قول جريج: "يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ" (١) هو اسم للرضيع من أي نوع كان، وقال صاحب "جامع اللغة": هو ولد كل شيء في صغره والمعنى متقارب، وقيل: هو ولد الناقة خاصة ثم يستعار لغيرها، وقيل: هو عربي، وقيل: ليس بعربي لكنه عُرِّب، وقد ذكر أهل اللغة من مثل هذا البناء أربعة عشر لفظًا على فاعول، لام الفعل منه، سين.
وقد قال الداودي: هو اسم علم لذلك المولود. والصحيح ما قاله أهل اللغة، وقد روي من طريق غير ثابت أنه ناداه في بطن أمه قبل أن يخرج فيسمى أو يعلم ذكر هو أم أنثى، وقد جاء في الصحيح: "مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ" (٢) وهذا يدل على تفسيره بأنه الغلام - يعني: الصغير - وأنه كان مولودًا وأنه ليس بعلم، وقد قال أهل اللغة: إنه ليس في العربية اسم فاؤه وعينه حرف واحد إلاَّ هذا ودَد - يعني: اللهو - وببَّان.
قوله: "عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ" (٣) يقال: باء بأة وباءة وباهة، وهو هاهنا النكاح، ويسمى به الجماع أيضًا، وأصله أن من تزوج تبوأ منزلًا، فعلى هذا أصله الواو لا من المهموز الأصلي.
_________________
(١) البخاري (١٢٠٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) البخاري (٢٤٨٢) من حديث أبي هريرة.
(٣) بهذا اللفظ رواه الترمذي (١٠٨١)، والنسائي ٤/ ١٦٩، وفي "الكبرى" ٢/ ٩٥ (٢٥٤٧) عن عبد الله بن مسعود، وهو في البخاري (١٩٠٥، ٥٠٦٦) بلفظ: "مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ"، ومسلم (١٤٠٠) بلفظ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ".
[ ١ / ٤٣٣ ]
قوله - ﷺ -:"لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا" (١)، عند أبي زيد المروزي: "لَمْ يَبْتَئِزْ" بالزاي قاله الأصيلي. قال القاضي: وعند الأصيلي في داخل كتابه: "يَنْتَئِرْ" بنون وراء وصحح عليه، وعند ابن السكن: "يَأْتَبِر" أو "يَبْتَئِرْ" وهما بمعنىً، ووجدت في أصل القاضي - ﵀ - بخط يده في داخل الكتاب: "يَبْتَئِزْ" وكتب في مقابلته في الحاشية: كذا عند أبي زيد وبالزاي قرأه، وداخل كتاب الأصيلي: "أو يَنْتَبِرْ" صحيح.
قلت: هذا كله مما نقلته من خط أبي الفضل - ﵀ -، ومن خطه أيضًا في الحاشية، وعند ابن السكن: "لَمْ يَأْتَبِرْ" أو"يَبْتَئِرْ" وهما بمعنى، وأنشد الأصيلي - ﵀ - بخطه:
فإِنْ لم تَأْتَبِرْ رُؤَسا قُرَيْشٍ. . .فَلَيْس لِسَائِرِ النَّاسِ ائْتِبَارُ (٢)
وفي رواية: "لَمْ يَبْتَهِرْ" بالهاء، وفي أخرى: "مَا آبْتَأَرَ" بالهمزة هكذا في مسلم (٣)، وفسره: لم يدخر، وفي رواية مسلم أيضًا: "مَا امْتَأَرَ" (٣) بالميم.
وقوله: "الْبِئْرُ جُبَارٌ" (٤) البئر يهمز، ولا يهمز إذا سهل، والأصل الهمز،
_________________
(١) البخاري (٦٤٨١)، مسلم (٢٧٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" مادة (بار)، وابن منظور في "لسان العرب"، والزبيدي في "تاج العروس" مادة (أبر)، وابن منظور أيضًا مادة (بأر) ونسبوه للقطامي، وعندهم: (رَشَدًا) بدلًا من: (رُؤَسَا).
(٣) مسلم (٢٧٥٧/ ٢٨).
(٤) "الموطأ" ٢/ ٨٦٨ - ٨٦٩، البخاري (٦٩١٣، ٦٩١٢، ٢٣٥٥، ١٤٩٩)، مسلم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٤٣٤ ]
والجمع بئار وآبار وأبآر، قيل: أريد به البئر القديمة، وقيل: هو ما حفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك (١) فيها فهو هدر، وذلك مبسوط في كتب الفقه، واشتقاقه من بأرت إذا حفرت، والبؤرة: الحفرة.
في صفة الجنة: "لَا يَبْأَسُ" (٢) ولا يبأسون كله من البأساء وهي الشدة، أي: لا تصيبهم شدة في الحال ولا في الأنفس، وهو البوس والبؤس والبأس، وفي الحديث: "هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ" (٣)، ويروى: "بؤسى" والتنوين أكثر وهو المصدر.
وقوله: "أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ" (٤) أي: شدة المرض، والبأس أيضًا: شدة المرض، والبأس أيضًا: الحرب، ومنه: "كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ البَأْسُ" (٥)، ومنه: "وأَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ" (٦)، ومنه: "لَكنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ" (٧)، ومنه: "يَا بُوْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ" (٨) يعني عمارًا، أي: يا بؤسه وما يلقاه من شدة حاله كما قد كان.
ومنه: "عَسَى الغُويْرُ أَبْؤُسًا" (٩) أي: عساه يحدث أبؤسًا، وهو مثل يُضرب لما يتقى من بواطن الأمور الخفية الغارَّة بظاهرها.
_________________
(١) في (س): (سلك).
(٢) مسلم (٢٨٣٦).
(٣) مسلم (٢٨٠٧) من حديث أنس.
(٤) البخاري (٥٦٧٥)، مسلم (٢١٩١) من حديث عائشة.
(٥) مسلم (١٧٧٦/ ٧٩) عن البراء بن عازب، بلفظ: "إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ".
(٦) "الموطأ" ١/ ٢١٦، مسلم (٢٨٩٠) عن سعد بن أبي وقاص.
(٧) "الموطأ" ٢/ ٧٦٣، البخاري (١٢٩٥)، مسلم (١٦٢٨) عن سعد بن أبي وقاص.
(٨) مسلم (٢٩١٥/ ٧٠) عن أبي سعيد الخدري.
(٩) البخاري معلقًا قبل حديث (٢٦٦٢).
[ ١ / ٤٣٥ ]
"مَنْ لم يَأْمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ" (١) هي الغوائل والمضار.