قوله: "لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا" (٢) كذا رواية الكافة بتقديم الباء أولًا ساكنة وفتح التاء باثنتين فوقها بعد وهمزة مكسورة ثم راء، و] (٣) روى ابن أسد عن ابن السكن: "لَمْ يَأْتَبِرْ خَيْرًا" وهو بمعنى: "يَبْتَئِرْ" أي: لم يقدم، كذا جاء مفسرًا في الحديث، يقال: بأرت الشيء (وابتأرته وائتبرته) (٤) إذا ادخرته وخبأته، ومنه سميت الحفرة: بؤرة، وقد يكون بمعنى: لم يصلح عملًا، من الإبار، ووقع للبخاري في كتاب التوحيد للمروزي أبي زيد: "لَمْ يَبْتَئِرْ" أو "يَبْتَئِزْ" على الشك في الراء والزاي، وللجرجاني أبي أحمد: "لَمْ يَنْتَئِزْ" بالنون والزاي وهما جميعًا غير صحيحين، وأما: " يَبْتَهِرْ" بالهاء، وأما: "امْتَأَرَ" بالميم والهمزة فهما صحيحان بمعنى الأولين، لكنهما لم يقعا في الصحيح، إنما رويا في غير الكتابين (٥).
قوله: "وَهُوَ هذا البَارِزُ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَهُمْ أَهْلُ البَارَزُ" كذا قيده الإِمام الأصيلي بخطه بتقديم الراء على الزاي وفتحها، ووافقه على ذلك ابن السكن وغيره، إلا أنهم ضبطوه بكسر الراء. قال القابسي: يعني
_________________
(١) البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريج، مسلم (٤٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) البخاري (٦٤٨١)، مسلم (٢٧٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ، والمسندرك من "مشارق الأنوار" ١/ ٢٠٤.
(٤) في (د، ظ): (وأبارته وابتأرته)، وفي (أ): (أبأرته).
(٥) لفظ: "امْتأَرَ" وقع في "صحيح مسلم" (٢٧٥٧/ ٢٨) وقد ذكره المصنف قبل قليل وعزاه لمسلم.
[ ١ / ٤٣٦ ]
البارزين لقتال أهل الإِسلام، أي: الظاهرين في بَرَازٍ من الأرض، وقيده أبو ذر في اللفظ الآخر بتقديم الزاي مفتوحة "البَازَرُ" (١).
وقوله في إدام أهل الجنة: "بَالَامٌ وَنُونٌ" (٢) كذا جاء في (٣) جميع الروايات، إلاَّ أن المروزي ضبطه بلامين مفتوحتين: "بَالَلَامٌ" والمعروف "بَالَامٌ"، وتفسيره في الحديث: ثور الجنة، والنون: الحوت، وأما النون فمعروف في كتاب الله تعالى، وفي لسان العرب، وأما: "بَالَامٌ" فليست بعربية، ولا حكاها أحد عنهم.
قال عياض: ووجدت هذا الحرف في كتاب الحميدي - يعني: الأندلسي - "بِاللأي" (٤)، واللَّأَي: الثور الوحشي، على مثال اللَّمي (٥) واللَّعي، ولا أعلم من رواه هكذا إلاَّ ما رأيت له فإن كان أصلحه مما ظن أنه صحف فقد بقيت الميم التي ثبتت بعد اللام في الصحيح، فتحمل على أنها تصحفت من الياء الساكنة بعد اللام من اللأي (٦).
وقال الخطابي: لعل اليهودي أراد التعمية فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين، وإنما الرتبة: لام ألف وياء هجاء، لأَى، على وزن لعَى، فصحف الراوي الياء بالباء. قال: وهذا أقرب ما يقع لي فيه، اللهم إلاَّ أن
_________________
(١) البخاري (٣٥٩١) من حديث أبي هريرة.
(٢) البخاري (٦٥٢٠)، مسلم (٢٧٩٢) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) في (س): (من).
(٤) "الجمع بين الصحيحين" ٢/ ٤٣٦ (١٧٥١)، والذي في مطبوعه: " بَالَامٌ"، ووقع في (س): (يلالأي).
(٥) في (د): (اللَّهي)، وفي (أ): (اللَّهي).
(٦) "مشارق الأنوار" ١/ ٢٠٥.
[ ١ / ٤٣٧ ]
يكون عبر عنه بالعبرانية فقدم الياء؛ لأن أكثر العبرانية مقلوب عن لسان العرب بتقديم حروفٍ وتأخيرها، وقد قيل: إن العبران هو العربان فقدموا الباء. قال: وهذا كله مع ما فيه من التحكم والظن غير مسلم؛ لأن هجاء: اللأي، غير هجاء: باللام، وأولى ما يقال أن تقرأ الكلمة كما رويت وتكون عبرانية؛ ألا ترى أنهم سألوا اليهودي عن تفسيرها، ولو كانت كما قال الحميدي "بِاللَّأي" لعرفوها بلغتهم، ولا يوجد في اللغة العبرانية باللام أنه اسم ثور، وقد سألت عنه من يقوم به فلم يعرفه.
قالوا: وإنما البالم في اللغة العبرانية: الشديد، فلا يمتنع أن يكون عندهم مستعملًا في الثور وكل ما يوصف بالشدة والقوة.
في حديث الدجال وفتح القسطنطينية: "إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ، هُو أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ" (١) كذا للسمرقندي وبعض طرق (٢) ابن ماهان، وعند العذري: "بِنَاسٍ - بالنون - أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ": بالثاء، وهو وهم، والصواب هو الأول بدليل آخر الحديث، ولقوله: "فَيَأْتِيْهِمُ الصَّرِيخُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ" (٣) فهو تفسير للبأس الأكبر.
_________________
(١) مسلم (٢٨٩٩) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٢) في (د، أ، س): (طريق).
(٣) مسلم (٢٩٢٠).
[ ١ / ٤٣٨ ]