حتى كان يلقب بـ: الشكاك (١).
ومثله قوله أيضًا في آخر حديث الصلاة بعد الجمعة: "أَظُنُّنِي قَرَأْتُ فَيُصَلِّي أَوِ الْبَتَّةَ" (٢) شك هل قرأ فيصلي ثم غلب يقينه فقال: "أَوْ البَتَّةَ" أي: لا أشك في أني قرأته.
وفي "الموطأ" فيمن أعتق شركًا له في عبد، قال مالك: " لأنَّهُمْ لَيْسُوا هُمْ ابْتَدَءُوا العَتَاقَةَ وَلَا أبتُّوهَا" كذا لابن وضَّاح، ولبعضهم: "أَثْبَتُوهَا" (٣)، ورواه آخرون: "أَنْشَؤوهَا" أي: ابتدؤوها، وكذا في كتاب ابن عبد البر وسقطت الكلمة كلها من كتاب ابن بكير.
وتقدم الخلاف في قوله: "فَإنْ بَاتُّونَا" أو "يَأْتُونَا" (٤) في حرف الهمزة، أحدهما من المجيء، وهي رواية الكافة، والأخرى من البتات، أي: قاطعونا، وهي رواية ابن السكن، ومن الإتيان أظهر وأقوى.
وفي حديث جابر في الأقراص: "فَوُضِعْنَ عَلَى بَتِّيًّ" (٥) على وزن قَسِّي،
_________________
(١) روي في "العلل ومعرفة الرجال" ٣/ ٤٣٧، و"الجرح والتعديل" ٩/ ١٩٧ عن الإِمام أحمد أنه ذكر يحيى بن يحيى فأثنى عليه خيرًا، وأظنه قال: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى، قال: كنا نسميه يحيى الشكاك؛ يعني من كثرة ما كان يشك في الحديث.
(٢) مسلم (٨٨٢/ ٧١)، ووقع في النسخ الخطية: (أظنه).
(٣) "الموطأ" ٢/ ٧٧٣.
(٤) البخاري (٤١٧٨، ٤١٧٩).
(٥) قال القاضي في "المشارق" ١/ ٢٠٩: بباء مفتوحة بواحدة وتاء باثنتين فوقها مكسورة مشددة وياء مشددة كياء النسب. وكذا قال في "إكمال المعلم" ٦/ ٥٣٩ وقال أيضًا:
[ ١ / ٤٤٣ ]
كذا ضبطناه من طريق القاضي أبي علي وأبي بحر، وفي أصل ابن أبي جعفر: " بُنِّيًّ" (١)، وقال: هي للطبري. قال ابن وضَّاح: وهو الصواب، قال: وهو طبق أو مائدة من خُوص أو حلفاء، وكان عنده لغيره: "عَلَى بَتِّيّ"، والبت: كساء غليظ من وبر أو صوف، وفي "العين": البت: ضرب من الطيالسة (٢). وفي بعض النسخ: "عَلَى بُنِّي" بباء مضمومة ثم نون مكسورة مشددة ثم ياء في آخره من غير همزة (٣)، وكذلك أصلحه (٤) الوَقَّشِي وفسره بأنه طبق من خوص. وقال ثعلب: النُّفْيَةُ والنَفِيَّةُ: شيء مدور من خوص، قال: وهو الذي تسميه العامة: النِّبِيَّة. وقال كراع: هو كالسفرة. وقال ابن الأعرابي: هو طبق عريض للطعام، فلو رواه أحد بالفاء بعد النون في أوله لأمكن أن يراد به هذا الذي قال ثعلب، أو يكون قد غير إلى لفظ العامة، وعند ابن الحذاء: "عَلَى شَئءٍ" وهذِه الرواية أسلم (٥).
_________________
(١) كذا ضبطناه عن الصدفي والأسدي من شيوخنا، قال: البت: كساء من وبر أو صوف، فلعله منديل وضع عليه هذا الطعام، وكان في كتاب الخشني عن الباجي نحوه، وكان عنده لابن ماهان مثله، إلا أنه بفتح الباء والتاء معًا. اهـ بتصرف.
(٢) قال القاضي ١/ ٢٠٩: بضم الباء أولًا وبعدها نون مكسورة مشددة. وقال في "الإكمال " ٦/ ٥٣٩: قال القاضي الكناني: وهو صواب، وهو طبق من خوص.
(٣) "العين" ٨/ ١٠٩ مادة (بتت).
(٤) كذا في جميع النسخ ضبطها ابن قرقول بالكلام، وضبطها القاضي في "المشارق" ١/ ٢٠٩ (بني) وقال: بتقديم النون).
(٥) في (س): (أصلحنا).
(٦) قلت: بعد كل هذِه الروايات التي ذكرها المصنف، الذي في مطبوع "صحيح مسلم" (٢٠٥٢/ ١٦٩): " فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ"، قال النووي في "شرح مسلم" ١٤/ ٨: هكذا هو في أكثر الأصول: "نَبِيًّ" بنون مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء مثناة تحت مشددة، وفسروه بمائدة من خوص.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وفي تفسير الوصيلة: "هِيَ النَّاقَةُ البِكْرُ تبكِّرُ في أَوَّلِ النَّتاجِ ثُمَّ تُثنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيبونَها لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ" (١) كذا لهم بالباء من التبكير والسبق، وعند الجُرْجَانِي: "تُذْكر" أي: تأتي بذكر، والأول أظهر على ما وصل به الكلام، وأما على تفسير غيره وعلى مذهب قتادة وما ذكره ابن الأنباري فله وجه.
_________________
(١) البخاري (٤٦٢٣).
[ ١ / ٤٤٥ ]